أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - حسن مدبولى - إبراهبم الوردانى، وبطرس باشا غالى، قولوا لعين الشمس















المزيد.....

إبراهبم الوردانى، وبطرس باشا غالى، قولوا لعين الشمس


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 02:33
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


بعض الحكايات لا تجد مكانها في الكتب، بل تستقر في الوجدان؛ تتوارثها الأفواه، وتبقى حية في نبرة صوت، أو شجن رواية ، أو كلمات قليلة يرددها الناس من غير أن يعرفوا لمن قيلت، ولا في أي زمن خرجت إلى النور.

وبعض الرجال لا يبقى منهم تمثال في ميدان، ولا سطور فى كتب التاريخ، ولا شارع يحمل أسماءهم، ولا صورة معلقة على جدار، ولا مسلسلات أو أعمال فنية تخلد ذكراهم ، لكن مع ذلك يبقى منهم أثر خافت، مختبئ في أغنية عابرة ،أو حكاية حزينة متوارثة، كأن الذاكرة الشعبية آثرت أن تحفظ وجعهم لا تفاصيلهم، وأن تصون لحظة رحيلهم، ولو نسيت وجوههم وأسماءهم.

ومن بين هؤلاء يطل اسم شاب مصري يدعى إبراهيم ناصف الورداني، وهو شاب دخل التاريخ في الرابعة والعشرين من عمره، ثم غادره سريعاً، تاركاً وراءه قضية سياسية شديدة التعقيد، وحكماً بالإعدام تم تنفيذه ، وسؤالاً لم يخفت صداه، يدور حول إمكانية أن يتحول الغضب الوطني، حين تضيق أمامه السبل، إلى رصاص !؟

الذاكرة المصرية اختزلت حكاية الوردانى كلها في اسم واحد: غزال البر.ومن هنا ارتبط اسمه، في الرواية القديمة ، بذلك المقطع الذي غنته الفنانة الشعبية "نعيمة شخلع" والذى ظل يتردد عبر السنين:

«قولوا لعين الشمس ما تحماشي
لحسن غزال البر صابح ماشي»

ثم مضى الزمن، وتبدلت مصر، وتغيرت دلالات الكلمات والوقائع. وغنت شادية:
«قولوا لعين الشمس ما تحماشي
لحسن حبيب القلب صابح ماشي»

فبقيت الأغنية والمقطع ، بينما تراجع صاحب الحكاية إلى الظل.
لكن من هو «غزال البر» أو إبراهيم الوردانى ؟ ولماذا مضى ذلك الشاب إلى المشنقة !؟ وهل كانت الأغنية وداعاً شعبياً منطقيا له، أم أنها زادت من الحزن عليه ؟

وُلد إبراهيم الورداني في القاهرة عام 1886، ونشأ في أسرة ميسورة نسبياً، وتلقى تعليماً حديثاً، ثم درس الصيدلة في أوروبا. وكان، وفق الحسابات العادية للحياة، يمتلك طريقاً واضحاً إلى مستقبل هادئ ومحترم. كان يستطيع أن يعود إلى بلده صيدلانيا محترفا ،ويمتلك ثروة من هذا التخصص الذى كان نادرا فى ذلك الوقت، إذا إختار العيش بعيداً عن ضجيج السياسة وتقلباتها.

لكن مصر في تلك السنوات لم تكن تترك أبناءها بسهولة خارج السياسة. فقد كان الاحتلال البريطاني حاضراً في أجهزة الدولة والجيش والإدارة، وكانت الحركة الوطنية تتسع وتتصاعد، خاصة فى أعقاب جراح حادثة دنشواي واعدام فلاحى مصر، والتى بقيت قضية مفتوحة في الذاكرة المصرية، تنزف كلما ذُكر الظلم أو استُعيد الحديث عن العدالة.
وفي قلب ذلك المشهد كان يقف بطرس باشا غالي، رئيس الوزراء المصري، فى مشهد رئيسى بجوار المحتل ، ولم يكن بطرس غالي إنجليزياً، بل كان مصرياً ، غير أنه في نظر قطاع واسع من الحركة الوطنية، كان واحداً من أبرز رجال السلطة الرسمية المرتبطين بالسياسة البريطانية والنفوذ الأجنبى في مصر.

أما الورداني، فكان من أولئك الذين رأوا أن مواجهة الاحتلال لا تكفيها الخطب، وأن انحيازاً وانبطاح بعض المصريين للنفوذ البريطاني، لا يجوز أن يمر بلا حساب. كان شاباً مشبعاً بفكرة الوطن، لكنه كان أيضاً أسير زمن مضطرب، اختلطت فيه الوطنية بالغضب، واختلط النضال بالنقمة واليأس.

في العشرين من فبراير عام 1910، خرج بطرس باشا غالي من مكتبه. كان الورداني في انتظاره. اقترب منه وأطلق عليه ست رصاصات، فأصيب رئيس الوزراء إصابات بالغة، ثم توفي متأثراً بجراحه في اليوم التالي.

لم تكن الواقعة نتيجة خصومة شخصية بين الرجلين، ولا تخضع لرؤية طائفية، بل كانت اغتيالاً سياسياً واضحاً. والأشد دلالة أن الورداني لم ينكر فعلته بعد وقوعها، ولم يحاول أن يفرغها من دوافعها؛ بل دافع عن رؤيته السياسية، ورأى أن بطرس غالي خائن أضر بمصالح البلاد بسبب مواقفه وصلته بالاحتلال، وأن دماء ضحايا دنشواى معلقة برقبته ،
لكن خلف الرصاص كانت تقف مصر أخرى: مصر الاحتلال، ومصر دنشواي، ومصر التي تبحث عن استقلالها في عالم بدا فيه القرار الوطني محاصراً من كل جانب.

هنا بات التساؤل أكبر من محاولة تقييم طبيعة هذا العمل الذى جنح إلى العنف واليأس، بل إلى أي مدى يمكن أن يصل الغضب بين الناس حين يشعرون بأن أبواب السياسة مغلقة، وأن الوطن يُنتزع من بين أيديهم ، وأن الكلمات لا تجد من يسمعها !؟
لا يبرر هذا السؤال القتل، ولا يحول العنف إلى بطولة، لكنه ضرورى لانه يساعدنا على فهم المناخ الذي خرج منه القرار. فالتاريخ لا يُقرأ بإدانة ردة الفعل وحدها، كما لا يُقرأ أيضا بتقديس صاحبه؛ بل بمحاولة رؤية الإنسان واللحظة والظروف التي دفعت به إلى حافة لا عودة منها.

لم يكن اسم دنشواي قد غادر الذاكرة المصرية عندما وقعت جريمة اغتيال بطرس غالي. ففي عام 1906 وقعت الحادثة الشهيرة، وانتهت بمحاكمة عدد من الفلاحين المصريين أمام المحكمة الأجنبية المختلطة، التي كان بطرس غالي عضواً فيها، وتم اصدار أحكاما قاسية شملت الإعدام والجلد والسجن، طالت أبرياء مظلومين ،
وتركت تلك الأحكام جرحاً عميقاً في الوعي الوطني. لكن بالنسبة إلى الورداني، لم تكن دنشواي واقعة قضائية مضت وانتهت، بل بدت له دليلاً على أن النظام السياسي القائم أصبح، في نظره، جزءاً من المشكلة التي تواجه مصر.
ثم جاءت قضية منح إمتياز قناة السويس للمحتل، ومواقف حكومة بطرس غالي المتواطئة مع ذلك العدو الأجنبى ، لتزيد الاحتقان وتدفع المشهد إلى مزيد من التوتر. وهكذا تداخلت لدى الورداني السياسة، والاحتلال، والوطن، وشهداء البغي والظلم،في صورة واحدة، حتى لم يعد يرى الفاصل بين الخصم السياسي والعدو الوطني.

قد نختلف اليوم، وبحق، مع الوسيلة التي اختارها. لكن فهم التاريخ يقتضي أن نفهم أولاً لماذا اختارها صاحبها. فالرفض الأخلاقي للعنف لا ينبغي أن يمنعنا من قراءة جذوره، كما أن التعاطف مع الدافع الوطني لا ينبغي أن يقودنا إلى تبرئة الجريمة أو تمجيدها.

أُلقي القبض على الورداني في مكان الحادث، وقُدم إلى المحاكمة. لم يعد أمامه مستقبل سياسي، ولا سنوات طويلة ينضج فيها، ولا فرصة كافية يعيد خلالها النظر في اختياره. كان شاباً في الرابعة والعشرين، لكنه وجد نفسه فجأة في مواجهة دولة كاملة، بإرادتها الرهينة للأجنبى ، وشرطتها واعلامها المتواطئ، ومحاكمها وعدالتها المائلة المنحازة ، وسلطة سياسية منبطحة للنهاية .
لذا وفي الثامن والعشرين من يونيو عام 1910، جاء الموعد الأخير. حيث وقف الشاب أمام مصيره؛ شاب لم يكن قد عاش بما يكفي ليرى عاقبة ما فعل، ولم يعرف إن كانت رصاصاته ستغير شيئاً في بلده، أو ستذهب هباءً مثل كثير من صرخات المقهورين.
وهنا خرجت الحكاية من أوراق المحكمة إلى الشارع، ومن لغة القانون إلى لغة الناس.
«قولوا لعين الشمس ما تحماشي
لحسن غزال البر صابح ماشي»
لكن لا ينبغي الجزم، من دون سند وثائقي قاطع، بأن الموال كتب وانتشر ليلة إعدامه تحديداً. غير أن الثابت أن الربط بين ذلك المقطع الحزين والورداني ترسخ في الذاكرة الشعبية، حتى صار «غزال البر» اسماً ملازماً له في الرواية الوطنية المصرية بدلا من ابراهيم الوردانى .
وربما كانت عبارة «صابح ماشي» أكثر كلمات المقطع دلالة. فهو ذاهب، لكن إلى أين؟ إلى النهاية التي لا عودة منها،
ذهب الوردانى ، وانقضى عمره، وخفت ذكره ولم يخلفه ولد ولا أحفاد، بينما المفارقة المحزنة أن وزير سابق يمت بصلة لبطرس غالى عاد مرة أخرى الى البلاد عقب تبرئته من قضايا فساد، كما أن شخص آخر من نفس العائلة حوكم وسجن بتهمة تهريب آثار مصر للأعداء مقابل المال !؟
انتهى لقب الوردانى كرمز على ردة الفعل التلقائية ضد الظلم والتفريط، بينما عاشت سلالة غالى ربيب المحتل؟
لم يتبق من الوردانى غير الأغنية، غير أن الحزن فيها ظل أقدم من قصتها الحماسية. فقد ظل في نبرتها شيء من وداع لا يُسترد، وبقي في عبارة «صابح ماشي» ظل إنسان يغادر إلى مكان لا يمكن أن يلحق به أحد، ولن يعود منه أبدا،
الورداني دفع الثمن كاملاً؛ دفعه شاباً، قبل أن تمنحه الحياة فرصة النضج، وقبل أن يرى إلى أين تمضي مصر التي أحبها، أو إن كانت ستصل إلى الحرية التي حلم بها.أم لا
فلم يعش ليشهد ثورة 1919، ولم ير سعد زغلول يقود المصريين، ولم يشهد سقوط الحماية البريطانية،فى 1936، ولا الجلاء فى 1954، كما لم يعرف كيف ستتغير البلاد بعد ذلك.
لم ير الدولة التي حلم باستقلالها، ولم يعرف إن كان ما فعله سيترك أثراً في طريقها، أم سيظل مجرد مأساة شخصية في زمن مضطرب.
انتهت حياة إبراهيم الورداني عام 1910، لكن الجدل حوله لم ينتهِ.
ظل البعض يراه وطنياً، ورآه آخرون قاتلاً، وبقيت الحقيقة التاريخية معلقة حائرة تجاه شاب آمن بقضية، واختار لها طريقاً بالغ الخطورة، ودفع حياته ثمناً لذلك الاختيار.

وربما كان أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يموت ثم يُنتهى ذكره . لكن الورداني، رغم ضياع تفاصيل كثيرة من حياته واختفاء وجهه من ذاكرة أجيال، لم يُنس تماماً. بقي اسمه متخفياً داخل أغنية، وصار المصريون يغنون من أجله، من غير أن يعرف الكثيرون منهم، من هو وماهى قضيته ؟



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تطبيق العلمانية فى مصر
- جعير الأذان ؟الأذان صوت الذاكرة والهوية
- دعما لدينا المصرى
- بريشيا ، الإسماعيلى ، والدور على الزمالك ؟
- جاهل ، أرعن ، أم ماذا ؟
- شفيقة ومتولى ، تراث سوهاجى وعربى ودولى !؟
- القرآن الكريم من الحذف الباريسى، الى التطويع الخليجى
- كيمت الثقافة التى اندثرت ؟
- دشت ليلى وابو زعبل ،،
- كانوا ذاهبين إلى العمل ، فوصلوا الى القبور !!
- صلاة فاضحة فى الطريق العام !!
- هوية كيمت، أم هوية مصر!؟
- تحالف غير مقدس !؟
- التفاهات فى مصر!؟
- الشيخان : أحمد الشرع ونعيم قاسم
- بذور الطائفية العربية والاستقواء بالأجنبي !!
- الزلازل والحروب علاقة أم صدفة !؟
- تركيا ومصر اقتصادان ونتائج متباينة !!
- مستقبل الدولة فى مصر!!
- النظام البرلمانى ، مخرج آمن للمستقبل فى مصر


المزيد.....




- نبيل بنعبد الله يعزي الرفيق أحمد زكي عضو المكتب السياسي لحزب ...
- Brazil Must Not Surrender Its Critical Minerals
- أُدين بالرشوة.. السجن 5 سنوات لرئيس الإكوادور السابق لينين م ...
- بعد حل «قسد»: نهاية نموذج أم بداية مراجعة يسارية للقضية القو ...
- الإكوادور.. الحكم على الرئيس الأسبق لينين مورينو بالسجن 5 سن ...
- دول الخليج العربية وإسرائيل: الحرب والتطبيع والاقتصاد العالم ...
- الاقتصاد السياسي للحرب ضد إيران. مقابلة مع آدم هنّية*
- بوتين يهنئ معمرة ناجية من حصار لينينغراد مقيمة في الولايات ا ...
- هل تخلى حزب العمال عن مبادئه؟
- Truth They Do Not Want You To Know: Half the World but Only ...


المزيد.....

- [كراسات شيوعية]اغتيال أندريه نين: أسبابه، ومن الجناة :تأليف ... / عبدالرؤوف بطيخ
- سلام عادل- سيرة مناضل - الجزء الاول / ثمينة ناجي يوسف & نزار خالد
- سلام عادل -سیرة مناضل- / ثمینة یوسف
- سلام عادل- سيرة مناضل / ثمينة ناجي يوسف
- قناديل مندائية / فائز الحيدر
- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - حسن مدبولى - إبراهبم الوردانى، وبطرس باشا غالى، قولوا لعين الشمس