أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - عند قبر نيتشه














المزيد.....

عند قبر نيتشه


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 16:14
المحور: الادب والفن
    


عند قبر نيتشه..
للشاعرة السويدية: إديث سودرغران
الترجمة والتحشية والتعليق: حكمت الحاج*

لقد مات الصيّاد العظيم
وأُسدلوا على قبره ستائرَ دافئة من الزهور
وأنا أقبّلُ الحجر البارد أناديه:
ها أنا ذا طفلتك الأولى،
بدموع الفرح
أجلس على قبرك ساخرةً
كأنني أتهكّمٌ عليك
بأجمل مما حلمت به
أيها الأب العجيب!
إن أبناءك لا يخونونك،
بل يأتون إليك عبر الأرض بخطوات الآلهة،
وهم يفركون أعينهم قائلين أين نحن يا ترى؟
نعم، صحيح.. هذا هو هنا مكاني،
هنا عند قبر أبي المتداعي...
أيتها الآلهة،
فلتحرسنَ هذا المكان إلى الأبد.
(سبتمبر 1918)

* تحشية وتعليق:/
قدمنا في منشور سابق ترجمتنا لقصيدة الشاعرة السويدية إديث سودرغران (1892-1923) عن "هاملت" شكسبير، واليوم، نقدم للشاعرة نفسها قصيدتها الشهيرة عن الفيلسوف الألماني "نيتشه".
تسمية نيتشه بـ «الصياد العظيم» هي تسمية شديدة الدلالة عند إديث سودرغران. فهو في نظرها صياد آلهة قديمة وأخلاق ميتافيزيقية. وهو الذي طارد الزيف، وفتح الطريق أمام الإنسان الجديد.
سودرغران تصف نفسها بأنها «طفلة نيتشه الأولى». هي رأت نفسها ابنة لنبوءة نيتشه بخصوص الإنسان الجديد القادم، ابنة التمرّد على الأخلاق السائدة، ابنة القوة والفرح والتجاوز.
إنها ابنته نعم، لكنها أيضاً تتجاوزه. وهنا تدخل القصيدة في علاقة مركّبة بين الوفاء والخيانة والبنوة والأبوة. هي لا تخون نيتشه، لكنها تتجاوز خطابه عن «الإنسان الأعلى» أو «السوبرمان». والأهم: إنها تفعل ذلك بوصفها "امرأة". وهذا ما يُحَمّل القصيدة بُعداً "نسوياً" خفياً: فمعلوم إن نيتشه كثيرًا ما ارتبط في تاريخه التأويلي بنظرات ملتبسة إلى المرأة، وبعض عباراته عن النساء مثيرة للجدل. إديث سودرغران تقف عند قبره وتقول له ما معناه: إن ابنتك الحقيقية امرأة وشاعرة، وهي أقوى وأجمل مما توقعت أيها الأب العجيب! إن أبناءك لا يخونونك. إنهم يأتون إليك عبر الأرض بخطوات الآلهة: فالإنسان الجديد عند نيتشه لا يمشي بخطوات عادية، بل بخطوات إلهية. ليس لأنه إله بالمعنى الديني، بل لأنه استعاد قدرة الخلق بعد موت الآلهة القديمة. هنا نرى ملامح "نيتشوية" صافية، كما يقول الناقد السويدي بيتر غلاس الذي قدم لأعمالها الشعرية. فبعد موت الإله، لا بد من خلق قيم جديدة. لكن سودرغران تضيف لمسة وجودية دقيقة: «وهم يفركون عيونهم: أين نحن يا ترى؟»، أي أن أبناء نيتشه لا يأتون واثقين فقط، بل يأتون مستيقظين من حلم، مرتبكين، كأنهم لا يعرفون العالم الذي وصلوا إليه.
نستطيع أن نؤشر هنا لحظة وعي حداثي: الإنسان الجديد ليس بطلًا فولاذيًا بلا شكوك، بل كائنٌ يستيقظ على عالم جديد ولا يعرف فوراً أين هو واقف. أما "إديث" فإنها تعثر على مكانها عند القبر: «قبر أبي المتداعي»، انه مكان خراب الذاكرة، ومع ذلك فهذا الخراب هو مكان الانتماء.
وخاتمة القصيدة العظيمة هذه مفارقة نيتشوية رائعة: «أيتها الآلهة، احرسنَ هذا المكان إلى الأبد». إديث سودرغران تعرف أن نيتشه قد أعلن موت الإله، لكنها تنادي الآلهة لكي تأتي وتحرس قبره. هذا ليس نكوصا إلى الدين، بل استعمالٌ شعري للأسطورة، فكأنها تقول: حتى الذي حطّم الآلهة يحتاج بعد موته إلى حراسة إلهية.
(ح.ح)



#حكمت_الحاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخضر
- لقد رأيتك
- ملحوظة بخصوص حقل الشوفان وحارسه
- مسرح شعري لترميم الذاكرة في حانة المنفى البعيد..
- المعجزة تتنقل تحت الأرض
- بين سهر فينيغان- ويقظته: من الذي ينام؟
- تتكسر أوراق الخريف تحت أقدامك
- لعل رغيفي أن يحترق
- حين كان المنطق يفكر في خطاياه
- سونيا أوكيسون شاعرةُ اليَوميِّ المُتَعالي
- عدد مجلة الأقلام ومقال عن صورة العراق في الرواية الإنكليزية ...
- حول أيام الفاطمي المقتول
- عن جيل التسعينات الشعري في العراق
- مراجعة نقدية لكتاب «في عوالم الخيال الأدبي: مقاربات حول تجرب ...
- القصيدة بوصفها حادثة لغوية
- نيسان أقسى الشهور
- من المتوالية الشعرية إلى الرواية الشعرية رحلة في الصحون الطا ...
- حمزة الزغير والصحون الطائرة- رواية شعرية
- كيف قرأت نفسي بين عذب وأُجاج
- حينما يأتي الشعر من مستعمرة العقاب


المزيد.....




- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...
- إرث التراث والحداثة.. ما تركه الأمير الوالد للثقافة العربية ...
- وزير السياحة يعلن دخول مصر قائمة الكبار عالميا
- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...
- جدل واسع حول تصريحات الممثلة جوري بكر بشأن زواج ذوي الهمم
- مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا ...
- تريتياكوف يجمع أشهر روائع بوريسوف-موساتوف في معرض استثنائي ( ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - عند قبر نيتشه