|
|
سبتة في كتابات خوسي ماريا كامبوس مارتينيز
محمد عبد المومن
الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 16:15
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
- مقدمة: يشكل موقع مدينة سبتة في الجهة الجنوبية من مضيق جبل طارق حالة بحثية نادرة ضمن دراسات الحدود المتوسطية، بالنظر إلى تشعب العوامل التي تتضافر في تشكيل بنيتها الحضرية والسياسية والاقتصادية. فالمدينة لا تختزل في كونها «ثغرا تحت سيادة إسبانية»، بل تعد فضاء تراكميا تلتقي عنده وتتصادم فيه أنظمة سيادية وقانونية وتنموية متعددة، ما يجعلها مختبرا حيا لإعادة إنتاج الأسئلة الكبرى المؤجلة أكثر مما يجعلها أرضا لحسمها. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الكتابة العلمية المتخصصة حول سبتة، التي تحاول قراءتها ضمن زمنها الطويل وبنى تشكلها وتعقيد علاقاتها البينية مع محيطها المباشر ومع المركز السيادي الذي تنتمي إليه. ومن بين الأصوات البحثية التي خصت المدينة بجهد فكري متواصل، تبرز إسهامات الباحث الإسباني خوسي ماريا كامبوس مارتينيز، الذي اتخذ من سبتة موضوعا مركزيا لكتبه، ومن مفارقاتها الحدية محورا بنيويا في بناء الأسئلة وتحليل المعطيات وتقديم الاستنتاجات. تتسم كتابات كامبوس بفرادة تميزها، فهي نابعة من باحث أقام موضوعه في تقاطعه بين الخبرة المهنية والمعرفة الميدانية والرؤية التحليلية المؤسساتية التي تستقرئ اقتصاد المدينة من داخل مؤسساتها الجبائية وهمومها الخدماتية، وتمسك، في الآن ذاته، بمسار عزلها البنيوي داخل السياق الجمركي والتنمية المتوسطية. ويشير كامبوس إلى أن واقعة غياب الجمارك التجارية على الحدود الجنوبية (الجانب المغربي) ظلت –إلى فترة متأخرة– مجهولة لدى مدريد، ولم تنتبه إليها الأجهزة الأوروبية إلا في أفق التسعينيات، وهي الحقيقة التي جعلته يتدخل بصفة مباشرة لشرحها عام 1994، قبل أن يعود ليؤكد أنها بقيت بلا معالجة مؤسسية استراتيجية تنهي وضع الالتباس والفوضى الجبائية للثغر. إن ما يطرحه الكاتب هنا يتقاطع مع إشكالات الاقتصاد غير المهيكل و«حدود العجز المؤسساتي» التي أنتجها غياب العمق الاقتصادي الجهوي للمدينة، بعد أن فقدت مجالها الحيوي الذي كان يمتد من العرائش إلى شفشاون بعد استقلال المغرب، مع حذف آليات العبور التجاري دون استحداث الجمارك التجارية الناظمة. لم يتعامل كامبوس مع المدينة ضمن سرديات وطنية ثنائية متضادة، بل أعاد إدراجها ضمن قراءة نقدية تؤطر مشكلاتها داخل الزمن الطويل، معتبرا أن سبتة تعيش وضعية الدوران داخل متاهة الحلول الترقيعية، وأنها تستعاد في الأدبيات السياسية والإعلامية كلما اشتد التوتر حول السيادة والمصير، كما يستعاد الخطاب حول السيادة المشتركة دون أن يتحول هذا النقاش إلى أدوات مؤسساتية للتفاوض أو مخطط استراتيجي للتنمية. في هذا المستوى، لا يكتفي المؤلف بتسجيل الوقائع، بل يفصح عن عطب مركزي في كيفية «تمثيل المدينة لذاتها» في الفضاءات الاستراتيجية، لا سيما غيابها عن المؤسسات الأوروبية وصناعة القرار التنموي الحدي داخل الاتحاد الأوروبي. بهذا المعنى، فإن قراءة كامبوس لسبتة ليست مجرد تفصيل محلي داخل عمل علمي عن شمال المغرب أو عن الثغور الإسبانية، بل هي تعبير عن رؤية تشخص المدينة بوصفها فضاء معزولا إنتاجيا ومشدودا يوميا نحو إعادة تكديس الأسئلة ذاتها، دون الانتقال من مستوى التشخيص إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي القادر على تفكيك شروط عزلها وتقديم نماذج تحليلية قابلة للتعميم خارج سياقها المحلي. إن أعمال كامبوس تتيح للباحثين في دراسات الحدود والاقتصاد الرمادي والمناطق الحرة والمآزق الهوياتية المتوسطية مادة أولية عالية القيمة، لأنها صادرة عن مراقب للنظام الجبائي المحلي وصانع للسؤال الاقتصادي–القانوني من داخل المدينة وليس من خارجها، وتستعيد مسار تشكلها منذ 1415 إلى أفق التسعينيات بحثا وتحليلا، ما يجعلها كتابة متينة تصلح للتفكير في المدينة ضمن أطر منهجية مركبة تتجاوز الخطابات السيادية أو السرديات الاحتفالية نحو مقاربة تعلي من سؤال البنية، وتبرز أثر غياب العمق الاقتصادي الجهوي وتردد الإدارة السياسية المحلية بين الطوارئ اليومية وغياب الرؤية الاستراتيجية. وبذلك يسهم هذا الأدب البحثي في الانتقال من سؤال «كيف كتبت سبتة؟» إلى سؤال أكثر تعقيدا وهو: «كيف أعيد بناء المدينة ضمن أفق مؤسسي واستراتيجي قادر على تحريرها من إعادة إنتاج المشكلات داخل الزمن الطويل للثغر؟
أولا: أهمية المؤلف في كتابة تاريخ وواقع المدينة تستمد كتابات خوسي ماريا كامبوس مارتينيز قيمتها العلمية من تموقعها في نقطة وسطى بين التأريخ والتحليل البنيوي، حيث تتحول سبتة من موضوع يستعان به لتفسير ديناميات الجوار إلى موضوع يقارب لذاته، وبأدوات معرفية تستند إلى المعايشة الحقلية والخبرة التقنية والمؤسسية للكاتب داخل المدينة. فالرجل لا يكتب عن سبتة بصفته مراقبا خارجيا، بل باعتباره فاعلا خبيرا في أسئلتها اليومية والاستراتيجية، انطلاقا من تجربة مهنية طويلة في الاستشارة الجبائية وتحليل الاقتصاد المحلي، واحتكاك مباشر بالتحولات التي أعادت صياغة وظيفة الثغر بعد الاستقلال المغربي، وانخراط في النقاشات المؤسساتية التي كانت تحاول إدراج وضع المدينة وسياق حدودها داخل تقارير ومذكرات السياسات العامة، ولو على نحو لم ينجح في إحداث اختراق بنيوي شامل. ولعل القيمة المركزية لهذه الكتابة تكمن في أنها تستفيد من المعرفة باعتبارها أداة لتوليد الأسئلة، لا لتأطير الأجوبة فقط، لأن إدراك كامبوس لتفاصيل النظام الجبائي الاستثنائي للمدينة، وتحولات الميناء والمعابر، لم يتحول لديه إلى رصد وصفي لخصائص منشأة لوجستية معزولة، بل إلى نقد يمس أدوات التخطيط الاستراتيجي نفسها، وغيابها عن المدينة، وضرورة انتقال سبتة من فضاء مدار بالأزمات اليومية إلى فضاء يمثل داخل الأجهزة القادرة على تحويل معطى الحدود وسيولة الاقتصاد عندها إلى إمكانيات مؤسساتية منتظمة، تؤسس للتكامل الجهوي بدل إدارة العبور غير المقاس. ويؤكد الكاتب، في مقدمات مؤلفاته، أن ما يطرحه ليس قراءة لحظة سياسية عابرة ضمن خطابات المواجهة بين المركز الإسباني والجار المغربي، بل تشريح لاستمرارية إعادة إنتاج المشكلات ذاتها، التي تبدأ من لحظة الاحتلال البرتغالي للمدينة 1415، وتستعاد مع استقلال المغرب، وتتبلور –على مستوى المعرفة المؤسسية المتأخرة– في لحظة انتباه مدريد للأطر الجمركية الناقصة عام 1994، ومع حوادث التوتر التي هزت مخيال المدينة وتدبيرها كما وقع عام 2001، ومع تحولات الجوار الجمركي والمالي في الشمال المغربي. وبهذا، تتحول كتب كامبوس إلى مادة تمكن من قراءة التاريخ الحضري للمدينة بوصفه تاريخا لإلغاء الأدوار الاقتصادية أو تأجيلها أكثر من كونه تاريخا لحسمها، لأن ما تفقده المدينة–الميناء ليس بضائعها فقط، بل مجالات المقارنة والتنمية والتوثيق المعياري الذي يحول المعبر إلى جهاز تنموي قابل للدراسة، ويحول التاريخ إلى سردية دقيقة تدرس، ويحول الجباية إلى أداة للتخطيط لا أداة للاستثناء اليومي نفسه. ولهذا، يمكن القول إن كتابات كامبوس عن سبتة تضيف للباحثين ثلاث قيم متكاملة: أولى تتمثل في المعاينة الحقلية التي تنتج «صوت سبتة» من داخلها لا من خارجها، وثانية تتمثل في القدرة على تحويل العزلة الجمركية إلى إطار تفسيري بنيوي وليس أخلاقيا أو أمنيا صرفا، وثالثة تتمثل في الإمساك بالزمن الطويل لإعادة إنتاج المشكلات، وهو ما يجعل نصوصه شهادة علمية حية تصلح لمساءلة المدينة بوصفها فضاء حدوديا لم يحصل بعد على أدوات المؤسسة التي تؤطر العبور وتمكن من قياس الاقتصاد وصناعة السردية الدقيقية القابلة للتداول العلمي، وتمنحها في الآن ذاته قدرة المبادرة ضمن أفق تنموي جهوي مقارن لا يكتفى فيه بتدبير المدينة عند الحدود، بل يخطط فيه لمستقبل الحدود عند المدينة نفسها.
ثانيا: الحدود والأزمة المزمنة تجسد مدينة سبتة حالة مركبة وعصية على الاختزال داخل دراسات الحدود المتوسطية، فهي فضاء جغرافي مؤطر سياسيا، لكنه مفتوح بحثيا على تشابكات تفوق الإحداثيات المكانية التي تحصره دولتين متجاورتين. فمنذ لحظة تشكلها ظلت متأرجحة بين وظائف استراتيجية متغيرة، يتداخل فيها العسكري بالتجاري، والسيادي بالمؤسسي، والمحلي بالإقليمي على نحو غير متكافئ. ويتأسس هذا التعقيد على مفارقة مركزية، تتمثل في أن المدينة –رغم انخراطها داخل النظام الإداري والسيادي الإسباني– لم تمنح على مستوى السياسات التنموية والاقتصادية ظهورا جهويا يسمح لها ببناء عمق إنتاجي مستقل، يكون قاطرة لتكاملها مع محيط إقليمي وطني واضح المعالم، كما هو الشأن بالنسبة لعدد من المدن الحدودية في ضفتي المتوسط. وفي مقابل محاولات التأطير القانونية والإدارية والرمزية التي تأتي من المركز السيادي في مدريد، تترك المدينة عمليا أمام مقتضيات الجوار المباشر الذي تمثله دولة المغرب، بما تحمله علاقات الحدود معها من اختلالات هيكلية، تبدأ من غياب الجمارك التجارية المنتظمة في الجنوب، ولا تنتهي عند إعادة تدوير الخطابات السياسية حول السيادة المشتركة، التي تطفو على السطح كلما اشتد التوتر الحدودي دون أن تنتقل إلى مجال التخطيط التنموي المقارن أو التفاوض المؤسسي طويل الأفق. إن هذه الوضعية تجعل من سبتة مختبرا تستعاد فيه المشكلات ذاتها بدل أن تختبر فيه حلول جذرية لها، حيث تتحول الحدود من كونها خط فصل سيادي إلى بنية تعيد توجيه الاقتصاد المحلي نحو المسالك غير المعيارية، وتبقي المركز الإداري منشغلا بتدبير الطوارئ اليومية بدل بناء النماذج العلمية القادرة على تفسير آليات الاستفادة وتوزيع الريع وتأثيره على التوازنات الاجتماعية للمدينة. وهكذا، يعاد إنتاج سبتة داخل المخيال البحثي والسياسي بوصفها مدينة استثنائية تدار ضمن الاستثناء ولا تبنى ضمن التكامل، مما يمنح الموضوع أهمية مضاعفة في سياق الدراسات التي تشتغل على الحدود كعلاقات مركبة بين القانون والسيادة والاقتصاد، أكثر مما تشتغل عليها كخطوط مرسومة على الخرائط، ويبرز في الوقت ذاته ضرورة مقاربة المدينة ضمن أطر تحليلية تتجاوز المرجعيات السردية الوطنية المتقابلة نحو قراءة بنيوية دقيقة تمكن من فهم شروط انكفائها المؤسسي، ومسارات اقتصادها، وحدود فاعليتها في صناعة قرارها المحلي ضمن فضاءات نفوذ استراتيجية مثل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، التي يظل حضور المدينة فيها رمزيا أكثر منه وظيفيا، رغم انعكاس قراراتها اللوجستية والجمركية والتمويلية على مسار تشكلها الاقتصادي والاجتماعي.
ثالثا: ميناء سبتة: من الظهير اللوجستي إلى الإزاحة البنيوية للوظيفة يعتبر الباحث خوسي ماريا كامبوس مارتينيز أن ميناء سبتة لم يكن مجرد منشأة بحرية ذات بعد محلي محدود، بل عتبة استراتيجية تشكلت داخل علاقة عضوية مع المجال الخلفي الذي عرفته المدينة في زمن الحماية وما قبله، حين كانت سبتة تؤدي وظيفة الظهير اللوجستي للمنطقة الغربية من شمال المغرب الممتد من العرائش إلى شمال شفشاون. ففي هذه الحقبة، لم يكن نشاط الميناء قائما على عبور البضائع فحسب، بل وعلى انتظام تدفقات التموين والتصدير، وتعاقد العلاقات التجارية والإدارية والعسكرية التي ضمنت للمدينة عمقا وظيفيا يتجاوز حدودها المسورة، ويمنحها موضعا محوريا ضمن دينامية التبادل في غرب المتوسط. غير أن هذا الدور عرض، بعد عام 1956، إلى إزاحة هيكلية بفعل قرار إلغاء العبور التجاري من دون تعويضه باستحداث جمارك تجارية منظمة على الحدود الجنوبية، على النحو الذي اعتمد في مليلية التي احتفظت باستمرارية الجمرك التجاري مع محيطها، مما أسهم في إطالة صلتها الإقليمية وتثبيت مجالها الحيوي. ويرى كامبوس أن هذا التحول لم يكن مجرد إجراء تقني عابر، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف المدينة داخل جغرافيا العزلة بدل جغرافيا الوصل، إذ فقدت سبتة عبره عمقها الجهوي، فتراجع الميناء من بوابة إقليمية للتصدير والاستيراد إلى وجهة شبه مغلقة يستند اقتصادها إلى خدمات التموين المحلي وحركة عبور غير معيارية لا تحكمها ضوابط تجارية رسمية واضحة، مما غير تركيبته من ميناء ذي فعل جهوي عابر للحدود إلى فضاء خدماتي تختبر عنده محدودية السياسة التنموية الإسبانية تجاه الثغر أكثر مما تختبر قيمته المضافة داخل الاقتصاد الوطني. وبهذا المعنى، يؤكد الكاتب أن الميناء لم يخسر بضائعه فقط، بل خسر وظيفته المقارنة داخل نظام الحدود، إذ تحول إلى نقطة استقبال دون أن يكون مركز توزيع وإعادة ضخ للبضائع نحو مجال خلفي منتج، مما أخل بالتوازن البنيوي للمدينة، وجعل سؤال التنمية فيها رهينا لقرار سيادي قديم لا لعوامل السوق أو الديناميات الإقليمية الطبيعية، فأضحى الميناء شاهدا على حدود السياسة لا على سياسة الحدود.
رابعا: سبتة، حدود بلا جمرك وجغرافيا بلا ظهير يقدم الباحث الإسباني خوسي ماريا كامبوس مارتينيز قراءة بنيوية لمدينة سبتة، تنطلق من التعامل مع الحدود لا بوصفها خطا سياسيا فقط، بل كجهاز وظيفي ينتج الأدوار الاقتصادية أو يلغيها وفق ما يسمح به أو يمنعه من أدوات ممارسة السيادة المادية. فحين يصف كامبوس الحدود الجنوبية بأنها «بلا جمرك تجاري من الجانب المغربي»، فإنه لا يسجل واقعة تقنية عابرة، بل يضع يده على ثغرة تأسيسية في تصور الدولة الإسبانية للمدينة، إذ يؤكد أن المركز السيادي في مدريد والمؤسسات الأوروبية في بروكسيل لم تستوعب هذه الحقيقة إلا في وقت متأخر، وأنه شخصيا تولى شرح دلالاتها للجهات المختصة عام 1994، في لحظة كان يفترض أن تشكل نقطة انعطاف نحو إعادة تأطير وظيفة المدينة ضمن نظام التبادل الحدودي. غير أن ما يبدو في النص ليس تغيرا في بنية الحدود، بل في «بنية معرفة الحدود»، إذ إن الاعتراف المتأخر بهذا الوضع لم يفض إلى معالجة مؤسسية تحدث جمركا تجاريا ناظما، بقدر ما كرس استمرار الحدود كحاضنة لتدفقات اقتصادية خارج المعايير القانونية التي تسمح بالقياس والضبط والتوقع. وبهذا المعنى، تتحول الحدود إلى بوابة تدير الحركة ولا تقننها، وتغذي اقتصادا قائما على الاستثناء بدل أن تعيد تأسيس اقتصاد يخضع لقواعد واضحة على غرار ما وقع في مدينة مليلية، التي احتفظت بجمرك تجاري من الجانب المغربي مكنها من صون عمقها الإقليمي كرافعة لوظيفتها المينائية والاقتصادية. يتجاوز كامبوس في تحليله ثنائية «الحدود المفتوحة/المغلقة» نحو ثنائية أكثر تعقيدا، يمكن تسميتها «الحدود المدارة/الحدود المؤسسة». فغياب الجمرك التجاري المنتظم لا يجعل الحدود مغلقة بالمعنى الحرفي، لكنها حدود مستنفذة للوظيفة التنموية، لأنها تبقي المدينة مجرد سوق خلفي للخدمات والاستهلاك دون أن تسمح لها بأن تكون مركز تصريف منظم للبضائع نحو مجالها الخلفي الطبيعي داخل المغرب. ويستعيد الكاتب تاريخ المدينة داخل زمن كانت فيه العرائش وشفشاون، قبل عام استقلال المغرب 1956، جزءا من هذا الظهير اللوجستي الذي يغذي حركة الوارد والصادر، قبل أن يتعرض هذا الدور إلى الإلغاء الهيكلي الناتج عن قرار سيادي مغربي بإلغـاء العبور التجاري من دون استحداث جمارك تجارية مقابلة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الثغر، ومن دون أن تقدم سبتة ردا سياديا أو استراتيجيا يعيد صياغة موقعها داخل جغرافيا التبادل. إن هذا التحول لم يكدس على المدينة خسارة حركية البضائع فقط، بل أسس لمسار طويل من فقدان العمق الإقليمي الاقتصادي الذي كان يضمن لها دورا جهويا مقارنا وفاعلية ذاتية داخل شبكة التجارة المغربية–الإسبانية–الأوروبية في غرب المتوسط. إن ما يبرز قوة هذه المقاربة هو أن كامبوس لا يقرأ تراجع وظيفة الميناء كأثر لحظي لأزمة تجارية أو تقلب في مؤشرات الاقتصاد الكلي، بل يفسره كأثر هيكلي لقرار استراتيجي قديم، جعل الميناء يتقلص من بوابة لوجستية إلى منشأة خدماتية شبه منقطعة عن دينامية الاقتصاد الجهوي، ما حول المدينة إلى فضاء متوتر اقتصاديا، لأنه يعيش على حركة عبور كثيفة لكنه بلا أدوات قياس مؤسسي لها، ومأزوم سياسيا لأن خطاب السيادة يعاد فيه كل مرة دون بناء أدوات السيادة التجارية التي تؤسس الحضور الفعلي للمدينة داخل منظومة الحدود. وبذلك، تتحول العزلة من كونها نتيجة مركبية للواقع الجغرافي، إلى نتيجة منظومية لإدارة سيادية لم تستحدث أطرا للتجـارة القانونية المنظمة، ولم تمنح الثغر أدوات التحول من فضاء «مستقبل» للبضائع إلى فضاء «معيد» لتوزيعها وتأهيلها معرفيا وسياديا وتنمويا داخل المحيط الإقليمي. وهكذا، تتجلى المدينة في هذه الكتابات باعتبارها فضاء يدور داخل حلقة إعادة إنتاج المشكلات ذاتها، لا لأنها مشكلات جديدة، بل لأنها مشكلات ظلت بلا حسم مؤسسي يحرر المدينة من موقع الأشباه ويعيد بناء وظيفتها ضمن شروط التكامل الاقتصادي والسيادة التجارية المقاسة التي تؤطر الحدود بدل أن تكتفى بإدارتها. رابعا: الاقتصاد الرمادي وأسئلته غير المدروسة ينظر خوسي ماريا كامبوس مارتينيز إلى مدينة سبتة من منظور تحليلي ينأى عن المقاربات الاختزالية التي تحاكم التجارة غير المنظمة بوصفها انحرافا أخلاقيا أو خطرا أمنيا فحسب، ليركز على شروط إنتاجها البنيوية والأنساق التي تجعل منها مكونا هيكليا لا عرضيا داخل الدورة الاقتصادية للمدينة. ولا يقف كامبوس عند حدود التشخيص الانطباعي، بل يثير سؤال «توزيع المنفعة والريع» داخل فضاء حدودي تعلي كثافة الحركة اليومية فيه من حضور النشاط الاقتصادي، لكنها لا تتيح في المقابل لأي جهاز مؤسسي أو جبائي القدرة على قياس حجمه الحقيقي، أو تحديد الفاعلين الأكثر استفادة منه ودرجات تلك الاستفادة. فحركة الملايين من السلع والأشخاص التي تعبر الحدود الجنوبية للمدينة، لا تدخل ضمن منظومات جمركية منظمة، ما يجعل قراءتها عبر أدوات الاقتصاد الكلي أو عبر تقارير السياسات العمومية أمرا محفوفا بالضبابية، ليس بسبب من الفوضى فقط، بل بسبب غياب بنية تجارية–جبائية تسمح بتصنيف المعطى، وإدراجه في مؤشرات قابلة للمقارنة، أو تشغيله ضمن نماذج اقتصادية تتجاوز اللحظة الراهنة نحو استشراف استراتيجي مبني على أرقام ومقاييس دقيقة. يتأسس خطاب كامبوس على خلفية تجمع بين البحث العلمي والتجربة المهنية داخل أوساط الجباية المحلية، حيث اشتغل كمستشار جبائي وخبير في الأسئلة الضريبية المرتبطة بالثغر، وهو ما يضفي على كتاباته ثقلا مزدوجا: ثقل المعرفة الميدانية المولدة من داخل المؤسسات المحلية للمدينة، وثقل النقد التحليلي الذي يقرأ أثر القرارات السيادية على الهياكل الاقتصادية أكثر مما ينشغل بتوجيه الأحكام نحوها. ولهذا، تبدو كتاباته أقرب إلى تقارير اقتصادية حقلية تستند إلى المعاينة المباشرة، لكنها مشحونة في الآن ذاته بالسؤال البحثي الذي يموقع المدينة داخل تداخلات الاقتصاد غير المعياري، دون أن يسقط في الخطابات الدعائية المتقابلة بين المركز السيادي الإسباني والجار الجنوبي المغربي، إذ يمسك بسبتة لا بوصفها قضية قومية، بل بوصفها «إشكالا حدوديا متجددا» يفرض نفسه على الدراسـات البنيوية حول أثر العزلة الجمركية في المدن–الثغور. ويعيد كامبوس جذور هشاشة الاقتصاد المحلي إلى لحظة مفصلية تمثلت في استقلال المغرب، حين ألغي العبور التجاري دون استحداث جمرك تجاري منظم يعيد إدماج المدينة في إطار قانوني للتبادلات القابلة للضبط المؤسساتي. فخلافا لـمليلية التي حافظت على صلة تجارية جمركية مع محيطها، وجدت سبتة نفسها بلا ظهير اقتصادي يعيد ضخ حركة السلع نحو مجال إقليمي منتج، وبلا إمكانية لبلورة دور تجاري–لوجستي داخل الحدود، ما جعل اقتصادها يتكئ على عبور يومي ضخم بلا أدوات قراءة صافية ولا آليات ضبط، ويجعلها في مواجهة مباشرة لتحولات الجوار أكثر مما يجعلها قادرة على التفاعل السيادي معها. وتزداد حدة هذا المأزق عندما يربطه الكاتب بالتحولات الجمركية والمالية في شمال المغرب، لا سيما خفض الرسوم على الواردات، وتأثيرات سعر صرف الدرهم المغربي بما ينطوي عليه من انعكاس مباشر على القدرة الشرائية وحركة المبادلات غير المقاسة، في وقت لا تملك فيه المدينة ولا حكومتها المحلية، ولا حتى المركز السيادي الإسباني، أدوات رد استراتيجية مضادة تستوعب التحول وتعيد بناء نماذج الحماية والتنافسية الاقتصادية، ما يدخل المدينة داخل علاقة تبعية دائمة للدورة الاقتصادية غير المنظمة للحدود. ومن هذا المدخل، يؤسس كامبوس نقـده البنيوي على أن التنمية الاقتصادية في سبتة ليست شأنا داخليا خالصا يتعلق بكفاءة البلدية أو بحركية السوق المحلي، بل هي نتاج قرار سيادي واستراتيجي رسمته الدولة الوطنية المغربية من جهة، وترسخ بسبب غياب رؤية استراتيجية مضادة من الإدارة الإسبانية المحلية أو المركزية من جهة أخرى، حيث يدار الاقتصاد ضمن الاستثناء، بدل أن يعاد تأطيره ضمن شروط التكامل الجهوي القادر على تحويل نشاط الحدود من عبور «سيولة غير مقاسة» إلى سيولة مؤسسة تتيح للمدينة الانتقال من فضاء استهلاكي إلى فضاء إنتاجي ولوجستي يعيد بناء دورها الجهوي في غرب المتوسط، ويحرر منفعتها من طابع الريع المجهول إلى طابع «المنفعة المقاسة» التي يمكن إدراجها داخل أفق تنموي مقارن وطويل الأمد.
خامسا: في مأزق الهوية والخطاب المؤسساتي لا تنفصل قراءة خوسيه ماريا كامبوس مارتينيز لمدينة سبتة عن أفق أوسع، يزاوج بين تشريح الاقتصاد الحدودي وبين نقد البنى التي تعوق انتقال المدينة من «فضاء الاستثناء» إلى «فضاء المؤسسة». فكامبوس، وإن انطلق في مجمل أعماله من الروافع الجبائية والضريبية وأوصاف الحركية اللوجستية للميناء والمعابر، إلا أنه يعي أن أصل المأزق لا يقف عند المؤشرات الاقتصادية، بل يتأصل في بنية أعمق يمكن تسميتها «أزمة تمثيل الذات الجماعية للمدينة»، حيث لم تنجح سبتة، رغم تعدد روافدها السكانية والثقافية والدينية، في صياغة سردية تاريخية جامعة تؤسس معرفيا وتتحول إلى مرجعية يستند إليها في الخطاب التعليمي والإعلامي والسياحي على حد سواء. ويلفت كامبوس النظر، في أسلوب قائم على المقارنة الضمنية، إلى أن غياب هذه السردية الدقيقة لا ينتج فراغا هوياتيا فحسب، بل يسمح بإعادة استدعاء السرديات المتضاربة، التي تستثمر سياسيا كلما علا منسوب التوتر في الخطاب حول المدينة، ويعاد فيها تدوير مفاهيم مثل «السيادة المشتركة» التي تستدعى باعتبارها شعارا ظرفيا أكثر من كونها مبحثا مؤسساتيا يترجم إلى سياسات عملية في إطار الدبلوماسية أو التنمية المقارنة. وبذلك، تظل المدينة حبيسة «خطاب رد الفعل»، الذي يرتبط بالاستثارة السياسية اللحظية أكثر مما يرتبط بإنتاج خطاب مؤسس يعي شروط تشكله واستمراريته التاريخية ضمن منظور استشرافي مقارن قابل للتداول العلمي. ويطال نقد كامبوس أيضا بنية الاشتغال المحلي للحكومة الذاتية للمدينة، إذ يشير إلى أن البلدية تدير ملفات الخدمات والطوارئ الحضرية اليومية بلا رؤية استراتيجية بعيدة، ما يجعل المدينة –اقتصادا وسياسة وتمثلا– في حالة دفاع مؤجل لا في حالة بناء مبادر لأدوات السيادة المادية والرمزية. وفي هذا المستوى، لا يوجه الباحث سهام النقد نحو السياسة المحلية لسبتة فقط، وإنما نحو غياب هيكل مؤسسي يجعل المدينة فاعلا مؤثـرا داخل فضاءات صناعة القرار المتوسطي–الأوروبي، خاصة في العاصمة الإسبانية ومؤسسات الاتحاد الأوربي، حيث كان يفترض –وفق تحليله– أن تمتلك المدينة مكتبا تمثيليا دائما يدافع عن مصالحها الاقتصادية والجبائية والتنموية، ويصوغ أسئلة حدودها لا ضمن سياق أمني أو أخلاقي فقط، بل ضمن أطر «التنافس الجمركي» و«التنمية المينائية» و«حديث التكامل الاقتصادي الجهوي». فغيابه، كما يرى، دليل على أن المدينة لا تزال تقرأ بوصفها فضاء ملحقا بالقرار المركزي، لا فضاء تملك أدوات مؤسسية لاقتراح نماذجها في إدارة الحدود ومن ثم إدارة الاقتصاد العابر عبرها. ويعبر عن ذلك بتشخيص لا يخلو من دلالة سياسية رصينة، مفاده أن «المدينة تدار ولا تمثل»، وأنها تترك غالبا دون استراتيجية مقارنة واضحة أمام الآثار المباشرة للقرارات الجمركية والمالية للمحيط الوطني المغربي. ويمكن اعتبار ما قدمه كامبوس في هذا الشأن انتقالا من سؤال «من يمتلك السيادة السياسية؟» إلى سؤال أكثر عملية وإلحاحا وهو: «من يمتلك أدوات السيادة المؤسسية على الاقتصاد والخطاب؟». وهكذا تتجلى سبتة في هذه القراءة ليس فقط كمدينة تحت ضغط الحدود، بل كمدينة تحت ضغط غياب المؤسسة التي تعيد صياغة الحدود ضمن أفق تكاملي ومقارن ومقاس، يمكنها من بناء سرديتها وهياكلها الدفاعية–التنموية بعيدا عن حلول الاستثناء المتكرر، ونحو رؤية تؤسس للتكامل الجهوي على نحو لا يضعها دائما في حالة «إدارة الأزمات» بدل «هندسة المستقبل» . سادسا: سبتة بوصفها موضوعا ضمن منظور الاقتصاد الحدودي والمعرفة الميدانية عند كامبوس لا يكتفي خوسي ماريا كامبوس مارتينيز بمقاربة مدينة سبتة من مدخل المؤرخ أو المعلق السياسي، بل يموقعها داخل تقاطع منهجي يجمع بين تحليل الاقتصاد الحدودي والمعرفة الحقلية المتولدة من معايشة مباشرة لبنى المدينة، ومعرفة تقنية بتفاصيلها الجبائية والضريبية وبالتشوهات التي يفرضها غياب الأطر الناظمة لحركة المبادلات. وتنتمي هذه المقاربة ضمنيا إلى مجال الدراسات التي بلورتها أدبيات الدراسات الحدودية، التي تنقل سؤال الحدود من مساءلة السيادة السياسية المجردة إلى مساءلة أدوات السيادة الاقتصادية وأساليب اشتغالها ونتائجها المادية على المجال الحضري، وهو ما يجعل كامبوس قريبا في أدوات تحليله من مدرسة البحث التي رسختها مدرسة الحوليات عبر إعلاء الملاحظة الميدانية والزمن الطويل على حساب السرديات الظرفية. فهو ينظر إلى الحدود الجنوبية للمدينة ليس بوصفها معطى جغرافيا قارا، وإنما كبنية مؤسسية ناقصة تتيح إدارة الحركة اليومية لكنها تعوق في الوقت ذاته بناء وظيفة جمركية قابلة للقياس والمراقبة، ما يغذي اقتصادا رماديا يتجدد وفق منطق السوق غير المهيكل لا وفق ضوابط التخطيط. وفي هذا الإطار، لا يحاكم التجارة غير المنظمة كنتاج انحراف، بل كاستجابة عقلانية لحدود تجارية لم تتأسس مؤسساتيا، حيث تتدفق السلع والأشخاص دون وسائط إحصائية أو جمركية تسمح بفهم دقيق لمسارات المنفعة وتوزيعها ودرجة تحكم الفاعلين فيها، لتظل المدينة –وفق تعبيره المتكرر– أقرب إلى سوق حدودي يعيش على الحركة لكنه غير مدرج داخل مؤشرات تنموية معيارية. وإذا كانت الحكومة المحلية للمدينة تتكئ، في تدبير شؤونها اليومية، على قرارات مركزية تنتجها العاصمة الإسبانية مدريد وعلى سياسات مالية وتنموية يحدد مساراتها محيطها المغربي المباشر الذي يمثله، فإن كامبوس ينبه إلى أن الثغر يظل دون أدوات رد استراتيجية تعيد إليه قدرة المبادرة في صياغة نموذج تنموي يقرأ الحدود بوصفها فرصة وصل لا فرصة عبور فقط. وتأتي أهمية ملاحظاته هنا لأنها نابعة من موقع المستشار الاقتصادي–الضريبي الذي يعاين اختلالات الاقتصاد اليومي ويطوعها إلى أسئلة بحثية ذات بعد هيكلي، مفادها أن المدينة لا تعاني من كثافة الحركة عبر الحدود، بل من «عدم قابليتها للدراسة والضبط» نتيجة غياب البنيات التي تجعل من الحدود جهازا تجاريا مؤسسا قادرا على تحويل التدفقات إلى تنمية، لا إلى ريع غير مقاس. ولهذا، يمكن اعتبار معالجة كامبوس للمدينة جزءا من «إنتاج المعرفة من الهامش»، حيث تتولد الأسئلة البحثية من المعاينة الحقلية ومن الاحتكاك المباشر بآثار السياسات الجمركية والجبائية على المدينة، ومع إدراك بأن الحدود تنتج نموذجا اقتصاديا بقدر ما تنتج خطابا سياسيا، وأن ما لم يصغ مؤسساتيا داخل الجوار السياسي والاقتصادي للمدينة يتحول بفعل الضرورة التاريخية واليومية إلى سوق وظيفي بلا ظهير ولا مقاييس صافية، وهو ما يضفي على سبتة –في كتابات كامبوس– صفة الموضوع البحثي الذي لا يعري فقط أداء الاقتصاد الحدودي، بل يعري حدود الأداء المؤسسي أيضا.
سابعا: سبتة في الخطاب التاريخي المتوتر: استعادة النقاش حول السيادة المشتركة كما قرأها كامبوس يحلل خوسي ماريا كامبوس مارتينيز ظاهرة العودة المتكررة لخطاب السيادة المشتركة ليس باعتباره طرحا سياسيا عابرا، بل بوصفه مؤشرا على توتر عميق في تمثل المدينة ضمن المخيال السيادي للدولة الوطنية الإسبانية ومنظومة الفضاء الأوروبي. ففي مقالاته، يتوقف كامبوس عند لحظات التوتر التي تعيد إلى الواجهة مفردة السيادة المشتركة لافتا إلى أن هذا النقاش لا يظهر إلا في الفترات التي يتصاعد فيها الاحتقان الثنائي بين إسبانيا والمغرب، فيتحول التاريخ من حقل للمعرفة الدقيقة إلى مادة للتوظيف الإعلامي-السياسي يعاد استدعاؤها بطريقة انتقائية تغذي التجاذب أكثر مما تثري الفهم العلمي للمدينة وحدودها. ومن هنا يضع الكاتب هذه العودة في إطار ما يسميه «الجدل غير المؤسس معرفيا»، الذي ينتج عن غياب سردية تاريخية دقيقة مؤسساتيا تدرس دون أخطاء كرونولوجية أو التباسات في الوصف الجغرافي-السيادي، مما يجعل المدينة عرضة لخطابات دورية تهددها رمزيا، حتى وإن لم تتجل في سياسات فعلية. ويضفي كامبوس على هذا التحليل بعدا نقديا يتقاطع بين تاريخ الخطاب وواقع التدبير، إذ يربط تواتر طرح السيادة المشتركة بعجز الحكومة المحلية عن إنتاج رؤية استراتيجية تتجاوز اليومي نحو فهم المدينة ضمن نظامها الحدودي المستثنى جمركيا، والذي ينتج بدوره هشاشة مؤسساتية واقتصادية تتسلل إلى حقل الهوية، فيغدو النقاش السيادي تعبيرا عرضيا عن عقدة بنيوية أعمق، لا عن مشروع سياسي متماسك. وهو ما يفسر ــ في نظره ــ أن الجهات المركزية في مدريد، حتى حين تهتم بالمدينة، لا تتعامل مع أسئلتها الحدودية ضمن تصور شامل، بل كمشكلات أطراف تعالج بردود آنية أو حلول ترقيعية، بينما يبقى صوت المدينة غائبا عن الفضاءات التي يصنع فيها الخطاب السيادي المؤثر، مثل بروكسيل. وهكذا ينتهي الكاتب إلى أن التوتر السيادي في الكتابات السياسية والإعلامية ليس مجرد انعكاس للخلاف الدبلوماسي، بل نتيجة تاريخ من الاستثناءات غير المراجعة بحثيا بما يكفي، وقرارات سيادية مبكرة تركت سبتة دون عمق مؤسساتي يحصن تمثيلها الخطابي في لحظات الأزمات. ثامنا: سبتة بوصفها حالة استعصاء مؤسسي يرى كامبوس أن جوهر إشكالات المدينة لا يتمثل في موقعها في حد ذاته، بل في الفشل المتراكم في تحويل وضعها الاستثنائي إلى حالة قانونية-مؤسسية واضحة تدار وفق سياسات معلنة وثابتة لا وفق ارتجال إداري أو مزاج سياسي. فهو يوضح أن الاستثناء الذي صاغته الدولة الإسبانية تجاه سبتة (جمركيا، وضريبيا، وقانونيا) لم يتحول أبدا إلى نظام مقنن للاستثناء مثلما فعلت فرنسا مع الأقاليم الحرة، أو كما أدارت البرتغال وضعية ماكاو سابقا ضمن هندسة قانونية متكاملة، بل بقي «استثناء بلا سياسة»، أي وضعا يطبق بحكم الضرورة لكنه غير مؤطر نظريا ولا محول إلى أدوات صلابة مؤسسية. هذا ما جعل المدينة –وفق قراءته– عرضة لتقلبات الجوار المغربي، وتقلبات المركز في مدريد، في وقت معا، فتدار اقتصادياتها ضمن هامش غائم من الإجراءات التي تمنع التخطيط، وتقلل من مصداقيتها كفاعل قابل لإنتاج مؤشرات أو التفاوض عبرها، لتبقى التنمية رهينة القرار المركزي لا رهينة الدينامية المجالية. وتبدو هذه الرؤية أكثر وضوحا عند مقارناته الضمنية بسياسات التدبير التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي تجاه مناطق العبور والتخوم في جنوب القارة، كما تؤطرها مفاهيم الضبط التنموي في الاتحاد الأوربي ودوائره التنظيمية. خاتمة: تقدم كتابات خوسي ماريا كامبوس مارتينيز عن مدينة سبتة صورة مختلفة عما اعتدناه في النقاشات السياسية أو الإعلامية، فهي لا تعتمد على الشعارات أو الأحكام السريعة، بل على معرفة مباشرة بحياة المدينة وحدودها واقتصادها. ومن خلال هذه الكتابات نفهم أن سبتة ليست فقط مدينة محاطة بالأسوار والمعابر، بل مدينة محاطة أيضا بالأسئلة غير المجابة، خاصة تلك المرتبطة بالاقتصاد الرمادي: من يربح منه؟ من يخسر؟ وكيف تؤثر القرارات الكبرى على حياة الناس اليومية فيها. إن كامبوس لا يرى الحدود مجرد خلاف بين دولتين، بل واقعا معقدا ينعكس على التجارة والعمل وفرص التنمية، وهو ما يجعله قريبا من مجال الدراسات الحدودية الذي يهتم بفهم أثر الحدود على حياة المدن والناس، لا على الخريطة فقط.
#محمد_عبد_المومن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرياضة كفضاء للهيمنة والمقاومة: رياضة الملاكمة في شمال المغ
...
-
سبتة في الدراما الإسبانية: الحدود والتهريب وتمثل الآخر بين م
...
-
الرموز البصرية والسردية الاستعمارية في سبتة: التماثيل وأسماء
...
-
الحدود كحاجز واقعي ورمزي: جدار سبتة نموذجا
-
سبتة والظاهرة الجهادية: تقاطعات الهوية والهشاشة في مجال حدود
...
-
سبتة بين العزلة والانفتاح: نحو تصور لاتفاق أورو مغربي مستلهم
...
المزيد.....
-
شاهد.. طائرة صغيرة تصطدم بأعلى ناطحة سحاب في بكين
-
أمريكا تعلن تخفيف بعض العقوبات مؤقتا على فنزويلا بعد الزلزال
...
-
مصر.. الرمال تبتلع 5 أشخاص خلال رحلة تنقيب سرية عن الآثار
-
مدرب منتخب ألمانيا يدعم الحارس نوير بعد اتهامه بالتردد والتس
...
-
سيناتور روسي يرد على تصريحات ماكرون عن التحول الحاد في موقف
...
-
فنلندا.. قرار إلغاء حظر استيراد وتخزين الأسلحة النووية يدخل
...
-
عاصفة من الجدل داخل الكابينيت الإسرائيلي حول كيفية الرد على
...
-
بوتين يلتقي لوكاشينكو في فالداي
-
تحول كبير وحاسم في قضية احتفاظ بولتون بوثائق حساسة تمس الأمن
...
-
شهادات صادمة من غرف الولادة في مصر... من يحمي الأمهات؟
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|