أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد عبد المومن - صناعة السردية التاريخية الإسبانية: مزاعم استمرارية إسبانيا وتفكك المغرب















المزيد.....

صناعة السردية التاريخية الإسبانية: مزاعم استمرارية إسبانيا وتفكك المغرب


محمد عبد المومن

الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 04:49
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مقدمة
لا تبنى السرديات التاريخية الكبرى من خلال الوقائع وحدها، بل أيضا من خلال اللغة التي تروى بها تلك الوقائع. فالأسماء التي تمنح للدول والشعوب ليست مجرد أدوات للتعريف، بل تمثل جزءا من عملية إنتاج المعنى التاريخي وصياغة الذاكرة الجماعية. ومن هذا المنطلق أولت الدراسات الحديثة في التاريخ والذاكرة أهمية متزايدة لمسألة التسمية، باعتبارها إحدى الآليات التي تستعمل في بناء الشرعية السياسية والثقافية وإعادة تشكيل صورة الماضي.
وتقدم الكتابة التاريخية الإسبانية مثالا مثيرا للاهتمام في هذا المجال. فمنذ القرن التاسع عشر، ومع صعود القومية الإسبانية الحديثة، برزت نزعة واضحة إلى إعادة قراءة الماضي من خلال مفهوم الأمة الإسبانية الواحدة والمستمرة عبر القرون. غير أن هذه الاستمرارية لا تطبق دائما بالطريقة نفسها على جميع الفاعلين التاريخيين. ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن إسبانيا باعتبارها فاعلا تاريخيا ممتدا من العصور الوسطى إلى الزمن الحاضر، يلاحظ أن المغرب وسكانه يظهرون في كثير من الكتابات تحت تسميات متغيرة ومتعددة مثل الموروس والمسلمين والأفارقة والقبائل، بينما يتراجع استعمال اسم المغاربة أو الدولة المغربية حتى في الفترات التي كانت فيها هذه الدولة قائمة بوضوح.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد اختلاف اصطلاحي، بل بآلية سردية تؤثر بصورة مباشرة في تمثيل الماضي وفي تحديد من ينظر إليه باعتباره دولة وأمة، ومن يقدم باعتباره مجرد جماعات بشرية متفرقة.
- إسبانيا بوصفها فاعلا تاريخيا أزليا:
مع تشكل الدولة القومية الحديثة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، برزت الحاجة إلى بناء تاريخ وطني متصل يمنح الأمة جذورا عميقة في الماضي. وفي إسبانيا سعى المؤرخون القوميون إلى رسم صورة لكيان سياسي وحضاري يمتد عبر قرون طويلة، بحيث تبدو الأمة الإسبانية وكأنها موجودة بصورة مستمرة منذ العصور الوسطى.
ولهذا السبب نجد أن أحداثا وقعت قبل ظهور الدولة الإسبانية الحديثة بقرون طويلة تنسب في كثير من الأحيان إلى إسبانيا. ففتح أمريكا يصبح إنجازا إسبانيا، والتوسع الإمبراطوري يصبح توسعا إسبانيا، والمعارك التي خاضتها ممالك قشتالة وأرغون تتحول إلى صفحات من تاريخ إسبانيا الوطنية.
وبذلك يجري منح الدولة الإسبانية المعاصرة عمقا زمنيا طويلا يتجاوز بكثير تاريخ تشكلها السياسي الفعلي. فالأمة تظهر وكأنها كانت موجودة دائما، حتى عندما كانت شبه الجزيرة الإيبيرية موزعة بين كيانات سياسية متعددة ومتنافسة.
- من إسبانيا إلى قشتالة: إعادة توزيع المسؤولية التاريخية:
غير أن المثير للانتباه هو أن هذا المنطق لا يستعمل دائما بالدرجة نفسها.
فعندما يتعلق الأمر بالإنجازات الكبرى، مثل بناء الإمبراطورية العالمية أو نشر اللغة الإسبانية أو السيطرة على طرق التجارة الدولية، يستدعى اسم إسبانيا بوصفه الفاعل التاريخي الرئيسي.
أما عندما يجري تناول بعض الجوانب المثيرة للجدل، مثل أعمال العنف المرتبطة بالغزو الأمريكي أو بعض الممارسات الاستعمارية، فإن الخطاب ينتقل أحيانا إلى الحديث عن قشتالة أو التاج القشتالي أو القوات القشتالية.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة سردية لافتة: فالأحداث التي تمنح المجد تنسب إلى إسبانيا، بينما تعاد بعض المسؤوليات التاريخية إلى كيانات سابقة على الدولة الحديثة. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود سياسة موحدة أو واعية، لكنه يكشف عن مرونة واضحة في استعمال المصطلحات تسمح بإعادة توزيع الرمزية التاريخية بين الأمة الحديثة وأسلافها السياسيين.
- المغرب بين الحضور الجغرافي والغياب السياسي:
إذا كانت السردية القومية الإسبانية تعمل على توحيد الماضي الإسباني داخل إطار وطني واحد، فإنها تميل في المقابل، في عدد من الحالات، إلى تفكيك الطرف المقابل.
فالمغرب ليس مجرد فضاء جغرافي أو مجموعة قبائل متجاورة، بل هو أحد أقدم الكيانات السياسية المستمرة في غرب البحر الأبيض المتوسط. فمنذ قيام الدولة الإدريسية في القرن الثامن الميلادي تعاقبت على المغرب دول مركزية متعددة، من المرابطين والموحدين إلى المرينيين والسعديين والعلويين.
ورغم هذه الاستمرارية السياسية الطويلة، فإن جزءا مهما من الأدبيات الإسبانية التقليدية، خصوصا المرتبطة بالتوسع الاستعماري في شمال أفريقيا، لا يتحدث عن المغاربة بالقدر نفسه الذي يتحدث فيه عن الموروس أو المسلمين أو القبائل.
وهنا يحدث تحول مهم في طبيعة الفاعل التاريخي. فبدلا من التعامل مع المغرب باعتباره دولة ذات مؤسسات وسلطة سياسية، يجري تقديم سكانه باعتبارهم جماعات دينية أو قبلية أو إثنية.
- من المغاربة إلى الموروس:
يعد مصطلح المورو من أكثر المصطلحات حضورا في المخيال الإسباني التقليدي. وقد استعمل عبر قرون طويلة للإشارة إلى المسلمين القادمين من شمال أفريقيا أو إلى المسلمين عموما.
غير أن هذا المصطلح يحمل دلالة دينية وثقافية أكثر مما يحمل دلالة سياسية. فهو لا يشير إلى شعب محدد ولا إلى دولة بعينها، بل يختزل جماعات متنوعة داخل هوية عامة وفضفاضة.
وعندما يصبح المورو هو الفاعل التاريخي الأساسي في السردية، يختفي المغربي بوصفه مواطنا ينتمي إلى دولة قائمة، ويحل محله كائن ثقافي أو ديني مجرد.
ومن ثم يتحول الصراع بين المغرب وإسبانيا إلى صراع بين إسبانيا والموروس، أي بين دولة واضحة المعالم من جهة وجماعة غير محددة سياسيا من جهة أخرى.
- القبيلة في مواجهة الدولة:
يتجلى هذا المنطق بصورة أوضح في الكتابات المتعلقة بحروب المغرب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
ففي الكثير من التقارير العسكرية والدراسات الاستعمارية الإسبانية يظهر الحديث باستمرار عن قبائل الريف وقبائل جبالة والقبائل المتمردة والأهالي، بينما تتراجع الإشارة إلى الدولة المغربية وإلى المؤسسات السياسية التي كانت قائمة آنذاك.
ولا يعني ذلك أن البنية القبلية لم تكن عنصرا مهما في المجتمع المغربي، لكنها لم تكن العنصر الوحيد. فالمغرب كان يجمع بين التنظيمات القبلية وبين وجود دولة وسلطة مركزية وعلاقات دبلوماسية ومؤسسات مخزنية معترف بها دوليا.
غير أن التركيز المستمر على القبيلة يسمح بإنتاج صورة لمجال مفكك وفوضوي، ويجعل التدخل الخارجي يبدو وكأنه عملية تنظيم أو تمدين لفضاء يفتقر إلى الدولة.
- سبتة ومليلية وإعادة إنتاج الشرعية التاريخية:
تظهر هذه الآلية أيضا في الكتابات المرتبطة بسبتة ومليلية. ففي عدد كبير من النصوص الإسبانية تقدم المدينتان باعتبارهما امتدادا طبيعيا للتاريخ الإسباني في شمال أفريقيا، بينما يتراجع الحديث عن ارتباطهما الطويل بالمجال المغربي المحيط بهما.
وفي هذا السياق تصبح التسميات جزءا من إنتاج الشرعية التاريخية. فكلما جرى الحديث عن الثغور الإسبانية أو الحضور الإسباني التاريخي، تعززت صورة الاستمرارية الإسبانية. وفي المقابل، كلما اختفى اسم المغرب وحل محله الحديث عن الموروس أو القبائل، تراجع حضور المطالبة المغربية داخل السردية التاريخية نفسها.
خاتمة
تكشف دراسة التسميات المستعملة في بعض الكتابات الإسبانية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أن اللغة ليست مجرد أداة لوصف الماضي، بل وسيلة للمشاركة في بنائه. فاستعمال اسم إسبانيا بصورة مستمرة يمنح الكيان الإسباني عمقا تاريخيا واستمرارية سياسية تمتد عبر القرون، بينما يؤدي استبدال المغاربة بمصطلحات مثل الموروس أو المسلمين أو القبائل إلى تفكيك الطرف المقابل وإضعاف حضوره بوصفه فاعلا سياسيا.



#محمد_عبد_المومن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سبتة في الذاكرة الشعبية المغربية من خلال الأمثال العامية: قر ...
- أزمة الهوية في سبتة
- سبتة في كتابات خوسي ماريا كامبوس مارتينيز
- الرياضة كفضاء للهيمنة والمقاومة: رياضة الملاكمة في شمال المغ ...
- سبتة في الدراما الإسبانية: الحدود والتهريب وتمثل الآخر بين م ...
- الرموز البصرية والسردية الاستعمارية في سبتة: التماثيل وأسماء ...
- الحدود كحاجز واقعي ورمزي: جدار سبتة نموذجا
- سبتة والظاهرة الجهادية: تقاطعات الهوية والهشاشة في مجال حدود ...
- سبتة بين العزلة والانفتاح: نحو تصور لاتفاق أورو مغربي مستلهم ...


المزيد.....




- شاهد لحظة انفجار ضخم داخل قاعدة عسكرية في بوليفيا
- مسؤول روسي يوجه رسالة لإدارة ترامب بشأن -الحقائق على الأرض- ...
- شاهد.. ناجٍ يخرج حياً من نفق في نيبال بعد 10 أيام من الكارثة ...
- هل يطفو؟ جولة داخل أول متحف مخصّص لفن السرد البصري
- ملثمون يغلقون ميناء دوفر البريطاني (فيديو)
- إعلام إيراني: ضربة أمريكية تستهدف ناقلة نفط قرب جزيرة خارك
- ترامب يجهّز -شرق أوسط جديد- بعد الحرب.. السعودية وإيران وغزة ...
- التاريخ الخفي وراء -موزة- ثمنها 6 ملايين دولار
- ترامب بدل هرمز.. هل يعاني الرئيس الأمريكي من -النرجسية المكا ...
- اليمن.. معارك طاحنة غرب تعز والطيران الحربي يدخل خط المواجهة ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد عبد المومن - صناعة السردية التاريخية الإسبانية: مزاعم استمرارية إسبانيا وتفكك المغرب