محمد عبد المومن
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 01:55
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
مقدمة
تشكل الصحراء المغربية أحد أبرز المجالات التي استأثرت باهتمام الرحالة الأوروبيين خلال القرن التاسع عشر، وذلك بالنظر إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي. وفي هذا السياق يندرج كتاب " الصحراء" لإيميليو بونيلي الذي نشر سنة 1887 ضمن المشروع المعرفي الذي سعى إلى رسم صورة شاملة عن المجال الصحراوي باعتباره فضاء مفتوحا أمام الأطماع الاستعمارية الإسبانية. غير أن القيمة العلمية لهذا الكتاب لا تقتصر على خلفيته الاستعمارية، بل تنبع أيضا من كونه يقدم –عن قصد أو دون قصد– معطيات دقيقة حول طبيعة الارتباط التاريخي والسياسي بين الصحراء والمغرب، وهو ارتباط يؤكده النسق الاجتماعي للقبائل الصحراوية، ومسارات المبادلات التجارية، وأنماط الولاء السياسي والديني التي حكمت المجال لقرون طويلة.
إن القراءة التحليلية المتأنية لهذا النص تكشف عن مفارقة جوهرية: فمن جهة يحاول المؤلف تقديم الصحراء كحيز قابل للانفصال عن السلطان المغربي خدمة للأهداف التوسعية لبلاده، ومن جهة أخرى تتسرب من ثنايا وصفه اعترافات واضحة بوجود سيادة مغربية ممتدة، تجسدها ممارسة السلطة المخزنية، وشبكات الزوايا والطرق الصوفية، وعلاقات الحماية والجباية، والروابط التجارية المتجذرة بين واحات الجنوب المغربي وعمق الصحراء. وتحول هذه " الاعترافات غير المباشرة " الكتاب إلى وثيقة ذات أهمية استثنائية لفهم ديناميات المجال الصحراوي ولتتبع حضور الدولة المغربية في مناطقه الجنوبية قبل بروز الترتيبات الاستعمارية الحديثة.
انطلاقا من هذه الإشكالية، يهدف هذا المقال إلى إعادة قراءة كتاب الصحراء قراءة نقدية–علمية، تبرز ما يحتويه من معطيات صريحة وضمنية حول علاقة المغرب بالصحراء الغربية، وتعيد وضع النص في سياقه المعرفي والسياسي. كما يسعى إلى تقييم مدى دقة الملاحظات الجغرافية والقبلية التي يسجلها بونيلي، وإلى إبراز كيف أن تفاصيل وصفه –على الرغم من انحيازاته– تؤكد رسوخ البنيات السياسية والاجتماعية التي ربطت الصحراء بالمغرب، وعمق الامتداد التاريخي للسلطة المركزية المغربية داخل هذا المجال الشاسع.
يشير بونيلي بوضوح إلى أن الساحل شمال رأس بوجدور كان خاضعا لسلطان المغرب. فقد جاء في وصفه للمنطقة الواقعة شمال بوجدور أنها تقع “حتى الحدود التي تبلغها سيادة سلطان المغرب.
وهذه العبارة مهمة لأنها تظهر أن المؤلف يعترف بوجود سيادة سياسية مغربية معترف بها عرفيا على الأقل وصولا إلى مناطق صحراوية واسعة.
أولا: التعريف بالمؤلف:
إميليو بونيلي إي هيرناندو (1854–1926) عسكري ومستكشف إسباني، ويعتبر أول إسباني يحاول تأسيس مستعمرات في الصحراء المغربية. تميز بونيلي برحلاته الاستكشافية الواسعة داخل المغرب والساحل الأطلسي لأفريقيا الغربية، حيث قام بأعمال مساحية ودراسات حول الجغرافيا والطبيعة والاقتصاد المحلي للمنطقة، كما ساهم في توثيق حياة سكان الصحراء وعاداتهم وتقاليدهم.
تولى بونيلي عدة مناصب رسمية، منها مفوض ملكي ونائب الحاكم السياسي والعسكري لريو دي أورو، وأسهم في تأسيس كل من رابطة الأفريقانيين الإسبان والجمعية الجغرافية الملكية الإسبانية. ومن بين أهم كتباته العلمية والأدبية، يبرز كتابه:
Emilio Bonelli, El Sahara: descripción geográfica, comercial y agrícola desde el Cabo Bojador al Cabo Blanco
إميليو بونيلي، الصحراء: وصف جغرافي وتجاري وزراعي من رأس بوجدور إلى كابو بلانكو.
الذي يعد دراسة شاملة حول الجغرافيا والتجارة والزراعة في الصحراء المغربية، ويتضمن وصفا للسواحل، رحلاته إلى الداخل، سكان الصحراء، وملاحظات عامة حول إمكانيات المنطقة الاقتصادية والاجتماعية. يمثل هذا الكتاب مصدرا أساسيا لفهم البيئة التاريخية والجغرافية للصحراء الغربية في أواخر القرن التاسع عشر، ويعكس اهتمامات بونيلي بالاستكشاف العلمي والاستعمارية الإسبانية في المنطقة.
ثانيا: الصحراء كامتداد جغرافي بشري للمغرب
يقدم بونيلي في كتابه وصفا دقيقا لشريط الساحل الأطلسي شمال رأس بوجدور، ويؤكد بشكل صريح أن هذه المنطقة كانت خاضعة لسلطة المغرب. إذ يذكر أن المجال الساحلي يمتد إلى أن يصل إلى " الحدود التي تبلغها سيادة سلطان المغرب "، وهي صياغة تشكل اعترافا واضحا بسيادة سياسية مغربية قائمة ومعروفة لدى الرحالة الأوروبيين في القرن التاسع عشر.
وتحمل هذه العبارة دلالات متعددة؛ فهي تثبت من جهة أن المؤلف يقر بوجود حدود سياسية معترف بها عرفيا، ومن جهة ثانية تؤكد أن سلطة السلطان لم تكن مجرد ادعاء نظري، بل كانت واقعا ملموسا في الوعي الجغرافي والسياسي لدى الأوروبيين الذين جابوا المنطقة. وهذا الاعتراف الضمني، الوارد في سياق خطاب استعماري، يمنح النص قيمة خاصة، إذ يظهر أن المجال شمال بوجدور كان جزءا من دائرة النفوذ المغربي بشقيه الإداري والقبلي، وأن امتداد الدولة المغربية في الصحراء كان راسخا قبل أي تدخل أجنبي.
يركز بونيلي، في أكثر من موضع، على المكانة المحورية التي تحتلها قبائل وادي نون وتكنة ضمن البنية الاجتماعية والسياسية للمجال الصحراوي. فعلى الرغم من إشارته إلى ما يعتري هذه القبائل من تباينات وصراعات داخلية، إلا أنه يقرر بوضوح أنها قبائل " خاضعة للسلطان المغربي "، وأن ارتباطها بالمخزن يتم وفق صيغة تقليدية تجمع بين الولاء السياسي العام والاستقلالية القبلية التي تحكمها الأعراف المحلية.
وتكتسي هذه الإشارة أهمية خاصة لأنها تكشف عن رؤية المؤلف للمجال الصحراوي باعتباره جزءا لا يتجزأ من دائرة النفوذ المغربي، وهو تصور لا يقتصر على كتاب الصحراء وحده، بل يتكرر في مجمل الرحلات والتقارير الأوروبية خلال القرن التاسع عشر. فهذه المصادر تجمع –سواء عبر الوصف الإداري أو التجاري أو القبلي– على أنه وادي نون وتكنة تمثل نموذجا لتحكم السلطان في الجباية، ومسالك التجارة، وصلات البيعة المتوارثة، فضلا عن حضور الزعامات الدينية المرتبطة بالمغرب.
وبذلك تتحول شهادة بونيلي إلى عنصر توثيقي مهم، لأنها تصدر عن مراقب أجنبي ذي خلفية استعمارية، ومع ذلك يقر بأن هذا الجزء من المجال الصحراوي كان، تاريخيا وواقعيا، امتدادا للبنية السياسية المغربية.
يقدم بونيلي معطيات ذات دلالة واضحة حول شبكات المبادلة التي ربطت القبائل الصحراوية بالمراكز الحضرية المغربية، إذ يذكر صراحة أن الجماعات القاطنة بين طرفاية وبوجدور كانت في اتصال تجاري دائم مع كل من وادي نون وتارودانت ومراكش، وأن هذه المدن شكلت بالنسبة لها محاور رئيسية للتزود بالسلع وترويج المنتجات المحلية. ويشير المؤلف إلى أن هذه العلاقات لم تكن ظرفية أو موسمية، بل كانت جزءا من منظومة اقتصادية متجذرة تحكم حركة القوافل واتجاهات المبادلات بين الساحل والصحراء والداخل المغربي.
وتدل هذه الشهادة على أن البنية الاقتصادية للصحراء لم تكن معزولة أو منفصلة عن المغرب كما حاولت بعض الأدبيات الاستعمارية اللاحقة تصويرها، بل كانت مرتبطة ارتباطا وظيفيا ومستمرا بالأسواق المغربية الكبرى. فالطريق التجاري الرابط بين وادي نون ومراكش لم يكن مجرد مسار عبور، بل كان شريانا اقتصاديا تستند إليه القبائل في تأمين حاجاتها من الحبوب، والمنسوجات، والمواد المعدنية، وغيرها من الضروريات، مقابل ما تصدره إلى المغرب من منتجات صحراوية كالجلود والصوف والماشية.
وتبرز هذه المعطيات أن العلاقات الاقتصادية بين الصحراء والمغرب تسبق التدخل الأوروبي بقرون، وأنها كانت جزءا من شبكة أوسع من الروابط الاجتماعية والسياسية التي جعلت المجال الصحراوي جزءا من الامتداد الطبيعي للمخزن. ومن ثم يشكل وصف بونيلي عنصرا توثيقيا مهما يعزز فهمنا للمكانة المركزية التي احتلتها المدن المغربية في تنظيم المبادلات التجارية على طول الساحل الصحراوي.
ثالثا: البنية القبلية الصحراوية وصلتها بالمؤسسة السلطانية المغربية
يكشف بونيلي، من خلال عرضه للقبائل المنتشرة في المجال الصحراوي، عن صورة اجتماعية مركبة تتسم بتنوع الانتماءات العشائرية وتداخل شبكات الولاء، حيث تتوزع القبائل ما بين كيانات كبرى مثل الرقيبات وأولاد دليم وأولاد بوسباع والعروسين وغيرها. ويظهر المؤلف أن هذه القبائل، على الرغم من استقلاليتها التنظيمية، لم تكن كيانات معزولة، بل كانت ترتبط بمنظومة سياسية أوسع تتداخل فيها المؤسسة السلطانية المغربية مع البنى القبلية المحلية.
ويلاحظ بونيلي أن العديد من هذه القبائل حافظت على روابط بيعة متوارثة تجاه السلاطين المغاربة، سواء عبر آليات الجباية التقليدية، أو من خلال اللجوء إلى السلطة المخزنية للتحكيم في النزاعات، أو عبر الحفاظ على علاقات وثيقة مع الزوايا المغربية التي كان لها نفوذ روحي عميق في عمق الصحراء. كما يشير إلى أن هذه الشبكات الدينية–الاجتماعية كانت تشكل رافعة مهمة لترسيخ حضور المغرب في الصحراء، بما يجعل السلطة المركزية جزءا من النسيج القبلي لا كيانا غريبا عنه.
ومن خلال هذا الوصف، يتضح أن الكتاب لا يقدم مجرد لوحة إثنوغرافية عن القبائل الصحراوية، بل يكشف ضمنيا عن بنية سياسية متداخلة ظلت تربط هذه القبائل بالمغرب، حيث تتقاطع الممارسات القبلية مع مظاهر السلطة السلطانية في إدارة الشؤون الداخلية وضبط المجال. وبالتالي، يشكل هذا الجزء من الكتاب دليلا إضافيا على أن الصحراء المغربية كانت، بحكم بنياتها الاجتماعية والسياسية، مجالا تابعا للمغرب قبل التدخل الأوروبي.
يتوقف بونيلي عند البعد الديني للمجال الصحراوي باعتباره أحد أهم مفاتيح فهم البنية السياسية والاجتماعية للقبائل، إذ يشير إلى الدور المركزي الذي أدته الزوايا والطرق الصوفية ذات الامتداد المغربي في نسج علاقة روحية وثيقة بين الصحراء والمخزن. ويذكر المؤلف وجود شبكة من " الشرفاء " وشيوخ الطرق الصوفية الذين يحظون بمكانة خاصة لدى القبائل، ويرجع إليهم وظيفة الوساطة وفض النزاعات وتأمين مسالك القوافل، مما يمنحهم سلطة اجتماعية مؤثرة تتجاوز الحدود القبلية الضيقة.
وتبرز في هذا السياق زوايا ذات إشعاع واسع مثل الزاوية الناصرية بتمكروت والزاوية الدرقاوية وغيرها من المؤسسات الدينية المغربية التي امتد تأثيرها إلى عمق الصحراء، حيث ساهمت في نشر قيم الطاعة والولاء وتثبيت الروابط الروحية مع السلطان باعتباره " أمير المؤمنين ". وقد شكلت هذه الزوايا يدا مساعدة للسلطة المركزية في ترسيخ حضورها داخل مجال شاسع ومنفتح، عبر منظومة من العلاقات المتوارثة التي تستند إلى الشرعية الدينية وحرمة الانتساب النبوي.
ولا تقتصر أهمية هذا البعد الروحي على دوره التعبدي، بل يتجاوزه ليؤدي وظيفة سياسية واضحة؛ إذ إن ولاء القبائل للزوايا كان يعزز، بصورة غير مباشرة، ولاءها للسلطان المغربي، نظرا لأن هذه المؤسسات الدينية كانت تعد امتدادا للشرعية المخزنية وقنوات لنفوذها داخل الصحراء. وبذلك يكشف تحليل بونيلي عن أن الارتباط بين الصحراء والمغرب لم يكن فقط ناتجا عن روابط قبلية أو اقتصادية، بل عن شبكة روحية متغلغلة أسهمت في توحيد المجال وإدماجه في الإطار السياسي المغربي.
يبرز بونيلي، من خلال ملاحظاته الميدانية، أن سلطة المخزن المغربي لم تكن سلطة رمزية أو شكلية داخل المجال الصحراوي، بل كانت تتجسد عبر منظومة من الممارسات الإدارية والمالية والقضائية التي تعكس حضور الدولة في الحياة اليومية للقبائل. فقد أشار المؤلف إلى أن القوافل العابرة بين طرفاية ووادي نون ومراكش كانت تخضع لرقابة منظمة تضطلع بها شخصيات ذات صفة شرعية، غالبا من " الشرفاء " أو الزعماء المحليين المرتبطين بالمخزن، وأن الحركة التجارية في هذه الممرات كانت تستوجب أداء رسوم عبور وجبايات تقليدية تشكل أحد مظاهر السيادة المغربية على المجال.
كما يشير الكتاب إلى أن بعض القبائل كانت تلجأ إلى السلطة العليا للمغرب لحل النزاعات أو طلب الحماية، وهو ما يعكس إدراكا واضحا لمكانة السلطان باعتباره المرجعية السياسية والقضائية النهائية. وتعد هذه الممارسات جزءا من منظومة أوسع شملت حماية الطرق التجارية، وضبط العلاقات بين المجموعات القبلية، وضمان نوع من التوازن السياسي الذي يعد عنصرا أساسيا في إدارة مجال صحراوي شاسع ومتعدد البنى.
وتكشف هذه المعطيات أن المخزن لم يكن غائبا عن الصحراء كما تدعي بعض القراءات الاستعمارية اللاحقة، بل كان يمارس سيادة فعلية تتناسب مع طبيعة المجال وخصوصياته الاجتماعية. فالحضور المخزني كان يتجلى عبر شبكة من الوسطاء المحليين والقياد والزوايا، وعبر آليات تنظيم التجارة والجباية، مما يدل على أن الصحراء كانت جزءا مدمجا في منظومة الحكم المغربية، وإن وفق أشكال مرنة تتلاءم مع البنية القبلية الصحراوية.
رابعا: الصحراء في منظور القوة الاستعمارية الإسبانية
على الرغم من أن كتاب الصحراء يتضمن اعترافات واضحة بامتداد النفوذ المغربي إلى أجزاء واسعة من المجال الصحراوي، إلا أنه يعكس في الآن ذاته التوجه الاستعماري الإسباني الساعي إلى تقديم المنطقة كحيز قابل للفصل عن المغرب. فقد عمل بونيلي، من خلال لغته الوصفية وتحليلاته الميدانية، على إبراز بعض ملامح “الاستقلال القبلي” أو " اللا انتظام السياسي " للصحراء، في محاولة لإضفاء شرعية على الطموحات الإسبانية في المنطقة. غير أن هذه المحاولات سرعان ما تتعارض مع الحقائق التي يوردها الكاتب نفسه، والتي تظهر استمرار حضور المخزن وهيمنته الرمزية والعملية في المجال.
ويكشف هذا التناقض عن البنية الخطابية للنص الاستعماري: فهو يهدف إلى تبرير التوسع الإسباني، لكنه يجد نفسه مضطرا إلى الاعتراف بدور المغرب المركزي في تنظيم المجال الصحراوي. ومن ثم، تصبح أوصاف بونيلي التي تسعى إلى إظهار الصحراء كفضاء " بلا سيادة " أو " قابل للهيمنة " جزءا من الاستراتيجية البلاغية للاستعمار، أكثر منها توصيفا موضوعيا للواقع السياسي آنذاك.
يفهم من ثنايا الكتاب أن إسبانيا لم تكن تنظر إلى القبائل أو الظروف الطبيعية باعتبارها العائق الأكبر أمام مشروعها التوسعي، بل كانت ترى في المغرب المنافس السياسي الحقيقي في المنطقة. وتشير ملاحظات بونيلي إلى أن وجود سلطات مغربية معترف بها عرفيا، وارتباط القبائل بالمخزن عبر علاقات البيعة والجباية والحماية، كان يشكل تحديا مباشرا للطموح الإسباني، حيث لا يمكن لإسبانيا تثبيت نفوذها دون أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار.
وقد أدى هذا الإدراك إلى محاولات واضحة لفصل الصحراء عن مجال السيادة المغربية، سواء عبر الخطاب أو عبر الممارسة. غير أن الاعتراف المتكرر بسلطة السلطان في مواضع عدة يدل على أن المشروع الاستعماري الإسباني كان يصطدم باستمرار بواقع تاريخي واجتماعي يصعب تجاوزه. وهذا ما يجعل الكتاب، رغم خلفيته، شهادة مهمة على وزن المغرب السياسي في المنطقة قبل بروز اتفاقيات التقسيم الاستعماري.
يكشف تحليل خطاب بونيلي عن تصادم بين الحدود التاريخية التي ارتسمت بفعل العلاقات القبلية والتجارية والدينية التي تربط الصحراء بالمغرب، وبين الحدود الاستعمارية التي حاولت القوى الأوروبية رسمها لاحقا لأغراض جيوسياسية. فبينما يتحدث المؤلف عن امتداد السلطة المغربية إلى مناطق شمال بوجدور، ويصف بدقة الروابط التي تجعل من وادي نون وسوس عمقا شماليا للصحراء، يسعى –خطابيا– إلى إعادة تشكيل هذه الحدود لتتناسب مع الطموح الإسباني.
ويكشف هذا التوتر عن حقيقة أساسية: أن التقسيم الاستعماري لم يكن نتيجة فراغ سياسي في الصحراء، بل محاولة لإعادة تشكيل مجال كانت له سلطة تاريخية واضحة وفاعلة، تتمثل في المخزن المغربي.
خاتمة
يتضح من خلال إعادة قراءة كتاب إيميليو بونيلي أن الخطاب الاستعماري، بالرغم من محاولاته المتكررة لإضفاء طابع " الفراغ السيادي " على الصحراء، قد ترك في ثناياه اعترافات صريحة وضمنية تكشف عن الحضور التاريخي المتجذر للمغرب في مناطقه الجنوبية. فالمعطيات الجغرافية التي يقدمها المؤلف، وشهاداته حول البنية القبلية، ومسارات المبادلات التجارية، ودور الزوايا والسلطة المخزنية، تشكل في مجموعها لوحة دقيقة تظهر أن الصحراء لم تكن فضاء منعزلا، بل جزءا عضويا من المجال السياسي والاجتماعي المغربي.
إن القيمة العلمية لهذا النص لا تكمن فيما يقدمه من توصيفات إثنوغرافية فحسب، بل في كونه وثيقة تشهد –على الرغم من خلفيتها الاستعمارية– على وجود سيادة مغربية فعلية امتدت لقرون عبر آليات الولاء والجباية والحماية وتنظيم القوافل والطرق التجارية. كما يبرز الكتاب أن التنافس الإسباني لم يكن موجها ضد " فراغ سياسي "، بل ضد دولة قائمة ذات حضور راسخ في الجنوب، الأمر الذي يفسر مركزية المغرب في التصورات الاستعمارية الخاصة بالمجال الصحراوي.
وعليه، فإن تحليل خطاب بونيلي يسمح بإعادة تركيب صورة أكثر واقعية للعلاقة بين الصحراء والمغرب خلال القرن التاسع عشر، ويؤكد أن الحدود التاريخية التي رسمتها القبائل والزوايا والمسالك التجارية كانت أقوى وأعمق من الحدود التي حاول الاستعمار فيما بعد فرضها. ويمنحنا هذا النص، بكل تناقضاته، قاعدة معرفية تؤكد أن الصحراء كانت –ولا تزال– جزءا من الامتداد الطبيعي للمغرب، وأن حضور الدولة المغربية في هذا المجال لم يكن طارئا، بل نتيجة تاريخ طويل من التفاعل السياسي والاقتصادي والروحي الذي وحد الشمال بالجنوب عبر قرون.
#محمد_عبد_المومن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟