أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حكمت الحاج - عن جيل التسعينات الشعري في العراق














المزيد.....

عن جيل التسعينات الشعري في العراق


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 10:01
المحور: قضايا ثقافية
    


ذكرى مرور أربعين عاما على نشره:/
مقالي عن جيل التسعينات الشعري في العراق، وكان الثالث في سلسلة مقالات تناولت ملامح القصيدة العراقية الجديدة ما بعد الحربين العراقيتين (الإيرانية والأميركية) وظهور جيل شعري جديد قطع مع الموت، وخاض الحياة بمرارة.
نُشرَ هذا المقال في "ثقافية" جريدة "العراق" اليومية الصادرة ببغداد عام 1996، وهذه تحية احترام لمحررها الثقافي آنذاك الأستاذ أحمد شبيب (أبو صارم) الذي واظب على نشر مقالاتي واحتضانها رغم قتامة أجواء تلك المرحلة، فَلَهُ الذكرُ الطيب أينما كان.

* الجيل الباسل في الشعر العراقي الحديث..
بقلم: حكمت الحاج *

يستطيع الناقد المواكب لأنشطة شعراء التسعينات في العراق أن يواجه باعترافين مهمين يصدران عن معظمهم، تصريحا وتلميحا، الأول: هو أنّ هذا الجيل ومنذ البداية قد فقد إيمانه بالشكل. والثاني: أنّه قد بدأ يكتشف أنّ معركته التي خاضها مع فلول وبقايا أجيال سابقة منذ أوّل قصيدة نشرها واحد منهم هي معركة غير متكافئة، هذا إن لم تكن خاسرة.
ومشكلة هذا الجيل مع اللغة تستحقّ وقفة تأمّل. فوسط الحماسات متعدّدة الأشكال لجيل الثمانينات، التي تخلفت اللغة تحت وطأتها في أعمال كثيرة، حتى باتت زخرفا لا أكثر في معظم الأحيان، يبدو اهتمام الشاعر التسعيني باللغة أمرا صحيحا، وسط مرض شامل ابتلي به الأدب العراقي عموما، وإنّ ذلك عندهم، عند شباب التسعينات، مصدر قوّة وضعف في الوقت نفسه. فهو مصدر قوّة من حيث أنّ تحرّرهم من ربقة القيود والضوابط والأعراف التي تميّز قصيدة الجيل الأقدم يزود المخيلة (وأداتها الكلمات) بقدر من الحرّية مفروض أنّه لا يُحد إلاّ بحدود القوانين الذاتية الداخلية. والشعراء التسعينيون يمارسون تلك الحرّية بالفعل ولكنّهم ما يلبثون أن يتغيّروا عند نقطة ما، ولسبب ما (قد يكون ناجما عن تأثيرات السوريالية، وإن كنت غير متأكّد من أنّ أحدهم قد قرأ تراث السوريالية جيّدا) ولا يعودون من ذلك إلاّ بما يفسد اكتشافاتهم التي تكون قد أوشكت أن تقودهم إليها تلك الحرّية الكاملة. وهكذا تماما يتذبذب العمل الشعري للشعراء الأجد ولا يستقرّ أبدا، وتلك هي ملامح الضعف.
وليس من المشقّة في شيء أن يلاحظ الناقد كذلك أنّ القصيدة الجديدة عند شعراء التسعينات تفسد دائما بالسرد الذي يعمي الشاعر عنه نتيجة لتأرجحه بين الإستسلام النشوان لانبثاقه اللاوعي و الإنطلاق الحرّ الذي لا يعوقه عائق المخيلة، وبين الجهد الواعي المتصبّب عرقا إن صحّ التشبيه بإصرار مستميت إلى تحويل وتغيير مسار الإنكشاف بالغ الجدّة الذي آلت إليه مخيلة الشاعر.
فمن إطلالات سوريالية على باب جحيم أرضي إلى أغنيات وجدانية مستأنسة. وبكلام آخر: من البحث عن المطلق والمجهول وغير المتحدّث عنه، إلى غنائيات فجّة عن الجنس والجوع والسياسة.
أليس هذا تقلّبا على نار التجربة؟
ولما كان الشعر، أي شعر، يقوم على دعامتين أساسيتين هما: أولا أنّ القصيدة وبغير تعمّد تقتنص العالم وتضعه في حقيبة الكلمات (كما يقول أندريه بريتون) وأنّها، وهذا ثانيا، لا تنطوي إلاّ على أقلّ قدر ممكن من القصدية والتفكير السبقي. لذا فإنّه من الخطأ الإدّعاء أنّ المخيّلة في أشعار هذا الجيل تكون قد ألمّت بالعلاقات بين واقعين قائمين، فالخيال عندهم لا يكون قد أمسك بأي شيء بطريقة واعية، وكل ما في الأمر أنّ نوعا من التقارب العفوي يتحقق بشكل ما بين قطبين، فينبثق منه ضوء الصورة الشعرية (أو الإستعارة) ويتوقّف جمال تلك الصورة كما تتوقّف قيمتها الفنية على هذه الشرارة التي يحدثها ذلك التقارب العفوي.
ذلك هو الإشكال الحقيقي لقصيدة شعراء التسعينات: التناقض بين الإستسلام للغة أحيانا والصراع مع اللغة نفسها في أحيان أخرى. وهو لاشك تناقض يصل بالشاعر إلى كشوفات شعرية نستطيع بحق أن نقول أنّها تقتنص العالم فتضعه في حقيبة الكلمات.
إلاّ أنّ قصديّة الشاعر وتفكيره المسبّق في أن يضع تلك الكشوفات في نظام خطاب محدّد وموجّه بالمعنى التقليدي للإخبار عن شيء ما أو فكرة ما، واضحتان أيضا في صميم عمله، وتلك مشكلة جيل يمارس التجديد تحت وطأة الصراع. ولنتابع في هذا الصدد ما يقوله أيضا "أندريه بريتون" في بيانات السوريالية: "يجب أن تكون للشاعر حقوق الصراحة المطلقة. لا تنازلات ولا مصالحات مع العالم أو مع الكائن. لارحمة ولا تسامح. وأن كلّ من أراد أن يصل إلى الغاية الأسمى فسار على الطريق التي توصله إلى مكاشفات النبوة عليه أن يحرّر ذهنه تماما من كل ما هو مبتذل ودارج وأن يطهّر روحه من كلّ مرض أو ضعف أو هزال أو مكر، كما يجب عليه أن يطلق ذهنه من أسر كل حالة من حالات الذهن تتعارض مع الغاية التي يسعى وينطلق إليها".
لقد كان هذا الإقتباس طويلا من "بريتون" ولكنّه يلقي ضوءا ساطعا على قضية شعر شباب التسعينات في العراق. إنّ كل عمل شعري يجب أن يحتوي في داخله على كل ما هو مطلوب منه لفهمه، وقصائد هذا الجيل تقترب من هذا التصوّر، إذ أنّها تقدّم عناصر تأويلها من داخلها. فالكتابة تستمدّ معناها لا من علاقاتها بمجمل التفصيلات التي هي في داخل الكتابة نفسها فحسب، بل أيضا من الإحالات التي تعملها تلك العلاقات إلى الخارج الواقعي، وبذا تكون قصائدهم وثائق يومية لسيرة فرد أو جماعة في ظل استثناء عجيب من التاريخ.
ورغم أنّ هذا الجيل قد ظلّ في قصائده يدور داخل نمط بدأ به ولم يخرج منه لحد الآن، وأقصد به نمط التذبذب الشديد بين اللحظة الشعرية المكثفة وبين لحظة السرد الدارجة، في محاولة مستميتة للمزاوجة بينهما من خلال التحايل على اللغة، فإنّه، أي الجيل الجديد، يكون قد حقّق أفضل إنجازاته الفنية عبر ما نقرأ للأسماء التي تتصدّر واجهة هذا الجيل الطالع بقوّة من ركام حربين ورماد حصار قاتم. إنّه جيل باسل بحق لأنّه يكون قد قاتل على أكثر من جبهة، فتحيّة مني إليه.
(بغداد 1996)



#حكمت_الحاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مراجعة نقدية لكتاب «في عوالم الخيال الأدبي: مقاربات حول تجرب ...
- القصيدة بوصفها حادثة لغوية
- نيسان أقسى الشهور
- من المتوالية الشعرية إلى الرواية الشعرية رحلة في الصحون الطا ...
- حمزة الزغير والصحون الطائرة- رواية شعرية
- كيف قرأت نفسي بين عذب وأُجاج
- حينما يأتي الشعر من مستعمرة العقاب
- في رثاء إيميلي برونتي
- فارس الموت الابيض
- في مفهوم الرواية الشعرية وارتباك الأجناس
- خمسون عاما من النقد: مسار د. عبد السلام الشاذلي بين التطبيق ...
- من يقتل الزهرة
- المرض بكولن ولسون.. لماذا نعود إليه كلما فكرنا في الفلسفة كَ ...
- مقاربات فكرية حول تجربة د. عبد السلام الشاذلي النقدية
- The books wept
- هذا المساء
- أيام الفاطمي المقتول
- دعاء البرء والعواطف
- أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا بعيون ألمانية
- المولوي


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حكمت الحاج - عن جيل التسعينات الشعري في العراق