|
|
- قطاع الطرق - في شمال المغرب قراءة نقدية في الخطاب الأمني الإسباني من خلال تقرير الكولونيل أوزبالدو كاباث
محمد عبد المومن
الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 04:48
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
المقدمة شكل فرض الحماية الإسبانية على شمال المغرب سنة 1912 بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، اتسمت بإعادة تشكيل المجال السياسي والأمني وفق منطق استعماري هدفه إخضاع القبائل وإدماجها داخل المنظومة الاستعمارية الإسبانية. غير أن هذا المشروع اصطدم منذ بداياته بمقاومة محلية اتخذت أشكالا متعددة، تراوحت بين الانتفاضات القبلية، والعمل العسكري المنظم، والتمردات المحلية، والهجمات على المراكز العسكرية وطرق المواصلات، فضلا عن شبكات تهريب السلاح والذخيرة التي أسهمت في استمرار المقاومة. وقد جعل هذا الواقع من شمال المغرب، ولا سيما مناطق أنجرة، والحوز، وبني عروس، وواد راس... فضاء متحركا تتداخل فيه الحدود بين مناطق السيطرة الاستعمارية ومناطق التي يسيطر عليها المقاومون، أو من كانت تصهم الإدارة الاستعمارية بـ "قطاع الطرق". لقد مثلت السيطرة على المجال المغربي أحد أهم التحديات التي واجهت الإدارة الإسبانية، وفي هذا السياق، لم تكتف السلطات الاستعمارية بالعمل العسكري، بل أنتجت خطابا إداريا وأمنيا سعى إلى إعادة تعريف الفاعلين المحليين، فصنفت كثيرا من زعماء القبائل والمقاتلين ضمن فئة "قطاع الطرق" أو "اللصوص"، حتى عندما كانوا يقودون عمليات ذات طابع سياسي أو عسكري ضد الاحتلال. وتكتسب الوثيقة التي تعتمد عليها هذه الدراسة أهمية خاصة لأنها تنتمي إلى هذا الإنتاج الإداري الاستعماري، إذ تقدم سلسلة من التراجم الأمنية لشخصيات نشطت في شمال المغرب خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، مع التركيز على أدوارها العسكرية، وعلاقاتها بالشريف أحمد الريسوني، ثم بالأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ومواقفها من الإدارة الإسبانية والمخزن. ولا تقتصر قيمة الوثيقة على ما تتضمنه من معطيات بيوغرافية، بل تكمن أيضا في كونها تكشف آليات بناء الخطاب الاستعماري، واللغة التي استخدمت لتوصيف المقاومة المحلية، وكيف جرى الخلط بين التمرد السياسي، والمقاومة المسلحة، والجريمة المنظمة في إطار رؤية أمنية هدفت إلى نزع الشرعية عن الفاعلين المحليين. وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تجاوز القراءة الوصفية للوثيقة، والانتقال إلى تحليلها باعتبارها خطابا استعماريا يعكس رؤية السلطة الإسبانية للمجتمع الجبلي. وتنطلق من الإشكالية التالية: إلى أي حد يعكس وصف بعض الفاعلين المحليين في شمال المغرب بكونهم " قطاع طرق " حقيقة أدوارهم الاجتماعية والسياسية، وإلى أي حد كان هذا الوصف جزءا من استراتيجية استعمارية هدفت إلى تجريم المقاومة وإعادة تشكيل صورتها؟ كما تحاول الدراسة إبراز الحدود الفاصلة والمتداخلة بين المقاومة، والعنف المحلي، وقطع الطرق، من خلال إعادة قراءة مسارات هذه الشخصيات في سياقها التاريخي والاجتماعي، بعيدا عن التصنيفات التي فرضها الخطاب الاستعماري. أولا: صناعة " قاطع الطريق " في الخطاب الاستعماري الإسباني احتلت فئة قطاع الطرق مكانة مركزية في الأدبيات الأمنية والإدارية الإسبانية الخاصة بالمغرب الخاضع للحماية. ولم يكن هذا المفهوم مجرد توصيف قانوني لفعل إجرامي، بل كان جزءا من معجم استعماري صاغته الإدارات الاستعمارية لتفسير كل أشكال العنف الخارجة عن سلطتها. فالوثائق العسكرية وتقارير المخابرات كانت تميل إلى إدراج الأفراد الذين يهاجمون الدوريات العسكرية، أو يفرضون الإتاوات، أو يسيطرون على المسالك الجبلية، أو يهربون السلاح، ضمن فئة واحدة هي " قطاع الطرق "، بغض النظر عن الدوافع السياسية أو الوطنية التي كانت تحرك بعضهم. وتكشف الوثيقة موضوع الدراسة عن هذا المنطق بوضوح؛ إذ تصف عددا من الشخصيات بكونهم " قطاع طرق" أو "لصوصا خطرين"، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى مشاركتهم في المعارك ضد القوات الإسبانية، أو انضمامهم إلى قوات الشريف أحمد الريسوني، ثم إلى جيش الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهو ما يدل على أن التصنيف الأمني لم يكن يعكس بالضرورة حقيقة أدوارهم السياسية والعسكرية، بل كان يعكس رؤية الإدارة الاستعمارية لكل من يهدد سلطتها. لم يكن استعمال وصف " قاطع الطريق " بريئا أو محايدا، بل كان جزءا من سياسة استعمارية هدفت إلى نزع الشرعية عن المقاومة المسلحة. فمن خلال تحويل المقاوم إلى مجرم، تصبح العمليات العسكرية الإسبانية حملات لحفظ الأمن والنظام، بدل أن تقدم بوصفها حربا ضد شعب يقاوم الاحتلال. وهكذا اندمج الخطاب الأمني مع الخطاب السياسي في إنتاج صورة سلبية للمقاتلين المحليين. وتبرز هذه الاستراتيجية بوضوح في الوثيقة، حيث تسرد حياة الأشخاص من خلال سوابقهم الأمنية، وعمليات النهب أو السلب المنسوبة إليهم، مع التقليل من أهمية مشاركتهم في القتال ضد الاحتلال. بل إن بعض الشخصيات التي قادت مجموعات مسلحة، أو ساهمت في نقل الأسلحة والمؤن إلى المقاومين، تقدم باعتبارها مجرد عصابات إجرامية، دون أي إشارة إلى السياق الاستعماري الذي نشطت فيه. وبهذا تحولت الجريمة إلى أداة خطابية لإعادة تعريف المقاومة نفسها، بحيث يغدو المقاوم " لصا "، ويصبح القضاء عليه عملا من أعمال فرض النظام لا مواجهة لحركة تحرر محلية. إن هذه الآلية ليست خصوصية إسبانية، بل تندرج ضمن ما يسميه مؤرخو الاستعمار تجريم المقاومة، وهي سياسة اعتمدتها القوى الاستعمارية في مستعمرات متعددة لإضفاء الشرعية القانونية والأخلاقية على العنف الذي تمارسه ضد السكان المحليين. تكشف الوثيقة أيضا عن وجود تعارض عميق بين المنظومة القانونية التي حاولت الإدارة الإسبانية فرضها، وبين القواعد الاجتماعية والسياسية السائدة داخل القبائل الشمالية. فالقانون الاستعماري اعتبر السيطرة المسلحة على الطرق، أو فرض الإتاوات، أو حيازة السلاح، أو مهاجمة القوات الإسبانية جرائم تستوجب العقاب، في حين أن بعضا من هذه الممارسات كان ينظر إليه داخل المجتمع القبلي باعتباره امتدادا لأدوار تقليدية مرتبطة بحماية المجال القبلي، أو بممارسة النفوذ المحلي، أو بمقاومة السلطة الأجنبية. كما أن الولاءات القبلية كانت أكثر تعقيدا مما تعكسه الوثائق الأمنية، فقد انتقلت شخصيات عديدة بين خدمة المخزن، والانضمام إلى الريسوني، ثم الالتحاق بعبد الكريم الخطابي، وأحيانا التفاوض مع الإسبان، دون أن ينظر إليها محليا بالضرورة باعتبارها " عصابات إجرامية ". غير أن الإدارة الاستعمارية أعادت تأويل هذه التحولات ضمن منطق أمني صرف، فاختزلت الفاعلين المحليين في صفة واحدة هي " قطاع الطرق "، متجاهلة السياقات الاجتماعية والسياسية التي أنتجت مساراتهم. وعليه، فإن مفهوم قاطع طريق في الوثائق الإسبانية لا يعكس واقعا اجتماعيا بقدر ما يعكس طريقة استعمارية في إنتاج المعرفة، إذ أصبح أداة لتصنيف السكان وإعادة رسم الحدود بين " الشرعية " و" الإجرام " وفق مصالح السلطة الاستعمارية، وليس وفق الواقع التاريخي للمجتمع الشمالي المغربي. ثانيا: اقتصاد العنف والسلطة المحلية: من قطع الطرق إلى الفعل السياسي تكشف الوثيقة أن الشخصيات التي صنفتها الإدارة الإسبانية ضمن فئة " قطاع الطرق " لم تكن مجرد مجموعات إجرامية تعيش على السلب والنهب، بل كانت تمارس وظائف سياسية واقتصادية وأمنية جعلتها فاعلا رئيسيا في المجال القبلي خلال العقود الأولى من القرن العشرين. فقد كانت السلطة في شمال المغرب، قبل اكتمال السيطرة الاستعمارية، موزعة بين المخزن وزعماء القبائل والقيادات المحلية، وهو ما أتاح بروز شخصيات استطاعت أن تفرض نفوذها اعتمادا على القوة المسلحة والسيطرة على المجال. وتظهر المعطيات الواردة في الوثيقة أن عددا من هؤلاء الرجال كانوا يجمعون الأموال من القبائل أو يفرضون الإتاوات على القوافل العابرة، وهي ممارسات صنفتها الإدارة الإسبانية باعتبارها أعمالا إجرامية، بينما كانت تمثل، في كثير من الأحيان، امتدادا لسلطة محلية تنازع السلطة الاستعمارية حق التحكم في المجال والموارد. فالسيطرة على الطريق لم تكن مجرد وسيلة للثراء، بل كانت تعني التحكم في الحركة التجارية والعسكرية، ومن ثم امتلاك نفوذ سياسي داخل القبيلة وخارجها. كما تكشف الوثيقة أن هذه الشخصيات اضطلعت بحراسة المسالك الجبلية، والإشراف على نقاط العبور، ومراقبة تحركات القوات الإسبانية، الأمر الذي جعلها عنصرا أساسيا في البنية الأمنية غير الرسمية للمجتمع القبلي. ولم تكن هذه المعرفة الدقيقة بالتضاريس مجرد مهارة محلية، بل تحولت إلى رأسمال عسكري استثمرته المقاومة في مواجهة الحملات الإسبانية، سواء عبر نصب الكمائن أو تعطيل خطوط التموين أو تأمين انسحاب المقاتلين. ومن أبرز مظاهر هذا التداخل بين الاقتصاد والسياسة الدور الذي لعبته شبكات تهريب السلاح والذخيرة. فقد لم يكن تهريب الأسلحة نشاطا تجاريا معزولا، بل كان جزءا من اقتصاد الحرب الذي اعتمدت عليه المقاومة لاستمرار عملياتها العسكرية. ولذلك حرصت الإدارة الإسبانية على إدراج المهربين ضمن قوائم " قطاع الطرق "، لأنهم كانوا يشكلون حلقة أساسية في استمرار التمرد المسلح، ويضمنون تدفق الأسلحة من المناطق المجاورة إلى القبائل المقاومة. وتبرز الوثيقة أيضا الطبيعة المتحركة للولاءات السياسية في شمال المغرب؛ إذ انتقلت شخصيات عديدة بين خدمة المخزن، والانضمام إلى الشريف أحمد الريسوني، ثم الالتحاق بالأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وأحيانا الدخول في مفاوضات أو اتفاقات مؤقتة مع الإدارة الإسبانية. ولا ينبغي تفسير هذه التحولات بوصفها مجرد انتهازية، بل باعتبارها تعبيرا عن طبيعة المجال السياسي القبلي الذي كانت تحكمه موازين القوى، والتحالفات المتغيرة، والسعي إلى الحفاظ على النفوذ المحلي في ظل التحولات التي فرضها الاحتلال. وتقدم الوثيقة نموذجا دالا على ذلك من خلال شخصية محمد بن محمد البراك، الذي تصفه بأنه قاد مجموعة مسلحة، ثم خضع للسلطات الإسبانية في مرحلة معينة، قبل أن يعود إلى التمرد والانخراط من جديد في العمل المسلح. ويكشف هذا المسار أن العلاقة بين السكان المحليين والسلطة الاستعمارية لم تكن علاقة ولاء أو عداء ثابتين، بل كانت علاقة ديناميكية تتغير تبعا للظروف العسكرية والسياسية وموازين القوى داخل المنطقة. وعليه، فإن إعادة قراءة هذه الشخصيات خارج التصنيفات الأمنية الإسبانية تبرز أنها لم تكن مجرد عصابات تمارس الإجرام، وإنما كانت تمثل نخبة محلية مسلحة جمعت بين الوظيفة الاقتصادية والقيادة العسكرية والوساطة السياسية. ومن هذا المنظور، فإن مفهوم " قطاع الطرق " يبدو أقرب إلى أداة استعمارية لتبسيط واقع اجتماعي وسياسي شديد التعقيد، منه إلى وصف موضوعي لطبيعة الفاعلين الذين واجهوا الاحتلال الإسباني في شمال المغرب. ثالثا: الجغرافيا الاجتماعية للعنف وإعادة تشكيل المجال الاستعماري لا يمكن فهم ظاهرة " قطاع الطرق " في شمال المغرب بعيدا عن المجال الجغرافي الذي نشطت فيه. فالوثيقة لا تكتفي بتقديم تراجم للأشخاص، بل ترسم، بصورة غير مباشرة، خريطة دقيقة لفضاءات العنف، من خلال تكرار أسماء القبائل والطرق والمراكز العسكرية التي شكلت مسرحا للمواجهة بين الإدارة الإسبانية والفاعلين المحليين. ومن ثم، فإن إعادة قراءة هذه المعطيات بمنظور الجغرافيا التاريخية تكشف أن العنف لم يكن موزعا عشوائيا، بل ارتبط بمجالات استراتيجية تمثل مفاتيح السيطرة على شمال المغرب. وتبرز في الوثيقة مجموعة من المجالات التي تكررت باعتبارها فضاءات لنشاط الجماعات المسلحة، من بينها أنجرة، والحوز، وواد راس، وبني عروس، وبني يدر، وشفشاون، وتطوان، وسبتة... يعكس تكرار هذه المناطق مجرد أماكن إقامة الأشخاص، بل يكشف عن شبكة جغرافية مترابطة تجمع بين الجبال والممرات والطرق التجارية والعسكرية، حيث تركزت عمليات المراقبة والكمائن وقطع طرق الإمداد. وقد شكلت هذه المجالات، بحكم تضاريسها الوعرة وقربها من الحدود الدولية والمراكز الاستعمارية، بيئة مناسبة لظهور أشكال من المقاومة يصعب على الجيش الإسباني احتواؤها بالوسائل العسكرية التقليدية. ومن خلال تتبع مواقع العمليات الواردة في الوثيقة، يتضح أن أغلب أعمال " قطع الطرق " لم تستهدف المجال المدني بالدرجة الأولى، وإنما انصبت على الطرق التي اعتمدت عليها الإدارة الإسبانية في تثبيت وجودها العسكري. فقد تكررت الإشارة إلى الهجمات على طرق التموين التي كانت تربط المراكز العسكرية بالمناطق الداخلية، وإلى الاعتداءات على المسالك المؤدية إلى سبتة، باعتبارها القاعدة العسكرية واللوجستية الرئيسية للقوات الإسبانية، وكذلك على الطرق المؤدية إلى تطوان، التي مثلت العاصمة الإدارية لمنطقة الحماية الإسبانية. وبذلك تحولت هذه الطرق إلى أهداف عسكرية ذات قيمة استراتيجية، أكثر منها فضاءات للنقل المدني أو التجاري. وتكشف هذه المعطيات أن السيطرة على الطريق كانت تعني، في الواقع، السيطرة على المجال. فإحكام القبضة على الممرات الجبلية مكن الجماعات المسلحة من تعطيل حركة القوات الإسبانية، وعرقلة وصول المؤن والذخائر، ومراقبة تنقلات الجنود والعملاء، وتأمين انتقال الرجال والأسلحة بين القبائل. ومن ثم، أصبحت الجغرافيا عنصرا فاعلا في إنتاج المقاومة، ولم تعد مجرد إطار تتحرك داخله الأحداث. كما تبرز الوثيقة أن الفضاء الحدودي بين سبتة وتطوان وشفشاون لم يكن مجرد خط فاصل بين مناطق النفوذ، بل كان مجالا اجتماعيا مفتوحا تتقاطع داخله التجارة والتهريب والمقاومة والتحالفات القبلية. فقد استغلت الجماعات المسلحة المعرفة الدقيقة بالتضاريس والمسالك الثانوية لتجاوز المراقبة الإسبانية، وربط مناطق المقاومة ببعضها، وهو ما جعل الحدود نفسها فضاء لإعادة إنتاج العنف، وليس حاجزا يمنع انتشاره. وانطلاقا من ذلك، يمكن القول إن ما وصفته الإدارة الإسبانية بـ: " قطع الطرق " كان في جانب كبير منه استهدافا للبنية التحتية الاستعمارية ولشبكات الاتصال والتموين التي قام عليها مشروع الاحتلال. لذلك فإن الطريق، في هذا السياق، لم يكن مجرد مرفق للنقل، بل أصبح فضاء للصراع على السيادة، ومجالا تتواجه داخله سلطة الاحتلال مع سلطة محلية سعت إلى الحفاظ على استقلالها والتحكم في المجال الجبلي. وبهذا المعنى، فإن الجغرافيا لا تفسر مواقع العنف فحسب، بل تفسر أيضا طبيعة المقاومة وأساليبها، وتكشف أن المجال كان أحد أهم الفاعلين في تاريخ شمال المغرب خلال العقود الأولى من القرن العشرين. رابعا: بين الريسوني وعبد الكريم الخطابي: تحولات الولاء وبناء السلطة المحلية تكشف الوثيقة أن الشخصيات التي أدرجتها الإدارة الإسبانية ضمن فئة " قطاع الطرق " لم تكن تتحرك خارج المجال السياسي، بل كانت جزءا من شبكة معقدة من التحالفات والولاءات التي طبعت شمال المغرب خلال العقدين الأولين من القرن العشرين. فالمسارات الفردية الواردة في الوثيقة تظهر أن أغلب هؤلاء لم يحافظوا على ولاء سياسي واحد، وإنما انتقلوا بين خدمة الشريف أحمد الريسوني، والانضمام إلى حركة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ثم الاستسلام أو التعاون المؤقت مع السلطات الإسبانية، قبل أن يعود بعضهم إلى التمرد مجددا. ولا يمكن تفسير هذه التحولات باعتبارها مجرد تقلبات شخصية أو انتهازية سياسية، بل ينبغي فهمها في ضوء طبيعة المجال السياسي بشمال المغرب، حيث لم تكن السلطة مركزية، وإنما كانت موزعة بين المخزن، والزعامات القبلية، والقادة المحليين، ثم القوى الاستعمارية التي سعت إلى فرض نفوذها. وفي ظل هذا التعدد، أصبحت الولاءات مرتبطة بتوازنات القوة، والروابط القبلية، والظروف العسكرية، أكثر من ارتباطها بانتماء سياسي ثابت. وقد مثل الشريف أحمد الريسوني، خلال السنوات الأولى من الاحتلال الإسباني، مركزا مهما لاستقطاب القيادات المحلية، بفضل نفوذه القبلي وقدرته على تعبئة المقاتلين والسيطرة على أجزاء واسعة من جبالة. لذلك ارتبطت به أسماء عديدة وردت في الوثيقة، قبل أن تتغير موازين القوى مع صعود الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي استطاع أن يمنح المقاومة إطارا أكثر تنظيما، وأن يحولها من مقاومات محلية متفرقة إلى مشروع سياسي وعسكري واسع النطاق. وهكذا انتقل عدد من الرجال الذين عملوا سابقا مع الريسوني إلى صفوف الخطابي، في تحول يعكس إعادة تشكيل مراكز القيادة داخل المقاومة أكثر مما يعكس تبدلا في المواقف من الاحتلال نفسه. كما تكشف الوثيقة أن بعض هذه الشخصيات دخل في مراحل مختلفة في مفاوضات مع الإدارة الإسبانية، أو قبل بالخضوع لها، أو استفاد من إجراءات العفو، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى إنهاء نشاطه المسلح. فقد كانت هذه الاتفاقات في كثير من الأحيان مؤقتة، ترتبط بميزان القوى أو بالضغوط العسكرية، وهو ما يفسر عودة عدد من الأفراد إلى المقاومة بعد فترات قصيرة من الاستسلام. وتبرز الوثيقة هذه الدينامية من خلال شخصية محمد بن محمد البراق، الذي قاد مجموعة مسلحة، ثم خضع للسلطات الإسبانية، قبل أن يعود إلى النشاط المسلح في أكثر من مناسبة، في مسار يعكس هشاشة السيطرة الاستعمارية وصعوبة تثبيت الولاءات في المجال القبلي. ومن خلال هذه المسارات، يتبين أن الشخصيات موضوع الدراسة لم تكن مجرد عناصر هامشية تمارس العنف خارج إطار المجتمع، بل كانت فاعلين سياسيين شاركوا في إعادة تشكيل موازين القوى داخل شمال المغرب. كما أن انتقالهم بين الريسوني والخطابي والمخزن والإدارة الإسبانية يكشف عن حيوية الحياة السياسية المحلية، وعن تعدد الخيارات التي فرضتها ظروف الحرب والاستعمار. وعليه، فإن الوثيقة لا تقدم فقط معلومات عن أفراد متهمين بقطع الطرق، وإنما تكشف عن تاريخ سياسي واجتماعي للمجال الشمالي، حيث كانت الولاءات تتغير تبعا للتحولات العسكرية والاستراتيجية، وكانت المقاومة نفسها تتخذ أشكالا متعددة لا يمكن اختزالها في ثنائية " المقاوم " و" المجرم ". ومن هذا المنظور، تصبح فئة " قطاع الطرق " تصنيفا إداريا استعماريا يخفي أكثر مما يفسر، لأنه يغفل تعقيد العلاقات التي ربطت هؤلاء الفاعلين بمختلف مراكز السلطة في شمال المغرب. خامسا: السيرة الجماعية للمقاتلين المحليين: نحو بروسوبوغرافيا للمقاومة بشمال المغرب تتيح الوثيقة موضوع الدراسة تجاوز المقاربة البيوغرافية التقليدية، التي تكتفي بعرض السير الفردية، نحو اعتماد منهج السيرة الجماعية، الذي يقوم على دراسة مجموعة من الأفراد بوصفهم ينتمون إلى وسط اجتماعي وسياسي واحد، مع البحث عن الخصائص المشتركة التي تجمع بينهم، وشبكات العلاقات التي نسجوها، ومساراتهم داخل المجال القبلي والاستعماري. ومن هذا المنطلق، لا تبدو أهمية الوثيقة في عدد الشخصيات التي تقدمها، بل في كونها تكشف عن بنية اجتماعية وسياسية للمقاومة المحلية في شمال المغرب خلال العقود الأولى من القرن العشرين. وتسمح المعطيات الواردة في الوثيقة بتصنيف هذه الشخصيات إلى مجموعات متمايزة، تختلف من حيث طبيعة أدوارها ومساراتها السياسية. تضم هذه الفئة الشخصيات التي استمدت نفوذها من موقعها داخل البنية القبلية، ومن قدرتها على تعبئة الرجال وفرض السلطة المحلية. ولم يكن نفوذ هؤلاء مرتبطا فقط بحمل السلاح، بل أيضا بمكانتهم الاجتماعية وصلاتهم بالقبائل المجاورة. تشمل هذه المجموعة الشخصيات التي ارتبطت بمشروع الشريف أحمد الريسوني، وشاركت في توسيع نفوذه داخل جبالة قبل صعود الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي. وقد اعتمد الريسوني على شبكة واسعة من القادة المحليين الذين اضطلعوا بمهام عسكرية وأمنية، مثل مراقبة الطرق، وجمع الإمدادات، وقيادة المجموعات المسلحة. مع انتقال مركز الثقل إلى الشرق، انخرط عدد من المقاتلين في المشروع السياسي والعسكري الذي قاده الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي. وتبرز الوثيقة أسماء شخصيات ممن ارتبطوا بالمقاومة الريفية، وشاركوا في العمليات العسكرية ضد القوات الإسبانية. ويعكس هذا الانتقال تطور المقاومة من تنظيمات محلية متفرقة إلى مشروع أكثر مركزية وتنظيما، استطاع أن يستقطب عددا من القيادات القبلية السابقة. وهناك أيضا فئة أخرى وتمثل هذه الفئة الجانب الأكثر تعقيدا في الوثيقة، إذ تضم أفرادا تنقلوا بين الريسوني والخطابي والمخزن، وأحيانا دخلوا في مفاوضات أو اتفاقات مع الإدارة الإسبانية، قبل أن يعود بعضهم إلى العمل المسلح. بل كان يخضع لتغير موازين القوى والظروف العسكرية والاعتبارات القبلية. وتبرز هذه الفئة هشاشة الحدود بين المقاومة، والتفاوض، والتعاون المؤقت، بما يعكس الطبيعة الدينامية للحياة السياسية في شمال المغرب آنذاك. إن هذا التصنيف لا يرمي إلى وضع حدود فاصلة بين الفئات المختلفة، لأن بعض الشخصيات انتقلت من مجموعة إلى أخرى خلال مسارها، بل يهدف إلى الكشف عن الشبكات التي ربطت الفاعلين المحليين، وإبراز أن المقاومة لم تكن نتاج مبادرات فردية معزولة، وإنما قامت على منظومة من العلاقات القبلية والعسكرية والسياسية التي أعادت تشكيل المجال الشمالي في مواجهة المشروع الاستعماري الإسباني. وتقود هذه المقاربة إلى نتيجة منهجية مهمة، وهي أن الوثيقة ليست مجرد سجل أمني للأشخاص المطلوبين، بل قاعدة بيانات تاريخية تسمح بإعادة بناء النخبة العسكرية المحلية، وفهم طبيعة العلاقات التي نسجتها، وأنماط تحركها، وآليات انتقالها بين مختلف مراكز السلطة. ومن ثم، فإن اعتماد منهج السيرة الجماعية يفتح آفاقا جديدة لدراسة المقاومة المغربية، بعيدا عن التركيز على الشخصيات الكبرى وحدها، ومن خلال تحليل البنية الاجتماعية التي حملت مشروع المقاومة وأسهمت في استمراره. الخاتمة تكشف إعادة قراءة هذه الوثيقة الإسبانية أن مفهوم "قطاع الطرق" لم يكن مجرد توصيف قانوني أو أمني لفئة من الخارجين عن القانون، بل كان جزءا من خطاب استعماري سعى إلى إعادة تعريف العنف المحلي بما يخدم أهداف السلطة الاستعمارية. فقد أدرج تحت هذا التصنيف أفراد اختلفت مساراتهم ووظائفهم الاجتماعية والسياسية، وجمع بينهم، في المقام الأول، رفضهم الخضوع للنظام الذي سعت إسبانيا إلى فرضه في شمال المغرب. ومن ثم، فإن وصفهم بـ«قطاع الطرق» لم يكن يعكس دائما طبيعة أفعالهم، بقدر ما كان يعكس الطريقة التي نظرت بها الإدارة الاستعمارية إلى كل من نازعها السيطرة على المجال أو هدد مؤسساتها العسكرية والإدارية. وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن هذه الشخصيات لم تكن تمثل جماعة متجانسة؛ فقد ضمت قادة قبليين، ومقاتلين انخرطوا في صفوف الشريف أحمد الريسوني أو محمد بن عبد الكريم الخطابي، وشخصيات تنقلت بين المقاومة والتفاوض والخضوع المؤقت، تبعا لتحولات ميزان القوى والظروف السياسية والعسكرية. كما كشفت الوثيقة أن بعضهم مارس أنشطة صنفتها الإدارة الإسبانية ضمن الأفعال الإجرامية، مثل فرض الإتاوات أو السيطرة على الطرق أو تهريب السلاح، غير أن هذه الممارسات كانت تتم داخل سياق حرب استعمارية، حيث أصبحت السيطرة على الموارد ومسالك التنقل جزءا من الصراع على السلطة والسيادة، وهو ما يجعل الفصل بين " الإجرام " و" المقاومة " أكثر تعقيدا مما توحي به التصنيفات الإدارية. ومن جهة أخرى، أبرز التحليل أن الجغرافيا كانت عنصرا حاسما في تشكيل هذا الواقع؛ إذ تركزت أنشطة الجماعات المسلحة في الممرات الجبلية، وطرق التموين، والمجالات الرابطة بين تطوان وسبتة وشفشاون، وهي فضاءات ارتبطت مباشرة ببنية الاحتلال الإسباني. وبهذا المعنى، لم تكن الهجمات تستهدف الطرق بوصفها مرافق مدنية، بل باعتبارها شرايين للمشروع العسكري والإداري الاستعماري، الأمر الذي يفسر إصرار الوثائق الإسبانية على وصفها بأعمال «قطع الطرق» بدل اعتبارها عمليات ذات طبيعة عسكرية. وأخيرا، تفتح هذه الدراسة آفاقا بحثية جديدة، تتمثل في بناء قاعدة بيانات بروسوبوغرافية للمقاويمن المحليين، ورسم خرائط رقمية لمجالات نشاطهم، وتحليل شبكات العلاقات التي جمعتهم، بما يسهم في تجديد الكتابة التاريخية حول شمال المغرب خلال فترة الحماية الإسبانية، والانتقال من دراسة الأحداث إلى دراسة الفاعلين المحليين الذين أسهموا، كل بطريقته، في صياغة مسار المقاومة والتحولات السياسية والاجتماعية بالمنطقة.
#محمد_عبد_المومن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصحراء المغربية في أدبيات الرحلة الأوروبية: كتاب - الصحراء
...
-
سبتة: من محو أسماء الأمكنة إلى تغيير أسماء الأسر
-
من الاحتلال إلى السيادة: هل يكفي مرور الزمن لحسم قضية سبتة؟
...
-
صناعة السردية التاريخية الإسبانية: مزاعم استمرارية إسبانيا و
...
-
سبتة في الذاكرة الشعبية المغربية من خلال الأمثال العامية: قر
...
-
أزمة الهوية في سبتة
-
سبتة في كتابات خوسي ماريا كامبوس مارتينيز
-
الرياضة كفضاء للهيمنة والمقاومة: رياضة الملاكمة في شمال المغ
...
-
سبتة في الدراما الإسبانية: الحدود والتهريب وتمثل الآخر بين م
...
-
الرموز البصرية والسردية الاستعمارية في سبتة: التماثيل وأسماء
...
-
الحدود كحاجز واقعي ورمزي: جدار سبتة نموذجا
-
سبتة والظاهرة الجهادية: تقاطعات الهوية والهشاشة في مجال حدود
...
-
سبتة بين العزلة والانفتاح: نحو تصور لاتفاق أورو مغربي مستلهم
...
المزيد.....
-
رئيس وزراء كندا يرد على ترامب: التحالف مع أوروبا ليس تحدّيًا
...
-
كيف غيّرت انفجارات -البيجر- تاريخ إصابات العيون في الحروب؟
-
الخارجية الفلسطينية تنتقد تمديد واشنطن قيود التأشيرات على مس
...
-
قمة ثلاثية في باريس.. عون والملك عبدالله الثاني وماكرون يبحث
...
-
مسن سوري في حمص يكشف مكتبة أخفاها خلف جدار منزله منذ 2011
-
الجنايات العسكرية في حلب تصدر أحكاما بحق أربعة متهمين في قضي
...
-
شارك في الاستفتاء العام لصياغة -رمز عربي موحد- لمصطلح -الذكا
...
-
الدفاع التركية: التهديد الحوثي في البحر الأحمر وباب المندب ي
...
-
سوريا.. مداهمة وتفتيش منزل رجل الأعمال محمد حمشو
-
تحذيرات فرنسية من شتاء قاس في أوكرانيا وسط مخاوف من تفاقم أز
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|