|
|
في مفهوم الرواية الشعرية وارتباك الأجناس
حكمت الحاج
الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 08:53
المحور:
الادب والفن
في مفهوم الرواية الشعرية وارتباك الأجناس.. بقلم: حكمت الحاج* حين نقرأ عبارة “رواية شعرية” توصيفا على غلاف كتاب، قد يتبادر إلى أذهاننا سؤال بسيط: هل نحن أمام رواية؟ أم أمام قصيدة طويلة؟ لكن الحقيقة أن هذا السؤال، في حد ذاته، جزء من اللعبة الجمالية التي يقترحها هذا العمل. “الحب 2003- رواية شعرية” للشاعرة العراقية د. بشرى البستاني، الصادر حديثا عن "منشورات كناية"، ليس نصًا يبحث عن بطاقة تعريف، فحسب. إنه نصّ يكتب نفسه في منطقة التوتر بين الأجناس والأنواع الأدبية. نص ينوس بين السرد الذي يبني عالماً، والشعر الذي يكثّف هذا العالم في نبضة. منذ بدايات الحداثة العربية، لم تعد الأجناس الأدبية كياناتٍ مستقرة ذات حدود قاطعة، بل تحوّلت إلى مناطق تماسّ، ومساحات عبور، وحقول توتر. لم يعد السؤال: هل هذا شعر أم سرد؟ بل: كيف يعمل النص داخل هذا التوتر؟ وأي طاقة يولّدها من احتكاك الأشكال ببعضها؟ “الرواية الشعرية” ليست تسمية تجارية ولا زينة غلاف، بل هي إعلان انتماء إلى منطقة ملتبسة. هي نصّ يرفض أن يُقرأ بوصفه روايةً تقليدية ذات حبكة وشخصيات وتنامٍ درامي خطي، ويرفض في الوقت نفسه أن يُختزل في قصيدة طويلة مهما بلغ امتدادها. إنها شكل ثالث، لا يكتفي بالتهجين، بل يُقيم في التهجين. الرواية، كما نعرفها، تقوم على شخصيات، أحداث، زمن يتحرك إلى الأمام. أما الشعر، فيقوم على الصورة، الإيقاع، الميزان، الدهشة، اللحظة المتوهجة. لكن ماذا يحدث حين تكون اللحظة التاريخية أكبر من أن تُحكى بخط سردي هادئ؟ وماذا يحدث حين يكون الجرح أوسع من أن تحتويه قصيدة قصيرة؟ إن عام 2003 لم تكن تاريخًا عابرًا في الذاكرة العراقية. لقد كان لحظة انهيار، ولحظة انكشاف، ولحظة سؤال وجودي: من نحن؟ وأين نقف وسط هذا الخراب؟ أمام حدث جسيم بهذا الحجم، لم يعد الشكل التقليدي كافيًا. لم تعد الرواية الواقعية وحدها قادرة على حمل الصدمة. ولم تعد القصيدة الغنائية وحدها قادرة على احتواء التاريخ. وكان لا بد من شكلٍ ثالث. وهنا تأتي “الرواية الشعرية” أو "القصيدة الروائية"، كإنقاذ. في هذا العمل، لا نتابع حكاية شخص واحد، بل نتابع سيرة وطنٍ يتكلم بصوت عاشقة. فالعراق ليس خلفية للأحداث، بل العراق هو الجسد، وهو الحبيب، وهو التاريخ الذي يتمشى داخل اللغة. الملكات السومريات: إنخدوانا، نيدابا وعشتار، هُن لسنَ استدعاءات ثقافوية للتزيين والبهرجة. إنهن حضورٌ رمزي يقول لنا إن العراق ليس لحظة 2003 فقط، بل سبعة آلاف عام من الذاكرة المضيئة. تقول بشرى البستاني في عملها الشعري الروائي هذا: أيها العِراقُ...! أَيُّهُمَا أَكْبَرُ: خِطَابُكَ أَمِ النَّصْ؟ أَدَعُ: "بَارْت وَدِرِيدَا، وَفُوكُو" لِجَدَلِهِمْ... وأَختَبِئُ في غُبَارِ الحُرِّيَّةِ، وهو يَمسَحُ عن السَّلاسِلِ أَمْجَادَهَا... أَختَبِئُ في سَنَابِلِ المِحنَةْ، أَختَبِئُ في مِيَاهِ صَدرِكَ وأَعرِفُ كَيفَ أموتْ ..
هنا، في هذا الكتاب، الرواية الشعرية بالأحرى، النص لا يتحرك بخط مستقيم. لا يبدأ من نقطة وينتهي عند أخرى. بل يتحرك مثل موجة: "تسقط الصواريخ… ثم تسقط من جديد… والزمن يدور، كما يدور الألم".
هذا التكرار ليس مجرد لازمة شعرية. إنه طريقة لبناء الزمن داخل النص. طريقة تقول إن الحرب لا تمرّ، بل تعود، وتعود، وتعود. وفي الوقت نفسه، هناك لغة حب. لغة غزل. لغة جسد يقترب من جسد. لكن هذا الغزل ليس خاصًا. ليس حكاية علاقة فردية. إنه غزل بوطنٍ محاصر. إنه حبٌّ يعرف أن ثمنه الدم. ولعل من أهم مزايا "الرواية الشعرية" أو "القصيدة الروائية"، هو اشتغالها الواعي المتقصد لتكنيك "التناص" أو "التداخل النصوصي" intertextuality كما يطلق عليه في اللغة الإنكليزية. وعلى هذا الأساس، تعالوا لنرى ماذا فعلت بشرى البستاني في نصها هذا الذي نحن بصدده. بادئ ذي بدء أقول: إن التناص في «الحب 2003» أنظر إليه بوصفه شبكة اشتغال دلالي، لا مجرد اقتباسات عابرة أو إحالات ثقافانية. لقد امتلأ نص بشرى البستاني بالتناصات: فمنها التناص الصوفي كما مع النفري، ومنها التناص الفلسفي كما مع دوستويفسكي، والتناص القرآني (في مواضع عديدة في نسيج العمل). كما ثمة تناص أسطوري- رافديني يعيد بناء الهوية العراقية بوصفها حضارةَ كتابة وقانون وخصب. ثمة أيضا التناص الشعري العربي، مع القديم الكلاسيكي، على غرار الشعراء: جميل بثينة، ذؤيب الهذلي ومضاض بن عمرو الجرهمي. وكذلك مع الشعر العربي المعاصر، وبخاصة مع محمود درويش. "الحب 2003" يتناص أيضا مع ذكر أسماء رولان بارت، جاك دريدا، ميشيل فوكو: وهو تناص يقوم بوظيفة مساءلة مفاهيم "الخطاب" و"النص" و"السلطة". ولا نغفل عن التناص مع مدونة الشعر الأجنبي: حيث يتم ذكر الشاعرتين إليزابيث بيشوب وماريان مور، ويبدو أن الغرض من هذا التناص هو إدخال ضمير شعري عالمي في مأساة محلية. ونأتي أخيرا الى أخطر تناص قامت به رواية بشرى البستاني الشعرية، وأقصد به تناصها الذاتي- الميتاشعري عندما تسأل: - «أيّهما أكبر، خطابك أم النص؟» وواضح أنه تناص مع الخطاب النقدي المعاصر حول التمركز النصي والتمركز اللساني (بارت/ دريدا). وهكذا يمكن أن نرى أن "التناص" عند بشرى البستاني ليس تزيينًا ثقافيًا، بل استراتيجية مقاومة، ويمكن توصيفه بثلاث سمات رئيسية: - فهو تناص تراكمي حضاري يبني هوية مضادة للحظة الغزو والاحتلال عبر استدعاء آلاف السنين. - وهو تناص تحويلي، إذ لا تقتبس النصوص كما هي، بل تعيد الشاعرة توجيهها نحو الوطن، فيصبح الغزل وطنياً، وتصبح الأسطورة سياسية. وأخيرا، هو تناص صراعي، إن صح التعبير، فيضع نص "الحب 2003" التراث (القرآن، الميثولوجيا الدينية، الشعر العربي) في مواجهة الحداثة الغربية، العسكرية والفكرية، في آن واحد. بهذا المعنى، «الحب 2003» ليست نصًا يتناص مع غيره من النصوص، بل نصٌّ يُعاد تشكيله عبر شبكة تناصية كثيفة. هي كتابة تقوم على ما يمكن تسميته “التناص المقاوم”: إعادة امتلاك النصوص الكبرى (الدينية، الشعرية، الأسطورية) لإعادة كتابة الحاضر. “الحب 2003” تضعنا أمام سؤال كبير: هل النوع الأدبي قانون سابق على النص؟ أم أن النص هو الذي يخلق نوعه؟ هذا العمل لا ينتظر اعترافًا من تصنيف جاهز. لا يقول: أنا رواية لأنني أمتلك حبكة تقليدية. ولا يقول: أنا قصيدة لأنني ألتزم وزنًا. بل يقول: أنا عالم، وأنا تجربة، إذن اقرأني كما أنا. وهنا يصبح القارئ شريكًا وليس متلقيًا سلبيًا، بل طرفًا خلاقا في إعادة تركيب المعنى، حيث لا توجد مفاتيح جاهزة، ولا توجد شروح نهائية. هناك لغة تشتعل فحسب، وتطلب منا أن نسير معها: "... وعناقيدَ كراتٍ ماسيّةٍ تتألقُ في العتمة، تتساقطُ على صدر الأرضِ بذوراً ترحلُ بثمرها الشائكِ إلى هناكْ. في المنعطفات الأمريكيةِ: الممهورة بالسوادِ والموغلةِ بالضغينة... حيث لم تنفع تحذيراتُ "الزابيث بيشوبْ.." و"ماريان مورْ." وفي الليلِ، في الليل... تهيمُ الصواريخُ فوق جسدي. تسحقه كوردة بريةٍ لا تؤمنُ بالخطيئةْ، وترفعهُ على رؤوس الشظايا نافورةَ دم تلطّخُ أردانَ البشريةْ..."
بالنسبة لي: أنا أعتقد أن قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعه، بل في شجاعته الشكلية. إنه نصّ يغامر، ويرفض الطمأنينة الأجناسية، ويختار أن يقف في منطقة قلقة، لأن اللحظة التاريخية نفسها كانت قلقة. “الحب 2003” ليست مجرد رواية شعرية عن العراق. إنها شهادة جمالية على أن الكتابة، حين تواجه الكارثة، تبحث عن شكل يليق بفداحة الجرح… وباتساع الحب.
#حكمت_الحاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
خمسون عاما من النقد: مسار د. عبد السلام الشاذلي بين التطبيق
...
-
من يقتل الزهرة
-
المرض بكولن ولسون.. لماذا نعود إليه كلما فكرنا في الفلسفة كَ
...
-
مقاربات فكرية حول تجربة د. عبد السلام الشاذلي النقدية
-
The books wept
-
هذا المساء
-
أيام الفاطمي المقتول
-
دعاء البرء والعواطف
-
أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا بعيون ألمانية
-
المولوي
-
قصتان وجيزتان عن الألم
-
مرآة لخداع قدم الورد
-
قراءة في تجسسات لاشعورية
-
رواية جديدة أخرى عن العراق: -لحم- دافيد سزلاي
-
من يسكب الهواء في رئة القمر
-
الحرب، وما أدراك
-
نهر عناقنا المكسور
-
صورة العراق في الرواية الإنكليزية المعاصرة
-
قل مرحى لمنفى آتٍ يا رفيق
-
ثلاثون مثقالا من الزمن
المزيد.....
-
معرض الكتاب الدولي في لندن: مساحة خاصة للتلاقح الحضاري
-
مع عثمان العمير في -دو?ر ستريت-.. ضياء العزاوي يرمم ذاكرة ال
...
-
إيران في السينما الأمريكية.. استراتيجية هوليوود في شيطنة صور
...
-
رحيل لطيفة الدليمي.. الروائية العراقية التي تمردت على -سلطة
...
-
السور و-سبع سون-.. طقوس رمضانية تصمد أمام هشاشة الحياة في ال
...
-
22 رمضان.. اليوم الذي أعاد هندسة خارطة العالم من بدر إلى مدي
...
-
سعيد بوخليط يوثق ذاكرة مراكش بعيداً عن السرديات الجافة
-
150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
-
المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
-
-الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان
...
المزيد.....
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|