أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حكمت الحاج - ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري















المزيد.....



ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 20:56
المحور: قضايا ثقافية
    


ظلال القصيدة وأصداء النص.. 
قراءةً في المشروع النقدي للدكتور مصطفى عطية جمعة: قصيدة النثر في الكويت أنموذجاً.. 
(مبحث في حدود المطابقة)  
بقلم: حكمت الحاج * 
مقدمة:/ 
يتناول مبحثُنا هذا الموقفَ النقديَّ للناقد المصري للدكتور مصطفى عطية جمعة من قصيدة النثر في الكويت، كما يتجلى أساسًا في الدراسة الأولى من كتابه "أصداء ما بعد الحداثة: بحوث في الشعرية والفن والتاريخ"، ويستعين المبحث أيضاً بكتابه "الظلال والأصداء: مقاربات نقدية في الشعر والقصّ"* للكشف عن الأصول المنهجية والتاريخية التي تنتظم قراءته للشعر في الكويت. وينطلق المبحث من مفارقة مركزية ملحوظة: فالناقد يؤرّخ لقصيدة النثر بوصفها شكلًا أسبقَ زمنيًّا من تبلور تيار ما بعد الحداثة، ثم يقرّر أنها الشكل الشعري «الأقرب روحًا وطرحًا وبناءً» إلى فلسفته. ومن هنا يميّز المبحث بين ثلاث دعاوى كثيرًا ما تتداخل في خطابه: دعوى النشأة التاريخية، ودعوى القرابة البنائية، ودعوى الانتماء الفلسفي.
ويقدّم مبحثنا، قبل مساءلة أطروحة د. مصطفى، ضبطًا لجنس المصدر المدروس وشرطه المَأسسي، إذ إن النص المُساءَلَ هو بحثٌ مُحَكَّم منشور ضمن مجموعة دراسات، لا مونوغرافيا مفردة في الشعر الكويتي؛ وهو ضبطٌ يعدّل معايير المساءلة ولا يلغيها. ثم يخلص إلى أن موقف د. عطية جمعة دفاعٌ نقدي مشروط، لا تسويغٌ مطلق؛ إذ يفرّق بين قصيدة النثر المتحقّقة جماليًّا وبين الخاطرة التي اكتفت بإسقاط الوزن، كما يحافظ على شرعية العمود والتفعيلة. وتكشف قراءاته لصلاح دبشة وسعدية مفرح ودخيل الخليفة ونشمي مهنا وإبراهيم الخالدي ودلال الجازي وعالية شعيب عن شبكة تطبيقية متماسكة نسبيًّا قوامها تفتّت الذات، وتواضع الحلم، والمفارقة، وأنسنة الأشياء، وتشيّؤ الإنسان، والشأن اليومي، واللايقين.
غير أن إسناد هذه السمات جميعًا إلى ما بعد الحداثة يظلّ إشكاليًّا؛ لأن بعضها ينتمي كذلك إلى الرومانسية والحداثة والسوريالية، ولأن ناقدنا لا يفصل بما يكفي بين التفكيك والهدم، ولا بين العولمة وما بعد الحداثة، ولا بين كونية القيم والارتياب في السرديات الكبرى. ويضيف المبحث إلى ذلك مستوًى ثالثًا من المساءلة، هو موقع الناقد نفسه بوصفه محطةً من محطات «النظرية المترحلة المسافرة العابرة للحدود» كما عند إدوارد سعيد، ثم يفتح ملفّ المحيط النقدي الذي غاب عن الدراسة. ويقترح في الختام مفهوم «الاستيعاب» بديلًا من «المطابقة»: فقصيدة النثر ليست نوعًا ما بعد حداثيٍّ بالضرورة، لكنها فضاء كتابيّ شديد المرونة في استيعاب حساسيات ما بعد الحداثة ضمن شروط تاريخية محلية عربية.

تمهيد:/  
لا تكمن أهمية دراسة د. مصطفى عطية جمعة لقصيدة النثر في الكويت في كونها تسجّل ظهور شكل شعري جديد في بيئة خليجية فحسب، بل في أنها تضع هذا الظهور داخل سردية أوسع عن تحوّلات المجتمع والثقافة والذات. فقصيدة النثر، في تصوّره، ليست ترتيبًا طباعيًّا للكلام ولا مجرّد تخفّف من قيود الوزن، وإنما هي نتيجة انتقال في كيفية رؤية الشاعر إلى نفسه وإلى العالم. ومن هنا جاء ربطها بما بعد الحداثة: تراجع اليقين، وانهيار الرؤية الكلية، وتفتّت الذات، والالتفات إلى الهامشي واليومي، وتداخل الأنواع والفنون، وإحلال السؤال محلّ الإجابة.
غير أن هذا الربط يولّد، منذ بدايته، مفارقةً لا سبيل إلى إغفالها. إذ يعيد الدكتور مصطفى عطية جذور قصيدة النثر الغربية إلى القرن التاسع عشر، ويتتبّع مقدماتها العربية منذ الشعر المنثور والرومانسية، ثم يقف عند مجلة "شعر" وتجارب أنسي الحاج ومحمد الماغوط وأدونيس وشوقي أبي شقرا وتوفيق صايغ في الخمسينيات والستينيات. وهذا التاريخ أسبقُ من رسوخ مصطلح ما بعد الحداثة في النظرية الأدبية والثقافية، وأسبقُ بوضوح من تحوّله إلى وصف لما سمّاه فريدريك جيمسون «المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخّرة». ثم يقرّر عطية جمعة، مع ذلك، أن «قصيدة النثر الجديدة، هي الأقرب روحًا وطرحًا وبناءً لهذه الفلسفة». فهل المقصود أن ما بعد الحداثة أنشأت قصيدة النثر؟ أم أن قصيدة النثر، بوصفها شكلًا مفتوحًا، أصبحت في مرحلة معيّنة أكثر استعدادًا من غيرها لاحتضان حساسيتها؟ وهل التشظّي والمفارقة واللايقين خصائصُ نوعية ملازمة لقصيدة النثر، أم سماتٌ تاريخية يمكن أن تظهر في قصيدة موزونة أيضًا؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح دراسة د. مصطفى عطية جمعة قيمتها الإشكالية. إنه لا يقدّم تاريخًا محايدًا لقصيدة النثر، بل يقترح تأويلًا فلسفيًّا لهذا التاريخ. وما ينبغي اختباره ليس صحةَ أحكامه الجزئية على الشعراء وحدها، وإنما سلامةُ الانتقال من وصف الشكل إلى تحديد الرؤية، ومن تحديد الرؤية إلى إلحاقها بتيار فكري واسع ومتنازَع على تعريفه مثل تيار "ما بعد الحداثة".
إذن، ينطلق هذا المبحث من فرضية مؤدّاها أن مقترَب د. مصطفى عطية يحقّق تماسكًا إجرائيًّا ملحوظًا على مستوى القراءة النصية، لكنه يظلّ أقلّ تماسكًا على مستوى التأصيل التاريخي والضبط المفهومي. فهو ينجح في استخراج مجموعة متكررة من البنى والدلالات داخل مدوّنة شعرية كويتية متقاربة زمنيًّا، لكنه ينتقل أحيانًا من إثبات «التقارب» بين هذه البنى وبين "ما بعد الحداثة" إلى الإيحاء بعلاقة شبه ماهوية بينهما. ولذلك سيكون من الضروري التمييز بين ثلاث دعاوى مختلفة لدى الناقد: دعوى النشأة التاريخية، ودعوى القرابة البنائية، ودعوى الانتماء الفلسفي. والخلط بينها هو مصدر القوة الإيحائية في أطروحته، وهو كذلك موضع عدم قوتها النظري.
على أن مساءلة أطروحةٍ نقدية مساءلةً عادلة تقتضي، قبل كل شيء، أن نعرف ما الذي نُسَائلهُ بالضبط: أهو كتابٌ، أم بحثٌ مُحَكَّم ،أم فصلٌ في إضمامة نقد؟ وأيّ أفق مأسسي أنتجه؟ وأيّ قيود نوعية فرضها عليه ناشره ومحكِّموه قبل أن يفرضها عليه موضوعه؟ ولذلك يبدأ هذا المبحث بضبط المصدر وشرطه، لا بمناقشة مضمونه، لأن كثيرًا مما يبدو للقارئ نقصًا في الأطروحة قد يكون في حقيقته أثرًا من آثار الجنس الكتابي الذي كُتبت فيه؛ وكثيرًا مما يبدو تواضعًا في الطموح قد يكون التزامًا بحدود البحث المُحَكَّم لا قصورًا في الرؤية.
في المنهج. يشتغل هذا المبحث بعُدّة نقدية مركّبة يحسن التصريح بها منذ البداية، حتى لا تبدو استعارات متفرقة. فمن جاك دريدا يستمدّ التمييز الحادّ بين «الهدم» بوصفه فعلًا طليعيًّا يستبدل بنيةً ببنية، و«التفكيك» بوصفه قراءةً للتوترات التي تجعل البنية غير مكتفية بذاتها. ومن هانس روبرت ياوس يستمدّ مفهوم «أفق التوقع» أداةً لفهم كيف يدخل نوعٌ أدبي جديد في حقلٍ سبق أن كوّنته الأنواع والمؤسسات والقراءات. ومن جوليا كريستيفا ورولان بارت يستمدّ مساءلة التناص ووظيفته، لا مجرد رصد حضوره. ومن إدوارد سعيد يستمدّ نظرية سَفَر النظريات وتحوّلها تحت ضغط السياقات الجديدة. ومن لودفيغ فيتغنشتاين يستمدّ مفهوم «التشابهات العائلية اللغوية» مخرجًا من مأزق التعريف الجوهراني للنوع الأدبي. وليست هذه العُدّة زينةً مرجعية؛ فكلٌّ منها سيؤدّي وظيفةً محدّدة في موضع محدّد من هذا المبحث، وسيُختبر بقدر ما يُستعمل.

أولًا: في تحديد نزع النص المدروس وشرطه المأسسي/ 
من أخطاء القراءة النقدية الشائعة أن يحاكِم الناقدُ نصًّا بمعايير جنسٍ كتابيّ لم يَعِد ذلك النص بالانتماء إليه. ولذلك يلزم، قبل مناقشة أطروحة الدكتور مصطفى عطية، أن نحدّد بدقة طبيعة النص الذي نناقشه.
إن "أصداء ما بعد الحداثة: بحوث في الشعرية والفن والتاريخ" (القاهرة: مؤسسة شمس للنشر والإعلام، 2019) ليس مونوغرافيا مكرّسة لقصيدة النثر الكويتية. إنه مجموعةٌ تضمّ سبع دراسات سبق نشرها في مجلات علمية محكَّمة ومتخصصة، في مصر وخارجها، وفي أزمنة مختلفة، جُمعت لأنها كُتبت من رؤية واحدة: النظر في آفاق ما بعد الحداثة في الثقافة العربية وإبداعاتها. والدراسة الأولى وحدها هي التي تناولت علاقة ما بعد الحداثة بقصيدة النثر من خلال أمثلة من الشعر الكويتي المعاصر، أما بقية الدراسات فتناولت الفن التشكيلي، وظاهرة «الموت المعنوي» في الفكر الغربي المعاصر، وسواها من الحقول. ويقع الكتاب كله في نحو 244 صفحة؛ فالدراسة التي نحاكمها لا تتجاوز، من ثمّ، نحو سبعين صفحة.
ولهذا التحديد أثرٌ مباشر في ميزان النقد. فحين يُلاحَظ على مصطفى عطية أن مدوّنته «تمثيلية لا استقصائية»، وأن المساحات التحليلية غير متوازنة بين الشعراء، وأن أسماءً بعينها -كسعد الجوير- لم تنل ما ناله سواها من تفصيل، فإن الملاحظة تبقى وجيهةً في ذاتها، لكنها تفقد شيئًا من حدّتها إذا أُخذ في الحسبان أن البحث المحكَّم لا يملك، بحكم جنسه، أن يستوعب جيلًا شعريًّا كاملًا. بل إن الناقد نفسه صرّح في خاتمة دراسته بأن الملامح التي رسمها لا تكمل اللوحة، وأن كل تجربة تحتاج إلى دراسة مستقلة. وهو تصريحٌ ينبغي أن يُقرأ إقرارًا بحدود الجنس الكتابي، لا اعتذارًا عن قصور.
على أن هذا التقدير لا يُسقطُ المُساءَلةَ، بل ينقلها من موضع إلى موضع. فالبحث المُحَكَّم، إذا كان يُعفى من الاستقصاء، لا يُعفى من صرامة الادِّعاء. بل إن ضيق المساحة يشدّد واجب الدقة المفهومية، لأن الباحث المُحَكَّم مطالَبٌ بأن يبرهن ما يقول في حيّزٍ محدود، لا بأن يوسّع دعواه حتى تشمل جيلًا وفلسفةً وعصرًا. ومن ثمّ فإن الاعتراض الجوهري على دراسة د. مصطفى عطية جمعة ليس أنها لم تستقصِ الشعراء، بل أنها استقصت الدعوى: أي أنها انتقلت من عيّنة محدودة إلى حكم فلسفي عام. وهذه مفارقةُ الجنس الكتابي بعينها: البحث المحكَّم يضيق بالمادة ويتّسع بالنتيجة.
ويضاعف من أهمية هذا الضبط أن آليات التحكيم الأكاديمي نفسها ليست محايدة في تشكيل الخطاب النقدي. فالبحث المحكَّم مطالَبٌ ببنية جاهزة -مشكلة، وفرضية، ومنهج، ونتائج- وبخاتمة تُغلق ما فتحته المقدمة. وهذه البنية تدفع الباحث، بحكم عُرفها لا بحكم اقتناعه، إلى تسمية النتيجة تسميةً حاسمة وإن كانت المادة تحتمل التعليق. ولعلّ جانبًا من نزوع عطية جمعة إلى «المطابقة» بين "قصيدة النثر" وبين "ما بعد الحداثة" راجعٌ إلى هذا الضغط الشكلي، لا إلى قناعة ماهوية عنده؛ فالدراسة، حين تُقرأ من داخلها، تُظهر ترددًا وحذرًا أكثر مما يُظهره عنوانها ونتيجتها المعلنة.
أما "الظلال والأصداء: مقاربات نقدية في الشعر والقصّ" (القاهرة: مؤسسة شمس للنشر والإعلام، 2014) فليس امتدادًا مباشرًا للكتاب الأول ولا تمهيدًا مقصودًا له، وإنما هو مجموعةُ مقاربات تطبيقية سابقة عليه بخمس سنوات، تضمّ قراءات في شعر محمد الفايز وعلي السبتي وسواهما. ومن ثمّ فإن الحديث عن «مشروع» واحد يجمع الكتابين إنما هو بناءٌ يقيمه القارئ الناقد، لا إعلانٌ يصدر عن المؤلف. وهذا البناء مشروع منهجيًّا -إذ تتكشّف في الكتابين رؤيةٌ واحدة لوظيفة النقد- بشرط التصريح به بوصفه إعادةَ تركيبٍ من الخارج، لا استخراجًا لنيّةٍ مبيّتة عند الكاتب.
وبهذا التحديد يصبح موضوع هذا المبحث أدقّ: إنه قراءة في لحظتين من عمل ناقد، لا في مشروعٍ مكتمل؛ ومساءلةٌ لدعوى نظرية بلغت من الاتساع ما يتجاوز حجم المادة التي قامت عليها؛ ومحاولةٌ لاستخلاص ما يمكن استخلاصه من تلك الدعوى بعد تعديل مداها.

ثانيًا: بين جمال الشكل وجوهر الرؤية/ 
يفصح كتاب "الظلال والأصداء..." عن تصوّر د. مصطفى عطية لوظيفة النقد قبل أن يفصح عن أحكامه على الشعراء. فهو يرفض الفصل التقليدي بين اللفظ والمعنى، كما يرفض أن ينحصر النقد في وصف الشكل أو في مناقشة المضامين الفكرية منعزلةً عن بنائها. فإذا اقتصر النظر على المضمون تحوّل النقاش، في رأيه، إلى خطاب فلسفي أكثر منه تحليلًا نصيًّا؛ وإذا انحصر في الشكل صار وصفيًّا لا يفسّر فاعلية العمل. ومن ثمّ لا تكتمل المقاربة إلا بالمزاوجة بين جماليات البناء واللغة وبين الرؤية التي تنتظمها.
تبدو هذه المقدمة ضرورية لفهم دفاعه عن قصيدة النثر. فالوزن، وفقًا لهذا المنظور، ليس معيارًا خارجيًّا يسبق النص ويحكم عليه؛ كما أن «الفكرة» وحدها لا تصنع شعرًا. والشعرية نتيجةُ علاقةٍ بين تشكيل مخصوص ورؤية متفرّدة. ومن هنا أيضًا قوله إن كتابه يمارس نقدًا تطبيقيًّا، لا يستعير النظريات ليكرّرها في صورة شروح مجرّدة، بل يختبر آلياتها وفروضها في النصوص. ويختصر قيم هذا التصور في عبارة لافتة حين يقول: «فليس الناقد حَكَمًا، وليس المبدع مُمتَحَنًا، وإنما المسألة مقاربة وتحاور».
وليس هذا التصريح تفصيلًا إنشائيًّا؛ إنه يفسّر سمةً بارزة في قراءاته: فهو لا يبدأ من تعريف صارم لقصيدة النثر ثم يستبعد ما لا يطابقه، بل يتحرّك داخل منطقة حدودية تتجاور فيها القصيدة العمودية والتفعيلة والنثر، وتتسرّب خصائص شكلٍ إلى آخر. وقد يبدو هذا أحيانًا ترددًا تصنيفيًّا، لكنه يمثّل، من جانب آخر، حساسيةً تاريخية مهمة؛ لأن تطوّر الشعر في الكويت لم يقع في صورة مراحل مغلقة، بل في صورة تراكب. فالشاعر قد يكتب العمود والتفعيلة في وقت واحد، وقد يحتفظ بالإيقاع التفعيلي داخل نصّ يقترب من النثر، وقد يتخلى عن الوزن من دون أن يتخلى عن الرؤية الرومانسية أو البلاغة الموروثة.
ويتصل بذلك مفهوم «الظلال والأصداء...» نفسه. فالكلمة، عند عطية جمعة، لا تملك دلالةً ثابتة خارج السياق، بل تكتسب ظلالًا جديدة من علاقاتها، ويتحول المسكوت عنه إلى مجال للتأويل. غير أن هذا الانفتاح الدلالي لا يعني عنده إلغاء رسالة النص أو رؤية المبدع؛ فهو يظلّ يتحدث عن «رسالة» تتوهّج بقدر ما تتجسّد في بناء فنيّ متميز. وهنا تظهر مبكرًا طبيعةُ موقعه النقدي: إنه يستفيد من البنيوية والأسلوبية والتأويل والتفكيك والتناص، لكنه لا يتخلى عن مركز إنساني يؤمن بوجود رؤية للنص وبإمكان الكشف عن جماله. ولذلك فممارسته ليست ما بعد بنيويةً خالصة، بل ممارسة توفيقية تجمع التحليل البنائي والتأويل الإنساني والحكم الجمالي.
ويكتسب هذا الموقع الوسيط تفسيرًا إضافيًّا حين نتذكّر التكوين الأكاديمي للناقد: فهو حاصلٌ على الدكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي، ومن ثمّ فإن المقولات البلاغية العربية -الصورة، والمجاز، والتشخيص، والبناء، والوحدة- تظلّ عاملةً فاعلةً في تحليله حتى حين يستعير معجمًا ما بعد حداثيًّا . وليست هذه ملاحظةً تقلّل من قيمة عمله؛ بل هي، على العكس، إذ تفسّر مدى متانة تحليله للصورة. فالبلاغة تُحسنُ وصفَ كيفَ يعمل النص، ولا تكفي وحدها لتفسير لماذا صار العالم على النحو الذي ينتجه النص.
هذا الموقع الوسيط سيعود في دراسته لقصيدة النثر. فهو يدافع عن الحرية والتشظّي واللايقين، لكنه يبحث، في الوقت نفسه، عن وحدة عضوية، وكثافة، وجمال، ورؤية. ويستعير لغة الهدم، لكنه يشترط أن يفضي الهدم إلى بناء. ويعلن انفتاح الدلالة، لكنه لا يتخلى عن إمكان الوصول إلى معنى تأويلي متسق مع بنية النص ورؤية مبدعه. إننا، منذ البداية، أمام ناقد يستخدم معجم ما بعد الحداثة ، لكن حسّه الجمالي العميق يظلّ مشدودًا إلى مطلبٍ الحداثة : أن يحقّق العمل وحدةً وتفرّدًا وقيمةً يمكن الدفاع عنها.

ثالثًا: الدفاعُ المشروط عن قصيدة النثر/ 
لا يتعامل د. مصطفى عطية مع قصيدة النثر باعتبارها موضةً أو دُرْجَةً عابرة أو خطأً عروضيًّا. فهو ينطلق من تراكم إبداعي امتدّ لأكثر من قرن في الآداب العالمية وأكثر من نصف قرن في الأدب العربي، ويرى أن هذا التراكم كوّن للشكل متلقّين وذائقة وتقاليد خاصة. وظهور شكل شعري جديد، في رأيه، لا ينفي الأشكال السابقة؛ فالعلاقة بين الجديد والقديم شعريًّا أقربُ إلى التثاقف والتحاور الجمالي منها إلى المنافسة والإحلال. ولذلك لا ينظر إلى العمود أو التفعيلة بوصفهما مرحلتين منقرضتين، ولا إلى قصيدة النثر بوصفها نهايةً حتمية لتاريخ الشعر.
وإني أرى أن هذا الموقف جديرٌ بالتنويه لأنه يقاوم سرديةً تطورية شائعة تفترض أن كل شكل جديد يتفوّق آليًّا على سابقه. فالتاريخ الشعري عند الدكتور مصطفى ليس سُلّمًا أحاديّ الاتجاه، بل فضاءٌ تتعايش فيه اختيارات فنية متعددة. ويمكن للقارئ أن يتذوّق العمود والتفعيلة والنثر من غير أن ينقض انتماؤه إلى أحدها شرعيةَ الأُخَرين أو الآخرين، إن صَحَّ التعبيران. إن معيار البقاء هو المنجَز الجمالي، لا موقع الشكل في ترتيب زمني مفترض.
لكن الدفاع لا يتحول إلى إعفاء من المعايير. يعتمد د. مصطفى على سوزان برنار في تحديد عناصر قصيدة النثر: الوحدة العضوية، والمجانية بمعنى استقلال النص واكتفائه بذاته، والكثافة أو الإشراقة. كما يؤكد الإيجاز وشدة التأثير والإيقاع غير المتكرر. فالتخلص من الوزن لا يلغي الإيقاع، وإنما ينقل مركزه من انتظام التفعيلات إلى العلاقات الداخلية بين الكلمات، والصور، والتكرارات، والتحولات. والإيقاع هنا حدثٌ فريد يتولّد مع القصيدة ولا يسبقها في قالب جاهز.
وعلى هذا الأساس يرفض مساواة قصيدة النثر بالخاطرة. فالنص الذي يحذف الوزن لكنه يبقي الخطابية والتشبيهات المستهلَكة والتداعي العاطفي غير المصهور لا يحقّق، في نظره، بناء قصيدة نثر حقيقية. وتظهر هذه التفرقة بجلاء في موقفه من الشاعرة عالية شعيب: فالنثرية الطباعية قائمة، لكن الرؤية الرومانسية المألوفة تحُولُ دون تحقّق الجماليات الكلية التي ينسبها إلى قصيدة النثر.
على أن هذه التفرقة تحتاج، لكي تصير إجرائية، إلى معيار إيجابي لا إلى معيار سلبي وحده. فقول الناقد إن الخاطرة «تكتفي بإسقاط الوزن» يصف ما ينقصها، ولا يصف ما ينبغي أن يتوافر فيما يتجاوزها. والفرق ليس ترفًا منطقيًّا: فالمعيار السلبي يسمح لكل نصّ خالٍ من البلاغة المستهلكة أن يُعدّ قصيدة نثر، وهو ما لا يقصده الباحث قطعًا بطبيعة الحال. والمعيار الإيجابي الذي يلوح في كلامه -من غير أن يصوغه صياغةً تامة- هو أن قصيدة النثر تُنشئ نظام إيقاعها ودلالتها من داخلها، فلا تستعير نظامًا سابقًا عليها، لا عروضيًّا ولا بلاغيًّا ولا وجدانيًّا.
أما مفهوم "الهدم" لديه فلا يرادف "الإلغاء". تنشأ قصيدة النثر من «الفوضوية والهدم» بدلالتهما الإيجابية: التمرد على قوانين العروض وعلى طرائق اللغة السابقة، بُغية اكتشاف إيقاع جديد وإحياء المفردات وتشكيل علاقات غير مألوفة. ويشرح أن الهدف ليس التدمير والمحو، بل التحرر من أسر التقاليد السابقة والسعي إلى رؤًى إبداعية جديدة. وبهذا المعنى يكون الهدم لحظةً انتقالية في جدلية تنتهي إلى شكل جديد.
غير أن هذه الجدلية تكشف اختلافًا جوهريًّا بين استعمال عطية جمعة لمفردة «التفكيك» والمفهوم الداريدي له. فالتفكيك عند جاك داريدا ليس عملية ذات مرحلتين: هدمُ بنية قديمة ثم تشييدُ بنية أصَحَّ أو أجمل. إنه قراءةٌ للتوترات التي تجعل البنية غير مكتفية بذاتها، وتكشف أن المركز الذي ينظّمها يعتمد على ما يستبعده، وأن المعنى يتولّد من الاختلاف والإرجاء والأثر. أما د. عطية فيستخدم الهدم والتفكيك أحيانًا بمعنى تحطيم الشكل السابق كي يتبلور شكل جديد. وهذا أقربُ إلى منطق الطليعة و الحداثة أكثر منه إلى التفكيك بمعناه الفلسفي الدقيق.
وليس هذا الالتباس خاصًّا به وحده؛ إنه سمةٌ عامة في تلقّي التفكيك عربيًّا، حيث تُرجم المفهوم في كثير من الأحيان بما يوحي بفعل مادّي على بنية قائمة، بينما هو عند داريدا لا يقع على النص من خارجه، وإنما يُستخرج من داخله بوصفه ما كان النصّ يفعله بنفسه من غير أن يعلن. ولهذا الفارق نتيجةٌ عملية في قراءة الشعر: التفكيك لا يسأل «ماذا هدم الشاعر؟» بل «أين يخون النصُّ نظامَه الخاص؟». وهذا سؤالٌ لم تطرحه دراسة د. عطية جمعة على أيٍّ من النصوص التي حلّلها، مع أن مادّتها تحتمله.
ويظهر توتر آخر حين يواجه اعتراض القائلين إن قصيدة النثر بلا معايير واضحة. فبعد أن عرض شروط سوزان برنار وميّز النص الجيد من الخاطرة، يستشهد برأي يقول إن القصيدة الحيّة لا تحتاج إلى مقياس، وإن نجاحها لا يرتبط بأية نظريات، وإنما بقدرتها على الأخذ بالألباب والإدهاش والإقناع. فإذا أُخذت العبارة حرفيًّا فإنها تقوّض المعايير التي تأسّس عليها الدفاع. فكيف يثبت الناقد أن نصًّا ما قصيدةُ نثر متحقّقة، وأن نصًّا آخر خاطرة، إذا كان العمل الحيّ لا يحتاج إلى مقياس؟
ويمكن تخفيف هذا التعارض إذا قرأنا «المقياس» هنا بمعنى القاعدة المسبقة الجامدة، لا بمعنى القرائن النقدية التي نستخرجها من النصوص. وبعبارةٍ تستلهم مفهوم «التشابهات العائلية اللغوية» عند فيتغنشتاين: لا يلزم أن تمتلك جميع قصائد النثر خاصيةً واحدة ضرورية وكافية، لكن يمكن أن تنتظمها شبكةٌ متقاطعة من السمات؛ كالكثافة، والوحدة، والمفارقة، والإيقاع الداخلي، والاستقلال، والانفتاح الأجناسي. وليست كل سمة موجودةً بالدرجة نفسها في كل نص، غير أن اجتماع عدد كافٍ منها يتيح التعرّف إلى العائلة النوعية . ولو صاغ الدكتور مصطفى معاييره بهذه الصورة لكان أقدرَ على التوفيق بين حرية قصيدة النثر وضرورة التمييز النقدي.
وميزة هذا الحلّ الفيتغنشتايني أنه لا يشترى بثمن التخلي عن الحُكم. فالناقد الذي يتبنّى «التشابهات العائلية» لا يُحرَم من قول إن نصّ الشاعرة عالية شعيب أبعد عن العائلة من نصّ صلاح دبشة؛ غاية ما في الأمر أنه يقول ذلك بلغة الألفة والقرب لا بلغة الحدّ والانتماء. وهو، فوق ذلك، حلٌّ ينسجم مع الحساسية التي يدافع عنها عطية جمعة نفسه: إذ يستحيل أن يُدافَع عن شكلٍ قوامه الانفتاح بمنطقٍ تعريفيّ مغلق.

رابعًا: من الشعر المنثور إلى قصيدة النثر/ 
يرسم د. مصطفى عطية جمعة لقصيدة النثر العربية نسبًا مركّبًا لا يبدأ بمجلة "شعر" وحدها. فيذكر محاولات التحرر من الوزن في القرن التاسع عشر، والشعر المنثور عند أمين الريحاني وجبران خليل جبران، وتجارب أحمد زكي أبو شادي وحسين عفيف، وأثر والت ويتمان والترجمات. لكنه لا يسوّي هذه البدايات بقصيدة النثر المكتملة؛ فكثيرٌ منها غادر العروض ولم يغادر شعرية عصره، وظلّ أقرب إلى النثر الرومانسي أو البلاغة الموروثة. وهذا تمييزٌ تاريخي سديد بين إزالة الوزن وتغيير نظام الشعرية.
ويَحسُنُ هنا ضبط المرجع الغربي الذي يستند إليه هذا النسب. فديوان بودلير قصائد صغيرة بالنثر (Petits poèmes en prose)، المعروف كذلك بعنوان "سأم باريس"، لم ينشره صاحبه في حياته؛ إذ توفي سنة 1867، وضُمّت قصائده إلى أعماله الكاملة سنة 1869. أما التأصيل النقدي الجامعي للنوع فتأخّر نحو قرن: فأطروحة سوزان برنار نوقشت في جامعة باريس سنة 1958 وصدرت كتابًا في العام التالي. وهذه المواعيد ليست تفاصيل ببليوغرافية؛ إنها الحجة التاريخية الأولى ضد أي مطابقة بين "قصيدة النثر" وبين ما بعد الحداثة"، إذ إن النوع اكتمل نظريًّا في اللحظة نفسها التي كانت الحداثة الأدبية فيها في أوج سلطتها المأسسية، قبل أن يشيع مصطلح ما-بعد-الحداثة في النقد الأدبي بعقدين على الأقل.
ثم يجعل عطية جمعة الخمسينيات لحظةَ تبلور عربيّ أكثر وضوحًا مع مجلة " شعر"، ومع محمد الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس وشوقي أبي شقرا ويوسف الخال وفؤاد رفقة. فالترجمة والاحتكاك بالتجربة الفرنسية لم يوفّرا نموذجًا شكليًّا فقط، بل أوجدا وعيًا نظريًّا بالقصيدة الجديدة. وقد بلغ هذا الوعي صيغته البيانية في مقالة أدونيس «في قصيدة النثر» المنشورة بمجلة شعر سنة 1960، وفي مقدمة أنسي الحاج لديوانه المعنون " لن" في العام نفسه؛ وهما نصّان أسّسا للنوع عربيًّا تأسيسًا خطابيًّا سابقًا على تراكمه النصّي.
غير أن المسار لم يكن خطيًّا؛ إذ يرى د. مصطفى أن قصيدة النثر واجهت في الستينيات انحسارًا أو مقاومة بسبب الشبهة الأيديولوجية المحيطة بالمجلة، والمناخ القومي المضاد لبعض أطروحاتها، ونخبوية عددٍ من نماذجها، وغلبة الخلفيات الأسطورية والكونية المصطنعة أحيانًا. وفي السبعينيات ظلت النصوص النثرية مجاورةً للتفعيلة، وتحمّلت مثلها أثقال الخطاب القومي والأيديولوجي والصوفي.
أما التسعينات فتمثّل عنده عودةً مختلفة. فلم تعد القصيدة تسعى إلى استبدال رؤية كلية برؤية كلية أخرى، بل إلى مساءلة إمكان الرؤية الكلية نفسها. تقلّص حضور الشاعر النبيّ، وتراجعت الإجابات الكبرى، ودخلت لغة الحياة والشارع والأشياء اليومية في النسيج الشعري، وأصبحت القصيدة تطرح السؤال من غير أن تَعِدَ بإجابة نهائية. وهنا يقترب تحليله فعلًا من تصور جان فرانسوا ليوتارد لما بعد الحداثة بوصفها ارتيابًا في السرديات الكبرى، لا مجرد مرحلة تأتي زمنيًّا «بعد» الحداثة.
لكن الانتقال إلى الكويت يحتاج إلى تاريخ خاص. فدكتور مصطفى عطية لا يردّ ظهور قصيدة النثر فيها إلى استنساخ مباشر لبيروت أو القاهرة أو بغداد، بل إلى شبكة ثقافية عربية: الكتب والمجلات الوافدة من القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، والكتّاب العرب المقيمون في الكويت، وسفر المثقفين الكويتيين، والمؤسسات الثقافية الرسمية، والساحة الصحفية النشطة. لقد أتاحت كل هذه الشبكة للقصيدة الكويتية أن تتفاعل مع التحوّلات العربية من غير أن تفقد شروطها المحلية.
ومع ذلك يصف ناقدنا ظهور قصيدة النثر في الكويت بأنه متأخر نسبيًّا، ويربط بدايتها بجيل التسعينات. والمهم أنه لا يتصوّر التحول قفزةً فجائية، بل يرصده عبر أربع حالات: الجمع بين العمود والتفعيلة؛ ثم كتابة التفعيلة ذات الإيقاع العالي؛ ثم خفوت الإيقاع التفعيلي؛ ثم الانتقال إلى النثر. وقد لا تجتمع المراحل الأربع حرفيًّا عند كل شاعر، لكنها تكشف نموذجه التفسيري: فقصيدة النثر في الكويت خرجت، في جانب معتبر منها، من خبرة الوزن لا من الجهل به، ومن تحوّل تدريجي في الحساسية لا من قرار طباعيّ عابر.
وتؤدّي قراءتا محمد الفايز وعلي السبتي في "الظلال والأصداء..." وظيفةً تأسيسية لهذا التاريخ. فمحمد الفايز، عند د. مصطفى عطية، أبرز شعراء المرحلة الوسطى في الكويت والخليج، والأكثر تجديدًا وإنتاجًا بين أقرانه. وقد حقّقت "مذكرات بَحَّار" نقلةً كبيرة لأنها حوّلت عالم البحر قبل النفط، بما فيه من فقر ودَين واستغلال وخوف، إلى تجربة شعرية ذات امتداد اجتماعي وتاريخي. لقد كتب محمد الفايز التفعيلة وعاد مرارًا إلى العمود، لكن العودة لم تمحُ الرؤية والصورة الحديثتين. ويعزو د. مصطفى جانبًا من هذا الرجوع إلى أفق التوقع الخليجي الذي لم يكن مستعدًّا دائمًا لقبول التفعيلة.
أما علي السبتي فيقرأه د. عطية داخل شرطه التاريخي والاجتماعي، ويرفض صراحةً أن يفرض عليه مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة من خارج تجربته. يثمّن عفويته وصدقه وشفافيته وعلاقة المرأة بالمكان والذات بالزمن، لكنه لا يجامل ضعفه: فالعفوية قد تتحول إلى إسهاب وتكرار، وقد تندفع الذات إلى تفريغ شحنتها قبل صهرها جماليًّا، كما يرى أن الديوان الثالث أقلّ تماسكًا من الديوانين السابقين له.
وهاتان القراءتان تمنعان اختزال تاريخ الشعر الكويتي في انتقال تقنيّ من الوزن إلى النثر. فقد حدث التحول، قبل ذلك، داخل القصيدة الموزونة نفسها: في الرؤية والصورة وبناء الشخصية الشعرية وعلاقتها بالمكان والتاريخ. ولذلك تبدو قصيدة النثر امتدادًا وتحويلًا لمكاسب سابقة بقدر ما تبدو تمردًا عليها. وإن كان ثمة قطيعة، فهي قطيعةٌ نسبية تحمل آثار ما تقطع معه.
ويلزم هنا تسجيل ملاحظة منهجية على رفض د. مصطفى عطية جمعة إسقاطَ مفاهيم ما بعد الحداثة على الشاعر علي السبتي. فهذا الرفض موقفٌ تاريخيّ سليم يستحقّ التنويه، لكنه يستحقّ أيضًا التعميم. ذلك أن المبدأ الذي يحمي السبتي من الإسقاط -وهو أن الشاعر يُقرأ داخل شرطه لا داخل شرط قارئه- هو المبدأ نفسه الذي كان ينبغي أن يحمي صلاح دبشة وسعدية مفرح ودخيل الخليفة من إلحاقهم بفلسفةٍ لم يعلنوا انتماءهم إليها. فإذا صَحَّ المبدأ في موضع، لزم إعماله في سائر المواضع، وإلا صار أداةَ استثناءٍ لا قاعدةَ قراءة.

خامسًا: الغزو العراقي للكويت والتحول الثقافي/ 
يمنحُ د. مصطفى عطية جمعة غزوَ العراق للكويت في الثاني من أغسطس (آب) 1990 موقعًا مفصليًّا. فقبل الغزو كان الشعر الكويتي، في تصوره، أكثر التصاقًا بالقضايا القومية العربية، وبفلسطين والوحدة والحلم العربي. وبعده تصدّعت الثقة بهذا الأفق، وبرزت الهوية الوطنية الكويتية في مواجهة تجربة كشفت هشاشة التضامن القومي. غير أن الناقد لا يختزل التحول في الصدمة العسكرية؛ فهو يربطه بتحولات مدينية وثقافية أوسع: العولمة، والأمركة، والفضائيات، واتساع الخطاب الليبرالي، وصعود التيار الإسلامي المضاد، وتزايد الفردية، والتباين بين حداثة العمران وبطء التحول الاجتماعي، واستمرار البنى القبلية داخل مؤسسات تبدو حديثة.
وهذا التحليل برأيي من أغنى جوانب الدراسة، لأنه لا يتعامل مع الشكل الشعري كأنه يتولّد من اللغة وحدها. فتراجع الخطاب القومي، وصعود المحلي، والتفات الكاتب إلى الجسد واليومي والهمّ الفردي، ليست تغيّرات بلاغية منفصلة عن التاريخ. ومع ذلك يظلّ سؤال السببية مفتوحًا: هل كانت قصيدة النثر نتيجةً مباشرة للغزو العراقي؟ إن النصوص التي يدرسها عطية جمعة لا تكفي لإثبات علاقة سببية بهذه القوة، وهو نفسه يلاحظ أن الأدب لم يمثّل صدمة الغزو بالحجم الذي كان متوقعًا، وأن الحدث احتاج إلى مسافة زمنية كي يتحول إلى خبرة فنية.
فالأدقّ إذن القول إن الغزو سرّع إعادة تشكيل المجال الثقافي وأفق التوقع، ولم «ينتج» قصيدة النثر بمفرده. ولنا أن نستعين هنا بجماليات التلقي عند هانس روبرت ياوس: فالنوع الجديد لا يظهر من فراغ، وإنما يدخل في أفق توقّعٍ تكوّنه الأنواع السابقة والمؤسسات والقراءات والخبرات التاريخية، ويُقاس أثره الجمالي بمقدار «المسافة الجمالية» بينه وبين ذلك الأفق. وحين يكتب عطية جمعة أن التراكم الإبداعي أوجد لقصيدة النثر متلقّين ومتذوّقين، فإنه يقترب من هذا المنظور؛ وحين يعزو عودة الفايز إلى العمود جزئيًّا إلى عدم استعداد التلقي الخليجي للتفعيلة، فإنه يعترف بأن الشكل لا يعيش خارج شروط استقباله.
لكن الدراسة لا تستثمر هذا الخيط بما يكفي. فهي لا تفحص، مثلًا، المراجعات الصحفية، ومعارك التسمية، وسياسات النشر، وبرامج المؤسسات الثقافية، وتحوّل ذائقة الجمهور، أو الفرق بين استقبال قصيدة النثر في الصحيفة واستقبالها في الديوان. وبذلك يظلّ «المتلقّي» مفترضًا أكثر منه موثّقًا. وكان من شأن دراسة وثائق الاستقبال أن تقدّم برهانًا اجتماعيًّا على ترسّخ قصيدة النثر، بدلًا من الاكتفاء باستنتاجه من كثرة الدواوين والأسماء.
وليست هذه الوثائق مفقودةً حتى يُعذر الباحث في إغفالها. فالأرشيف قائمٌ ومتاح: فصفحات صحف مثل القبس و الرأي العام و البيان ، ومجلة الكويت، ومنابر رابطة الأدباء الكويتيين، فضلًا عن المنابر العربية التي نشر فيها شعراء الجيل نفسه، مثل أخبار الأدب و المدى و الآداب و نزوى . ولو أن الدراسة أفردت صفحاتٍ لهذا الأرشيف، لتحوّلت دعوى «ترسّخ» قصيدة النثر من استنتاجٍ كمّي إلى برهانٍ مأسسي، ولانكشفَتْ أيضًا الفروق الدقيقة بين تلقٍّ صحفي يحتفي بالجدّة، وتلقٍّ مُتمأسِس يمنح الجوائز والعضويات، وتلقٍّ أكاديمي يتأخر عادةً جيلًا كاملًا عن الظاهرة التي يدرسها.
وهنا يُطرح سؤالٌ يخصّ ياوس نفسه لا مصطفى عطية: هل يصلح «أفق التوقع» أداةً تفسيرية في حقلٍ أدبيّ لم تُوثَّق قراءاته توثيقًا كافيًا؟ إن المفهوم عند ياوس يفترض أرشيفًا للتلقي يمكن قياس المسافة الجمالية عليه، وهو أرشيف متوافر في الآداب الأوروبية بدرجة لا تتوافر بها في كثير من الآداب العربية المحلية. ومن ثمّ فإن استعمال المفهوم عربيًّا يقتضي، قبل التطبيق، عملًا أرشيفيًّا تأسيسيًّا؛ وإلا تحوّل «أفق التوقع» من أداة قياس إلى استعارة بلاغية عن «ذائقة العصر». وهذا، في تقديري، أحد أهم الدروس المنهجية التي تكشفها دراسة د. مصطفى عطية جمعة بخصوص الشعر في الكويت.

سادسًا: النظرية المترحلة وموقعُ الناقد/ 
تحتاج مقولة ما بعد الحداثة نفسها إلى أن تجتاز اختبار «النظرية المترحلة أو المسافرة» عند إدوارد سعيد. فالنظريات، عندما تنتقل من سياق إلى آخر، لا تحتفظ بالمعنى والوظيفة نفسيهما؛ إذ تتغير تحت ضغط المؤسسات والتاريخ واللغة وعلاقات القوة. وقد رسم إدوارد سعيد لهذا الانتقال أربع محطات: نقطةَ منشأ تولد فيها الفكرة، ومسافةً تقطعها عبر ضغط سياقات مختلفة، وشروطَ قبولٍ أو مقاومة تواجهها في محلّها الجديد، ثم تحوّلًا يطرأ على الفكرة نفسها باستعمالها في موضعها الجديد. ثم عاد سعيد إلى الفكرة في مقالة لاحقة فعدّل نتيجتها المتشائمة: فالنظرية المسافرة أو العابرة للحدود قد لا تُدجَّن ولا تفقد شحنتها فحسب، بل قد تشتعل من جديد في سياقها الجديد وتستعيد حدّتها النقدية بصورة لم تكن ممكنة في منشئها.
وما بعد الحداثة التي نشأت في مناقشة المجتمعات الصناعية الغربية، وأزمة التمثيل والمعرفة والرأسمالية المتأخرة، لا تنتقل إلى الكويت نسخةً كاملة. إنها تعبر تاريخ النفط والدولة الريعية والغزو والوجود العربي الوافد والتقاليد القبلية والدينية ومؤسسات الرعاية الثقافية. وقد التقط د. مصطفى عطية كثيرًا من هذه العناصر، لكنه لم يحوّلها إلى نظرية محلية في انتقال المفهوم، بل اكتفى بأن سمّى النتيجة «ما بعد حداثة»، بينما كان بالحريِّ أن يسأل: أيّ ما بعد حداثةٍ تنتجها هذه الشروط؟ وما الذي يتغير في المفهوم حين يصير كويتيًّا وخليجيًّا وعربيًّا؟
على أن تطبيق نموذج إدوارد سعيد على هذه الحالة يقتضي خطوةً إضافية كثيرًا ما تُغفَل، هي أن الناقد نفسه محطةٌ من محطات السفر، لا راصدٌ يقف خارج المسار. وهذه ملاحظة في سوسيولوجيا المفهوم لا في شخص الباحث، ولا يُقصد بها التقليل من قيمة عمله؛ بل هي، على العكس، تفسّر خصائص ذلك العمل تفسيرًا لا يستقيم من دونها.
فالدكتور مصطفى عطية جمعة باحث مصري من مواليد 1969، نال شهادة الدكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي من جامعة الفيوم سنة 2006، ويعمل في قسم اللغة العربية بكلية التربية الأساسية التابعة للهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في الكويت، وهو عضو في اتحاد كتّاب مصر ونادي القصة بالقاهرة ورابطة الأدب الإسلامي العالمية. وليست هذه بيانات سيرة ذاتية تُساق للتوثيق؛ إنها إحداثيات المحطة التي عبر منها المفهوم. فالدراسة التي نقرؤها كُتبت بقلم أستاذٍ وافد، داخل مؤسسة تعليم تطبيقي في دولة ريعية، عن شعراء بلدٍ ليس بلده، بلغةٍ نظرية متأثرة بالغرب عبر وساطة أكاديمية مصرية، ثم أُخضعت للتحكيم في مجلة علمية، ثم أُعيد نشرها في كتاب صادر بالقاهرة. وهذه سلسلةُ وساطات لا يمكن أن تمرّ من غير أن تترك أثرها في المفهوم المنقول.
ويتضح أثر هذه السلسلة في ثلاثة مواضع على الأقل. أولها أن الإطار سابقٌ على المدوّنة لا مستخرَجٌ منها: فقد أصدر الدكتور مصطفى كتابه "ما بعد الحداثة في الرواية العربية الجديدة: الذات، الوطن، الهوية" عام 2010، ثم "شعرية الفضاء الإلكتروني: قراءة في منظور ما بعد الحداثة" عام 2016، قبل دراسته عن قصيدة النثر الكويتية. أي أن مفهوم ما بعد الحداثة كان قد استقرّ عنده استقرارًا شبه نهائي، عبر حقول أخرى، قبل أن يلتقي بالشعر الكويتي. وهذا يفسّر لماذا تبدو النصوص الكويتية في الدراسة شواهدَ على أطروحة أكثر مما تبدو مصدرًا لها؛ وهو يفسّر أيضًا اتساع المفهوم عنده حتى شمل النسبية والشك والجسد والأقليات والعولمة والقيم الكونية: فالمفهوم الذي يُختبر في الرواية ثم في الفضاء الإلكتروني ثم في الشعر يتمدّد بالضرورة ليسع ثلاثة حقول متباعدة.
وثانيها أن الأفق الإنساني التصالحي الذي تنتهي إليه الدراسة -حيث يفضي التمرد إلى بناء، والبناء إلى جمال، والجمال إلى قيم إنسانية مشتركة- ليس تلفيقًا نظريًّا عشوائيًّا، بل هو أثرُ تكوينٍ نقديّ اكسيومي بعينه. فناقدٌ متكوّن في البلاغة العربية، منتمٍ إلى مؤسسات أدبية ذات مرجعية قيمية، لا يمكن أن يقبل من ما بعد الحداثة نزعتَها المضادة للأسس على إطلاقها. وما يجري في خاتمة الدراسة ليس تناقضًا خالصًا، بل هو توطينٌ للمفهوم: أي أخذُ أدواته التحليلية وردُّ نتائجه العدمية. وهذا بالضبط ما يصفه إدوارد سعيد بتحوّل الفكرة في سياقها الجديد.
وثالثها -وهو الأكثر دلالة- أن الدكتور عطية جمعة ليس غافلًا عن إدوارد سعيد، حيث كان قد أفرد لفكره بحثًا مستقلًّا، على أن غياب الالتفاتة الانعكاسية في دراسته ليس جهلًا بالأداة، وإنما هو اختيارٌ في توجيهها: وُجّهت النظرية إلى الشعراء ولم تُوجَّه إلى الناقد. وهذا، في تقديري، هو الحدّ الذي يفصل بين النقد الثقافي والنقد الأدبي التقليدي: فالأول يعدّ موقع القارئ جزءًا من موضوع القراءة، والثاني يعدّه شرطًا سابقًا لا يُساءَل.
ولو أُدخل هذا المستوى في الدراسة لتغيّرت نتيجتها. إذ ما كان يمكن عندئذ أن يُقال إن قصيدة النثر في الكويت «ما بعد حداثية»، بل كان يُقال إن مفهوم ما بعد الحداثة، وقد عبر هذه السلسلة من الوساطات، أصبح قادرًا على وصف طبقةٍ بعينها من الظواهر في هذه المدوّنة، وعاجزًا عن وصف طبقات أخرى. وهذا حكمٌ أضعف في صيغته، وأقوى كثيرًا في برهانه.
وينبغي التنبيه هنا، تفاديًا لسوء الفهم في هذا السياق، إلى أن هذه المساءلة المترحلة العابرة للحدود تطال كاتب هذه السطور بالقدر نفسه. فأنا أقرأ ناقدًا مصريًّا يقرأ شعراء كويتيين، بعُدّةٍ نظرية فرنسية وأميركية، من موقع كاتب عراقي مقيم في أوروبا. والسلسلة، كما ترى عزيزي القاريء، لا تنتهي؛ ولا سبيل إلى الخروج منها إلى موضع محايد. غاية ما يستطيعه الناقد أن يجعل موقعه جزءًا من الحجة بدلًا من أن يتركه يعمل من وراء ظهره.

سابعًا: خريطة الأَحكام على شعراء قصيدة النثر/ 
لا يكتب د. مصطفى عطية تاريخ قصيدة النثر في الكويت بوصفه قائمةَ أسماء، بل يستخرج من النماذج سبعة ملامح متكررة: تمرّد الذات وتواضع الحلم؛ وأنسنة المادي وتشيّؤ المؤنسَن؛ ومفارقة الدلالة؛ وتعدد الذات وتجزّؤها؛ والبنية المتضادة؛ وتذبذب الرؤية بين الذات والعالم؛ وأخيرًا إدراك العالم في صيرورته وتناقضاته. وهذه الشبكة هي العمود الفقري التطبيقي للدراسة.
وقبل عرض الأحكام، تجدر الإشارة إلى ميزة منهجية في هذه الشبكة: إنها قابلة للاختبار. فالسمات السبع ليست انطباعات ذوقية، بل مقولات يمكن التحقق من حضورها أو غيابها في نصّ بعينه، ويمكن لناقد آخر أن يطبّقها فيصل إلى نتائج مغايرة. وهذا وحده يرفع من قيمة هذه الدراسة للدكتور مصطفى فوق كثير من الكتابات النقدية العربية عن قصيدة النثر، التي تكتفي بالإنشاء التقريظي أو الإنشاء التهجّمي. والاعتراض الذي سيأتي لاحقًا لا يمسّ صلاحية الشبكة، وإنما يمسّ الاسم الذي أُطلق عليها.

صلاح دبشة: ريادة المشهد الصغير..
يمنح د. عطية جمعة الشاعر صلاح دبشة موقعًا رياديًّا، ولا سيما منذ ديوان "نحوك الآن كأني" الصادر سنة 1997. وتكمن خصوصيته في نقل مركز القصيدة من الموضوع العالي إلى اللقطة الصغيرة: كرسيّ، وإبرة، ومطعم، وبناية، وعمال نظافة، وشارع. فلا تدخل الأشياء بوصفها زينةً أو استعارةً ثابتة، بل تتحول إلى فواعل؛ تتأنسن المادة، وتكتسب الحركة والنية، فيما قد يتحول الإنسان إلى رقم أو وظيفة أو جزء من تنظيم مادي.
وتنبع المفارقة عند دبشة من هذا الانقلاب في مراتب الوجود. فالذات لم تعد مركزًا يمنح الأشياء أسماءها ومعانيها، بل أصبحت عنصرًا في شبكة تتبادل فيها الكائنات والمواد القدرةَ على الفعل. وهنا يكون ربط د. مصطفى جمعة بما بعد الحداثة مقنعًا نسبيًّا: تراجع المركز الإنساني، وانفتاح القصيدة على اليومي، وتفكّك الحدود بين الذات والشيء. لكن هذا البناء يمكن أن يُقرأ أيضًا في ضوء السوريالية وتشخيص الجماد وتراث الصورة الحداثية؛ ومن ثمّ لا تكفي السمة منفردةً لإثبات الانتماء الفلسفي.
ولعلّ أنسبَ إطار لقراءة هذا الانقلاب هو الإطار العلائقي. فحين يقترح نيكولا بوريو أن العمل الفني لا يُعرَّف بجوهره ولا بشكله المغلق، وإنما بشبكة العلاقات التي ينشئها ويقيم فيها، فإنه يقدّم أداة لقراءة نصّ لا مركز فيه، وإنما فيه بؤرٌ متبادلة الفعل. وأنا أعرض هذا الامتداد على وعيٍ بأن بوريو صاغ مفهومه في حقل الفنون البصرية والممارسات التشاركية لا في حقل الشعر، وأن نقله إلى النص الشعري توسيعٌ لا تطبيق. لكن التوسيع مشروعٌ هنا لأنه يفعل ما عجز عنه مفهوم «التشيّؤ» في تحليل د. مصطفى: إنه يصف علاقةً لا حالة. فالكرسي عند دبشة ليس «مؤنسَنًا» فحسب، بل هو طرفٌ في تبادلٍ يفقد فيه الإنسان امتيازه الأنطولوجي؛ وهذه صياغة أدقّ وأقلّ استعارية من صياغة أنسنة الجماد الموروثة عن البلاغة.

سعدية مفرح: الذات المتعددة والحلم المتواضع..
تحتلّ سعدية مفرح المساحة الأوسع في الدراسة، حتى تبدو النموذج الأكثر تمثيلًا لأطروحتها. وقد مرّت تجربتها بين التفعيلة وقصيدة النثر، لكن د. مصطفى عطية يلاحظ أن «روح» قصيدة النثر قد تظهر في نصّ ما يزال يحتفظ ببقايا الإيقاع. وهذا بحدّ ذاته يؤكد أن مفهومه لا يقوم على الوزن وحده.
وفي قراءته لها تتراجع الذات البطولية لصالح ذاتٍ تقول رغبات صغيرة ومتكررة: تريد ولا تزعم امتلاك العالم؛ تحلم بالطيران والسعادة والقصيدة، لكنها تعرف هشاشة الرغبة. ويحلّ «تواضع الحلم» محلّ المشروع الثوري أو النبوئي الذي حمله جانبٌ من الشعر العربي الحديث. كما تتعدد الذات بين المرأة الاجتماعية والمرأة اليومية والذات الشاعرة، وترى نفسها جمعًا بينما يراها الآخرون مفردًا. وتظهر الطفولة بوصفها ذاتًا مفقودة أو قرينًا زمنيًّا لا يمكن استعادته كاملًا.
وهذه السمات تتجاوب بقوة مع تراجع السرديات الكبرى ومع أزمة الذات الموحّدة. غير أن قراءة عطية جمعة تحافظ في الوقت نفسه على رغبة تأويلية في جمع الشظايا داخل رؤية إنسانية. فهو لا يترك الانقسام بلا أفق، بل يبحث عن معنى الحزن والرغبة والوجود. ومن هنا تبدو قراءته لسعدية مفرح حداثيةً وما بعد حداثية في آن واحد: تعترف بالتشظّي، لكنها تريد أن تسترد منه وحدةً دلالية.
وثمة سؤال لم تطرحه الدراسة، وهو من أخصب ما تحتمله هذه التجربة: هل «تواضع الحلم» سمةٌ ما بعد حداثية أم سمةٌ نوعية تخصّ كتابةً نسائية تعرف سلفًا أن الخطاب النبوئيي ليس متاحًا لها؟ إن تراجع الشاعر النبيّ عند شاعرٍ رجلٍ تنازلٌ عن امتياز؛ وهو عند شاعرةٍ إقرارٌ بواقع. والفرق بين الحالين فرقٌ في البنية لا في الدرجة، ولا يمكن أن يُدرج تحت اسم واحد من غير خسارة تحليلية جسيمة.

عالية شعيب: الحالة المضادة..
تُعدّ قراءة عالية شعيب من أكثر أحكام مصطفى عطية جمعة أهميةً منهجية، لأنها تعمل بوصفها حالةً مضادة. يرى أن الطابع الرومانسي يهيمن على تجربتها: العاطفة المألوفة، وصورة الحبيبة، والرموز الوجدانية، والمناخ الشعوري التقليدي. وعلى الرغم من أن النص مكتوبٌ في صورة نثرية، فإنه يظلّ، في حكمه، بعيدًا عن بناء قصيدة النثر ورؤاها وجمالياتها الكلية.
ويقوّض هذا الحكم كلَّ مساواة بسيطة بين قصيدة النثر والنص غير الموزون. لكنه يكشف أيضًا مشكلةً في أطروحة ما بعد الحداثة: فإذا كان الشكل الواحد يستطيع حمل رؤية رومانسية، فلا يمكن عدّ الشكل نفسه ما بعد حداثيًّا بالضرورة. والأصحّ أن نقول إن قصيدة النثر قابليةٌ أو إمكان، لا هويةٌ فلسفية جاهزة. وقد قدّم عطية جمعة الدليل التطبيقي الأقوى على هذه النتيجة، لكنه لم يستخلص منها كامل أثرها النظري.
وأنا أزيد على ذلك تحفظًا يخصّ الحكم نفسه لا نتيجته المنهجية: فوصف تجربةٍ شعرية نسائية بأنها «رومانسية» ليس وصفًا محايدًا في التقليد النقدي العربي، إذ كثيرًا ما استُعمل هذا النعت لتصنيف الكتابة الوجدانية النسائية في مرتبةٍ أدنى. ولا أزعم أن د. مصطفى قد قصد ذلك؛ فحكمه مسنَدٌ إلى قرائن نصية يعرضها. لكن استعمال المصطلح من غير تحرّزٍ يُبقي الباب مفتوحًا أمام قراءة لم يقصدها، وكان يمكن إغلاقه بجملة واحدة تميّز بين الرومانسية بوصفها نظامًا شعريًّا تاريخيًّا والرومانسية بوصفها حكمًا قيميًّا مبطّنًا.

دخيل الخليفة ونشمي مهنا وإبراهيم الخالدي: المنطقة الهجينة..
يضع ناقدنا الدكتور مصطفى عطية جمعة هؤلاء الشعراء في منطقة تتردد بين الإيقاع واللاإيقاع. فعند دخيل الخليفة يتشظّى الجسد ويغترب عن صاحبه: جسدٌ معلّق، أو محبوس، أو منفصل عن اللحم، ورغبةٌ في جناح لا تملك أدوات الطيران. وتتحول الذات إلى شجرة أو قنديل، ويتعايش الضعف والتحدي، والخير والشر، والحبس والانطلاق. والسريالية الجسدية والبنية المتضادة هما مركز قراءته.
أما نشمي مهنا فيبني لقطات سردية وحلمية تتجاور فيها أعمارٌ وأزمنة وأفعال غير متوقعة. فالطفل والشيخ والغريق والغرفة والباب والليل والقصيدة عناصرُ تدخل في دراما صغيرة مفتوحة. وقد تصبح القصيدة نفسها كائنًا جالسًا على رصيف، فتغدو الكتابة شخصيةً داخل العالم الذي تكتبه. وهنا تظهر خاصية الوعي الذاتي بالنص، وهي أقرب إلى الحساسية ما بعد الحداثية من مجرد النشاط خارج الوزن.
ويحتفظ إبراهيم الخالدي بأثرٍ إيقاعي واضح حتى في النصوص النثرية. ويقرأ عطية جمعة عنده اليومي المديني والعمل المصرفي والأم والطفل المعاق والعلاقة بين الذاكرة والمدينة، كما يلاحظ دخول الموروث الشعري في النص الحديث. غير أن استدعاء التراث لا يصبح دائمًا محاكاةً ساخرة أو إعادة كتابةٍ واعية بالتناقض، كما تفترض بعض نظريات ما بعد الحداثة؛ فقد يكون تناصًّا حداثيًّا أو استمرارًا لذاكرة الشعر.
وهذا الموضع بالذات يستدعي ضبطًا مفهوميًّا دقيقًا. فالتناص، كما صاغته جوليا كريستيفا، ليس علاقةً بين نصّ وآخر يسبقه، بل هو الشرط الذي يقوم عليه كل نص بوصفه فسيفساء من الاستشهادات وتحويلًا لنصوص أخرى؛ ومن ثمّ فحضوره في نصّ ما ليس خبرًا، لأنه لا يغيب عن أيّ نص. وقد استخلص رولان بارت من ذلك نتيجته القصوى حين ردّ النص إلى نسيجٍ من الاقتباسات الصادرة عن بؤر ثقافية لا حصر لها، وجعل وحدة النص في مقصده لا في مَنشئه. والفارق النقدي الحاسم إذن ليس بين نصّ متناصّ وآخر غير متناصّ، بل بين وظائف التناص: أهو استدعاءٌ تعضيديّ يستعير سلطة الموروث؟ أم استدعاءٌ تحويليّ يعيد كتابته؟ أم محاكاةٌ ساخرة تنصّب الموروث وتقوّض براءته في الحركة نفسها، على ما وصفت ليندا هتشيون شعرية ما بعد الحداثة؟ ولا يمكن الحكم على انتماء النص من غير الإجابة عن هذا السؤال. وقد أحسن د. مصطفى عطية حين نبّه إلى أن حضور التراث لا يكفي، لكنه لم يمضِ إلى بناء تصنيفٍ لوظائفه، وهو ما كانت الدراسة أحوج ما تكون إليه.
وأهمية هذه المنطقة الهجينة أنها تقاوم منطق المراحل المغلقة. فليست التفعيلة ماضيًا محضًا، ولا النثر حاضرًا نقيًّا. الإيقاع يظلّ أثرًا داخل النص النثري، والموروث يعود في بنية جديدة، والقصيدة تتحرك بين السرد والصورة والاعتراف. وهذه الهُجْنة أكثر إقناعًا من أيّ خطّ زمني يفصل الحداثة عن ما بعدها بحدّ قاطع.

دلال الجازي وسعد الجوير: الدخول وحدود التمثيل..
تمثّل دلال الجازي صوتًا أصغر سنًّا بدأ مباشرةً بقصيدة النثر، من غير المرور الواضح بالمراحل الوزنية التي مرّ بها الجيل السابق. ويثمّن الباحث د. مصطفى عطية قدرتها على ضغط المفارقة وتجسيد الصمت والحزن وتحويل الذات إلى مادة: شقٍّ في جدار أو صورة أو أثر. كما يقرأ في نصوصها توتر الحياة والموت، وتعدد زوايا النظر إلى التمثال والذاكرة والجسد. وتتيح هذه التجربة للناقد أن يميّز بين جيلٍ «انتقل» إلى قصيدة النثر وجيلٍ وجدها أمامه شكلًا قائمًا ومتداولًا.
أما سعد الجوير فيَرِد ضمن الأصوات المعروفة بقصيدة النثر وفي رسم المشهد العام، لكن نصيبه من التحليل التفصيلي أقلّ من نصيب دبشة ومفرح والخليفة، ومهنا، والخالدي، والجازي. ولذلك يظلّ الحكم عليه تصنيفيًّا أكثر منه برهنةً نصية مكتملة. وهذه ملاحظة تمسّ تمثيل المدوّنة كلها: فالدراسة تعلن قراءة جيل كويتي متقارب، لكنها لا تمنح الأسماء مساحات تحليلية متوازنة، ولا تقدّم معيارًا واضحًا لاختيار النصوص.
على أن هذا الاعتراض، كما بيّنّا في مستهلّ هذا المبحث، يجب أن يُوزَن بميزان الجنس أو النوع الكتابي. فالبحث المحكَّم يختار عيّنةً ولا يستقصي مجتمعًا. والاعتراض الأدقّ ليس «لماذا لم يستقصِ؟» بل «لماذا لم يصرّح بمعيار الاختيار؟». إذ إن اختيار العيّنة، في بحثٍ يدّعي وصف جيل، جزءٌ من الحجة لا مقدمة لها؛ وإخفاؤه يجعل النتائج غير قابلة لإعادة الاختبار من ناقد آخر. وهذا مأخذٌ منهجي خالص، ولا يزول بالاعتذار الذي ساقه الناقد في خاتمته عن كون الملامح لا تكمل اللوحة.

ثامنًا: ما بعد الحداثة بين القرابة والمطابقة/ 
يمكن الآن اختبار ربط مصطفى عطية قصيدةَ النثر بما بعد الحداثة عبر فصل الدعاوى الثلاث التي أعلنّاها في التمهيد، وهي دعاوى لا ينبغي دمجها كما لا ينبغي إهمالها: 
دعوى النشأة التاريخية. وفيها لا يمكن عدّ قصيدة النثر نتاجًا لما بعد الحداثة؛ فالنوع أقدم منها، غربيًّا وعربيًّا. فقصائد بودلير النثرية التي جُمعت بعد وفاته سنة 1869، والمحاولات الفرنسية اللاحقة عند رامبو ولوتريامون، ثم أطروحة سوزان برنار سنة 1958، ثم الشعر المنثور العربي وتجارب مجلة شعر، كلها تجعل النسب التاريخي مستقلًّا عن ظهور النظرية ما بعد الحداثية. وهذا لا يمنع إعادة توظيف الشكل لاحقًا، لكنه يمنع تعريف أصله بتلك الفلسفة. والقاعدة المنطقية هنا بسيطة: لا يجوز أن يُعرَّف السابقُ باللاحق.
دعوى القرابة البنائية. وهنا تكون أطروحة عطية جمعة أقوى. فقصيدة النثر، بسبب تحررها من نظام وزني ثابت وانفتاحها على السرد واللقطة والمشهد البصري والمفردة اليومية، تملك مرونةً عالية في تمثيل التشظّي وتعدد الأصوات وانكسار المركز. ويمكن مقارنة السمات التي يستخرجها عطية جمعة بما أدرجه إيهاب حسن في جدوله الشهير للسمات ما بعد الحداثية: اللاتعيّن، والتشظّي، ونزع المرجعية، وتلاشي الذات، والمفارقة، والتهجين، والكرنفالية، والأدائية، والمحايثة. غير أن هذه قرابةٌ احتمالية، لا ضرورة منطقية؛ فالقصيدة الموزونة قد تكون متشظّية، وقصيدة النثر قد تكون رومانسيةً مكتملة الذات.
دعوى الانتماء الفلسفي. ولا يصبح النص ما بعد حداثيًّا لمجرد احتوائه على مفارقة أو صورة سوريالية. بل ينبغي أن تكون هذه الأدوات جزءًا من مساءلة أعمق لأنظمة الحقيقة، والتمثيل، والهوية، والتاريخ. فحين لا تستطيع الذات عند سعدية مفرح امتلاك تفسير نهائي للعالم، أو حين تنقسم إلى ذوات متجاورة، نقترب من هذا الأفق. وحين يصبح النص واعيًا بكتابته، أو يعيد استخدام الموروث على نحوٍ يكشف استحالة العودة البريئة إليه، تزداد القرابة. أما تشخيص الجماد أو كتابة اليومي وحدهما فليسا برهانًا كافيًا.
ومن هنا يمكن تحديد مواضع القوة في مقاربة د. مصطفى عطية جمعة. إنه يرفض اليقين النهائي، ويرصد تراجع الشاعر الرائي والمعلّم، ويقرأ الذات منقسمة، ويكشف انقلاب العلاقة بين الإنسان والشيء، ويتابع عبور القصيدة إلى السرد والفن البصري واليومي. ولا يعتمد في حكمه على الشكل الطباعي وحده، كما تثبت حالة عالية شعيب. كما أن تصوّره للعلاقة بين القديم والجديد بوصفها تثاقفًا لا إبادةً يجنّبه كثيرًا من تعصّب البيانات الطليعية.
لكن مفهومه لما بعد الحداثة يتّسع أحيانًا حتى يفقد حدوده. فهو يجمع النسبية العلمية، والشك، والتفكيك، والجسد، والأقليات، والعولمة، ووحدة الإنسانية، والقيم الكونية المشتركة، والجمال، في حزمة واحدة. وليست هذه العناصر متعارضةً دائمًا، لكنها لا تنتمي إلى نسق واحد تلقائيًّا. فالارتياب في السرديات الكبرى عند ليوتارد يصعب، من غير شرح، التوفيق بينه وبين الدعوة إلى وحدة إنسانية كلية. وقد تكون القيم المشتركة موقفًا أخلاقيًّا جديرًا بالدفاع، لكنها أقرب إلى إنسانية حداثية أو كونية معيارية منها إلى النزعة المضادة للأسس التي ترتبط بجانب من خطاب ما بعد الحداثة.
ويلزم هنا تمييزٌ آخر أهمله الناقد، هو التمييز بين "العولمة" وبين "ما بعد الحداثة". فالأولى عمليةٌ اقتصادية وتقنية واتصالية قابلة للقياس، والثانية موقفٌ معرفي وجمالي. وقد يتزامنان، وقد يتصادمان: فمِنْ ما بعد الحداثيين مَنْ عَدَّ العولمةَ هي الوجهَ الأخير للسردية الكبرى الغربية لا نقيضَها. وحين يُدرج عطية جمعة الفضائيات والأمركة والاستهلاك تحت العنوان نفسه الذي يُدرج تحته الارتياب بالسرديات الكبرى، فإنه يخلط بين الظرف التاريخي والموقف النظري؛ وهو خلطٌ يجعل «ما بعد الحداثة» اسمًا للعصر لا اسمًا لمنهج، وبذلك يفقد المصطلح قدرته على التمييز بين نصّ ونصّ داخل العصر الواحد.
ويظهر التوتر نفسه في خاتمة دراسة د. مصطفى عطية، حين يجعل التمرد يفضي إلى بناء، والبناء إلى جمال، والجمال إلى رؤية وهمٍّ كوني وقيم إنسانية مشتركة. وهذه حركةٌ غائية تصعد من الهدم إلى اكتمال جمالي وأخلاقي؛ بينما تقوم طائفةٌ من تصورات ما بعد الحداثة على الشك في الغايات وفي إمكان هذا الاكتمال. وبعبارة أخرى، يتحدث الناقد عن ما بعد الحداثة بمعجم التفكيك والتشظّي، لكنه ينقذها في النهاية داخل أفق إنساني تصالحي.
وهنا يُجدي منظور ليندا هتشيون أكثر من ثنائية الهدم والبناء. فما بعد الحداثة، في تصورها، ظاهرةٌ تناقضية تستخدم المفاهيم التي تضعها موضع السؤال؛ تنصّب البنية ثم تقوّض براءتها، وتعود إلى التاريخ لكنها ترفض أن تعامله بوصفه حضورًا شفافًا. ولو اعتمدنا هذا المنظور لأصبح السؤال في نصوص الشعراء: كيف تستخدم القصيدة اللغة والموروث والذات وهي تكشف عدم استقرارها؟ لا أن يكون السؤال: هل هدمت الوزن وبنت شكلًا جميلًا فحسب؟
ويفتح فريدريك جيمسون بعدًا آخر لا تستثمره تطبيقات الدكتور مصطفى عطية بما يكفي. فالناقد يقدّم وصفًا مهمًّا للأمركة والفضائيات والعولمة والتحول المديني في الكويت، لكنه لا يصل دائمًا بين هذا الوصف وبين التفاصيل الشكلية للنصوص. فأين تظهر السلعة والإعلان والصورة الإعلامية والسطح والاستهلاك وتسليع الجسد؟ وكيف تؤثر المدينة النفطية والوظيفة المصرفية ووثائق الهوية في بنية الذات الشعرية؟ إن بعض شواهده، ولا سيما الإنسان الذي يصير رقمًا أو جوازَ سفرٍ أو وظيفة، تتيح هذا التحليل، لكنه يكتفي غالبًا بتسمية «التشيّؤ» أو «المفارقة» من غير وصلها بمنطق اقتصادي وثقافي محدد. ولو أنه استثمر مقولات جيمسون في الباستيش و تلاشي العمق و ضعف التاريخية ، لوجد في العمل المصرفي عند إبراهيم الخالدي، وفي الإنسان الرقم عند صلاح دبشة، موادَّ تحليلية أغنى مما استخرجه.
ولذلك يمكن القول إن تطبيقاته أقرب، في كثير من المواضع، إلى نقد موضوعاتي وتأويلي ذي نزعة إنسانية منها إلى نقد ما بعد حداثي بالمعنى الصارم. إنه يحلّل الصورة والمفارقة والذات والحزن والاغتراب والرغبة، ويبحث عن جماليات كلية ورؤية، لكنه لا يلاحق دائمًا آليات الخطاب والسلطة والمؤسسة والتاريخ التي تنتج هذه الذات. وهذا لا ينتقص من قيمة التحليل؛ إنما يحدّد طبيعته الفعلية، التي قد تختلف عن عنوانه النظري. وقد يكون في هذا الفارق بين العنوان والممارسة أصدقُ شهادةٍ على ما تفعله النظرية حين تترحل: تُعتمد تسميةً، وتُمارَس شيئًا آخر.

تاسعًا: الخريطة الغائبة/ 
من أبرز ما يلفت النظر في دراسة د. مصطفى عطية أنها تقرأ قصيدة النثر في الكويت في عزلةٍ نقدية شبه تامة. فلا يظهر فيها ناقدٌ عربي أو كويتي واحد يوافقه أو ينازعه في قراءة هؤلاء الشعراء، ولا مقابلةَ بين تأريخه المحلي وتأريخ سواه، ولا مساءلةَ لموقعه في سجالٍ ممتدّ منذ أكثر من ستين سنة. وهذه العزلة هي، في تقديري، ما يجعل النص أقربَ إلى «قراءةٍ» منه إلى «حجّةٍ في حقل».
ولا يعني هذا مطالبةَ بحثٍ محكَّم بأن يستوعب مكتبةً كاملة. وإنما يعني أن ثلاث ملفات على الأقل كان ينبغي فتحها، ولو في فقرة واحدة لكلٍّ منها: 
الملف الأول: سجال شرعية النوع. فقصيدة النثر العربية لم تولد في هدوء، ولا انتُزع اعترافها من دون معركة. وقد صيغ الدفاع التأسيسي عنها في مقالة أدونيس «في قصيدة النثر» بمجلة شعر سنة 1960، وفي مقدمة أنسي الحاج لديوان "لن" في العام نفسه. وقابلَ ذلك رفضٌ منظّم من نقاد وشعراء رأوا في المصطلح تناقضًا في التسمية قبل أن يكون تناقضًا في الممارسة، فاقترحوا بدائل مثل «الشعر المنثور» و«النثيرة»، أو ردّوا المشروع كله إلى مشروطياته الأيديولوجية. ولا يمكن لدراسةٍ تقرّر «شرعية» قصيدة النثر أن تفعل ذلك من غير أن تحدّد موقعها من هذا السجال، لأن الشرعية التي تدافع عنها هي بالضبط ما كان موضع النزاع.
الملف الثاني: التنظير العربي للشعرية. فالمقولات التي يستعملها عطية جمعة، مثل الكثافة، والوحدة، والإيقاع الداخلي، لها تاريخٌ عربي في أعمال نقدية سابقة عليه، عند كمال أبو ديب مثلا في كتابه المعنون "في الشعرية"، وعند محمد بنيس في الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها، وسواهما ممن حاولوا بناء جهاز مفاهيمي عربي لا يكتفي بترجمة سوزان برنار. والاكتفاء ببرنار وحدها مرجعًا نظريًّا، بعد نصف قرن من الاشتغال العربي على المسألة، يجعل الدراسة تبدو كأنها تبدأ من الصفر في حقلٍ لم يعد خاليًا.
الملف الثالث: التأريخ الأدبي الكويتي. فللكويت تقليدٌ راسخ في التأريخ لأدبها وثقافتها، ولها باحثون اشتغلوا على مسار الشعر والقصة والحركة الثقافية فيها، من أمثال خليفة الوقيان وسليمان الشطي ومحمد حسن عبد الله. ولا أزعم هنا أن هؤلاء قالوا في قصيدة النثر رأيًا بعينه، فذلك ما يقتضي فحصًا مستقلًّا لا يتّسع له هذا المبحث، وإنما أثبت أن مقابلة تأريخ عطية جمعة بتأريخهم كانت ستفعل شيئًا لا يفعله شيء آخر: أنها كانت ستكشف إن كان «التأخر النسبي» لقصيدة النثر الكويتية معطًى موضوعيًّا أم أثرًا من آثار زاوية النظر.
وأثر هذه الملفات الثلاثة في الحكم النهائي ليس شكليًّا. فبغيابها تصير أطروحةُ الدراسة قابلةً للاعتراض عليها من حيث لا تحتسب: إذ يستطيع قاريء مدقق أن يقول إن كل ما رصده عطية جمعة من سمات (تفتّت الذات، وتواضع الحلم، واليومي، والمفارقة) قد رُصد قبله في الشعر العربي الحديث من غير حاجة إلى ما بعد الحداثة ، وأن ما يقدّمه على أنه اكتشافٌ في المدوّنة الكويتية إنما هو، في جانب منه، إعادةُ اكتشافٍ لما استقرّ في النقد العربي منذ السبعينيات. ولا سبيل إلى ردّ هذا الاعتراض إلا بالاشتباك معه؛ والاشتباك يقتضي حضور الخصم في النص.

عاشرًا: نحو مفهوم الاستيعاب بدلًا من هوية الشكل/ 
تكشف دراسة عطية جمعة، ربما أكثر مما تقصد، أن قصيدة النثر ليست جوهرًا ثابتًا. إنها موقعٌ تتقاطع فيه تواريخ وأشكال وحساسيات. تحمل أثر الوزن الذي غادرته، وتستعير من السرد والمشهد والفن البصري، وتستعيد التراث أو تقاطعه، وقد تتكلم بصوت رومانسي، أو حداثي، أو سوريالي، أو ما بعد حداثي. ومن ثمّ لا يصحّ أن ننسب إليها فلسفةً واحدة كما ننسب إلى الجسم خاصيةً مادية لازمة.
ويمكن في هذا السياق اقتراح مفهوم «الاستيعاب» لحلّ الإشكالية. ولا يعني الاستيعاب أن الشكل وعاءٌ محايد تُصبّ فيه أفكار جاهزة، بل أن بنيته المرنة تجعل بعض الاستراتيجيات أيسرَ وأشدَّ كثافة مثل: كسر التسلسل، وتعدد الأصوات، ومزج الأنواع، وتفتيت المشهد، واستقبال لغة الحياة اليومية. غير أن تحقّق هذه الإمكانات مشروطٌ بالممارسة النصية والسياق التاريخي. فالشكل يتيح ولا يوجب؛ ويقترح ولا يقرّر.
وينبغي التصريح هنا بالفارق المنطقي الذي يقوم عليه هذا المفهوم، لئلا يُظنّ أن لفظًا ألطف قد يؤدّي المعنى نفسه. فالمطابقة علاقةٌ تصنيفية: تجعل من قصيدة النثر فردًا من نوعٍ اسمه «الأدب ما بعد الحداثي»، فيلزم من انتماء النص إلى الشكل انتماؤه إلى الفلسفة. أما الاستيعاب فعلاقةٌ احتمالية موجَّهة: تجعل الشكل رافعًا لاحتمال ظهور حساسية بعينها من غير أن يستلزمها. وبين اللزوم والاحتمال المرجَّح فرقٌ هو الفرق بين حكمٍ يُنقض بمثال واحد مضادّ (وقد قدّم عطية جمعة ذلك المثال بنفسه في عالية شعيب) وببن حكمٍ لا تنقضه الأمثلة المضادة، بل تحدّد مداه.
وبهذا التعديل يمكن الاحتفاظ بأفضل ما في أطروحة مصطفى عطية جمعة من غير الوقوع في المطابقة. فقصيدة النثر الكويتية التي نضجت في التسعينيات وما بعدها استوعبت بالفعل آثار العولمة وصدمة الغزو وتراجع اليقين القومي وصعود الفرد واليومي وتعدد الهويات. وبعض نصوصها يلتقي بقوة مع حساسيات ما بعد الحداثة. لكن هذه الحساسية ليست شهادة منشأ للنوع ولا قدرًا لكل نصّ ينتمي إليه.
ويتيح مفهوم الاستيعاب أيضًا فهمًا أدقّ للتدرّج بين الشعراء. فمحمد الفايز وعلي السبتي أسهما في تحديث الرؤية داخل الوزن. وسعدية مفرح ودخيل الخليفة وشمس مهنا وإبراهيم الخالدي حملوا آثار الإيقاع إلى المنطقة الهجينة. وصلاح دبشة بلور شعرية الأشياء والمشهد الصغير. ودلال الجازي دخلت فضاءً صار قائمًا قبلها. وعالية شعيب أظهرت أن الشكل النثري يمكن أن يستوعب حساسية رومانسية بدلًا من الحساسية ما بعد الحداثية. ولا تحتاج هذه الخريطة إلى حدود قاطعة؛ فقوتها في أنها تكشف تعدد الأزمنة داخل اللحظة الأدبية الواحدة.
كما يتيح هذا المفهوم، أعني "الاستيعاب"، إعادة التفكير في «التماسك» الذي يطلبه مصطفى عطية من القصيدة. فليست الوحدة العضوية بالضرورة إغلاقًا للمعنى، وليست الكثافة بالضرورة اختزالًا إلى رسالة واحدة. ويمكن للنص أن يكون متماسكًا في علاقاته ومفتوحًا في دلالاته؛ وأن ينتج انتظامًا مؤقتًا من غير مركز نهائي. وهنا تلتقي جماليات التلقي والتفكيك في نقطةٍ واحدة: فالقارئ لا يستخرج معنًى مودَعًا سلفًا، بل يحقّق إمكانات النص داخل أفق تاريخي، فيما تمنع اختلافات اللغة هذا التحقّق من أن يصبح نهائيًّا.
وبهذه الصياغة يصبح نقد عطية جمعة قابلًا للتطوير من داخله. فعبارته عن «ظلال» الدلالة و«أصداء» المسكوت عنه تقبل قراءةً أكثر راديكالية مما يطبّقه أحيانًا؛ واعترافه بتعايش الأشكال يسمح بالتخلي عن التطور الخطي؛ وتمييزه بين عالية شعيب والنماذج الأكثر تحقّقًا يسمح بالفصل بين النوع والرؤية؛ ورفضه إسقاطَ ما بعد الحداثة على علي السبتي يقدّم مبدأً تاريخيًّا ينبغي تعميمه على سائر المدوّنة.

ختاماً /
وفي نهاية رحلتنا هذه يمكن أن نخلص إلى نتيجة مؤداها أن موقف الدكتور مصطفى عطية جمعة من قصيدة النثر الكويتية موقفٌ دفاعي نقدي مشروط. فهو يعترف باستقلالها وشرعيتها وبوجود جمهور وتراكم إبداعي لها، لكنه لا يعدّ كل نص متحرر من الوزن قصيدةً ناجحة. ويطالبها، عمليًّا، بالكثافة والوحدة والإيقاع الداخلي والمفارقة وتحويل الرؤية، ويفرّق بينها وبين الخاطرة والبوح غير المصهور. وفي الوقت نفسه يحافظ على شرعية العمود والتفعيلة، ويرفض أن يتحول الجديد إلى ذريعة لمحو القديم.
وتكشف أحكامه على الشعراء حساسيةً نقدية حقيقية. فهو لا يجامل علي السبتي في مواطن الإسهاب والتكرار، ولا يخفي تفاوت تجربة محمد الفايز، ولا يسوّي بين نثرية عالية شعيب وقصيدة النثر المتحققة، كما يحدّد الخصائص المميزة لصلاح دبشة وسعدية مفرح ودخيل الخليفة ونشمي مهنا وإبراهيم الخالدي ودلال الجازي. غير أن تفاوت المساحات وغياب معيارٍ معلن لاختيار النصوص يجعلان المدوّنة تمثيليةً لا استقصائية؛ وهو مأخذٌ ينبغي أن يُوزن بميزان البحث المحكَّم لا بميزان المونوغرافيا.
أما ربط قصيدة النثر بما بعد الحداثة، فحكمه المركّب هو الآتي: إنه متماسك حين يثبت قرابةً بنائية ورؤيوية بين بعض النصوص وبين التشظّي واللايقين وتعدد الذات وتراجع السرديات الكبرى واليومي والتهجين. لكنه يفقد قدرًا من التماسك حين تتحول القرابة إلى هوية، أو حين تُدرج تحت ما بعد الحداثة خصائصُ رومانسية وحداثية وسريالية، أو حين تتساوى مفاهيم التفكيك والهدم والعولمة والكونية الإنسانية من غير تمييز.
وبهذا المعنى تظلّ دراسة د. مصطفى عطية جمعة عملًا مهمًّا في نقد الشعر الكويتي: قوتها الكبرى في التأريخ التطبيقي، وفي رسم شبكة من السمات القابلة للاختبار، وفي التمييز القيمي بين التجارب؛ أما إطارها ما بعد الحداثي فليس نتيجةً نهائية، بل فرضيةٌ خصبة تحتاج إلى مزيد من الضبط. ولعلّ أفضل وفاءٍ لهذا المشروع النقدي ألّا نكرّر مقولاته، بل أن نواصل التحاور معها بالطريقة التي صاغ بها عطية جمعة نفسه أخلاق النقد: لا الناقدُ حكمٌ، ولا المبدعُ ممتحنٌ؛ إنما النصوص والمفاهيم فضاءٌ للمقاربة والاختلاف المنتج.


# هوامش، مراجع، مصادر، إحالات:/ 
أدونيس. «في قصيدة النثر». مجلة شعر، السنة الرابعة، العدد 14، نيسان (أبريل) 1960.
أبو ديب، كمال. في الشعرية. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1987.
برنار، سوزان. قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا. ترجمة زهير مجيد مغامس، مراجعة علي جواد الطاهر. بغداد: دار المأمون للترجمة والنشر، 1993.
بنيس، محمد. الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها. في أربعة أجزاء. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ما بين العامين 1989/1991. 
الحاج، أنسي. لن. بيروت: منشورات مجلة شعر، 1960.
عطية جمعة، مصطفى. الظلال والأصداء: مقاربات نقدية في الشعر والقصّ. القاهرة: مؤسسة شمس للنشر والإعلام، 2014.
عطية جمعة، مصطفى. أصداء ما بعد الحداثة: بحوث في الشعرية والفن والتاريخ. القاهرة: مؤسسة شمس للنشر والإعلام، 2019.
عطية جمعة، مصطفى. ما بعد الحداثة في الرواية العربية الجديدة: الذات، الوطن، الهوية. عمّان: مؤسسة الورّاق للنشر والتوزيع، 2010.
عطية جمعة، مصطفى. شعرية الفضاء الإلكتروني: قراءة في منظور ما بعد الحداثة. القاهرة: مؤسسة شمس للنشر والإعلام، 2016.
مهدي، سامي. أفق الحداثة وحداثة النمط. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1988.

Barthes, Roland. “The Death of the Author.” In Image–Music–Text, translated by Stephen Heath, New York, 1977.
Bernard, Suzanne. Le Poème en prose de Baudelaire jusqu’à nos jours. Paris: Nizet, 1959.
Bourriaud, Nicolas. Relational Aesthetics. Translated by Simon Pleasance and Fronza Woods. Dijon: Les Presses du réel, 2002.
Derrida, Jacques. Of Grammatology. Translated by Gayatri Chakravorty Spivak. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1976.
Hassan, Ihab. Postmodern Turn: Essays in Postmodern Theory and Culture, Ohio State University Press, 1987.
Hutcheon, Linda. Poetics of Postmodernism: History, Theory, Fiction. New York,1988.
Jameson, Fredric. Postmodernism,´-or-The Cultural Logic of Late Capitalism. Duke University Press,1991.
Jauss, Hans Robert. Toward an Aesthetic of Reception. Translated by Timothy Bahti, University of Minnesota,1982.
Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. Translated by Thomas Gora, Alice Jardine, and Leon S. Roudiez. Columbia University Press, 1980.
Lyotard, Jean-François.The Postmodern Condition: A Report on Knowledge. Translated by Geoff Bennington and Brian Massumi. University of Minnesota Press, 1984.
Said, Edward W. The World, the Text, and the Critic. Harvard University Press,1983.
Said, Edward W. Reflections on Exile and Other Essays. Harvard University Press, 2000.
Wittgenstein, Ludwig. Philosophical Investigations. Translated by G. E. M. Anscombe, P. M. S. Hacker and Joachim Schulte. 4th ed. Oxford, 2009. 



#حكمت_الحاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الرواية الشعرية العربية: مهاد نظري وتطبيق
- قصيدتان عن رام الله
- زينب
- النهر جرى ليجري
- الفعل
- أصياف
- يا روحي
- لا تنس غابرييل
- Vierge Moderne أو العذراء العصرية
- قلبي من حديد
- من اللوغوس الأرسطي إلى الحيوان الداريدي: حيرة في الفلسفة وال ...
- عن مسرحية الخياطات
- مسرحنا العربي من الكتابة إلى الخشبة: ثلاث مقاربات واقتراح
- أفضل عشرين رواية في القرن العشرين
- مسرحيتان من دراما اللامعقول بالعامية التونسية
- حياة
- عند قبر نيتشه
- الخضر
- لقد رأيتك
- ملحوظة بخصوص حقل الشوفان وحارسه


المزيد.....




- تحليل: رفع الفائدة بعد ضغط سوق السندات.. هل ارتكب الاحتياطي ...
- مصر: حصر المشروعات العقارية المُتعثرة وسط تحرك لتنظيم السوق ...
- مفاجأة عن حياة أبرز المحذرين من الذكاء الاصطناعي.. يرتبط بنج ...
- أنفاق وعبوات ومسيّرات.. إسرائيل تكشف كواليس معركة -بالغة الت ...
- -مخطط إيراني- لاغتيال عالم نووي إسرائيلي.. محكمة في القدس تد ...
- غوتيريش: ينبغي مساءلة الدول التي تؤجج الصراع في السودان
- بيان دولي من الرياض لتعزيز التعاون في أخلاقيات الذكاء الاصطن ...
- تاكر كارلسون: روسيا مكاني المفضل وأود العودة إليها
- بعد تقييده بشريط لاصق على متن الطائرة.. الراكب يفاجئ المحكمة ...
- فرض ضريبة على دفن الموتى بمصر.. بيان يحسم الجدل


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حكمت الحاج - ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري