جورج منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 16:14
المحور:
الادب والفن
منذ سنوات طويلة، وأنا أحمل حلماً هادئاً في داخلي. أن تطأ قدماي يوماً جزيرة كريت، أرض كازانتزاكيس وزوربا اليوناني، حيث تُعاش الحياة بحرية وشغف وفرح.
لكنني لم أتخيل يوماً أن يتحقق هذا الحلم بهذه الصورة الجميلة؛ لا كرحلة عادية، بل كأب يقف على أرض هذه الجزيرة ليشهد زفاف ابنه الأكبر، ريناد. وأي هدية أعظم يمكن أن تمنحني إياها الحياة من أن أرى حلمي يتحقق، وفي الوقت نفسه أشاهد ابني يبدأ تحقيق حلمه هو؟
ثمة جزر لا تُزار بالجسد وحده، بل تُزار بالذاكرة والخيال. ومن بين جزر اليونان تظل كريت جزيرة يصعب أن تغادرها بعد أن تطأها، كأنها لا تكتفي بأن تستقبل القادم إليها، بل تترك شيئاً منها في روحه. ففي كريت، بين زرقة البحر وقسوة الجبال ورائحة الزيتون والزعتر، يبدو الإنسان أكثر قرباً من بداياته الأولى؛ من التراب والموت والحب والحرية. ولعل أحد أكثر الذين أدركوا روح كريت وعبّروا عنها هو الروائي والفيلسوف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، الذي جعل من الجزيرة جزءاً عميقاً من سيرته وكتابته، ومن شخصية أليكسيس زوربا صورةً إنسانية تتجاوز حدود المكان.
وُلد كازانتزاكيس في هيراكليون، عاصمة كريت، في أواخر القرن التاسع عشر، ونشأ في جزيرة كانت تحمل في ذاكرتها آثار الصراع والاحتلال والثورات. ولذلك لم تكن كريت بالنسبة إليه مجرد مسقط رأس، بل كانت مدرسة للروح. منها أخذ صلابة الجبل، وعناد الإنسان، وشغف الحرية، والإحساس العميق بالموت والحياة في آن واحد. وفي كتاباته تبدو كريت كأنها كائن حي، له ذاكرة وصوت وغضب وحنين.
أما زوربا، الذي صار أشهر شخصيات كازانتزاكيس، فقد دخل عالم الكاتب من الحياة قبل أن يدخل الأدب. التقى كازانتزاكيس برجل اسمه جورج زوربا، وكان لهذا اللقاء أثر بالغ في نظرته إلى الإنسان والحياة. ثم أعاد خلقه أدبياً في روايته الشهيرة "زوربا اليوناني"، فغدا أليكسيس زوربا شخصية تكاد تختصر فلسفة كاملة: أن نعيش قبل أن نفكر في الحياة، وأن نرقص أحيانًا حين تعجز الكلمات عن التعبير.
زوربا ليس فيلسوفاً بالمعنى الأكاديمي، لكنه يمتلك حكمة لا توجد دائماً في الكتب. إنه رجل يعرف أن الحياة قصيرة، ولذلك يرفض أن يقف بعيداً عنها متفرجاً. يأكل بشهية، يحب بشغف، يعمل بيديه، يغضب، يضحك، ويرقص. وفي رقصه الشهير لا يبدو الجسد مجرد جسد يتحرك، بل يبدو الإنسان وهو يتحرر من القيود التي صنعها لنفسه.
وهنا تتضح علاقة زوربا بكريت. فزوربا، وإن لم يكن مجرد صورة حرفية للجزيرة، يحمل كثيراً من روحها: البساطة والخشونة والكرامة والاندفاع نحو الحياة. إنه ابن عالم لا يفصل الإنسان عن الطبيعة؛ عالم الجبل والبحر والعمل والفقر والاحتفال. وكأن كازانتزاكيس وجد في زوربا الإجابة الحية عن أسئلة طالما أرهقته: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش رغم الموت؟ وكيف يمكنه أن يحافظ على حريته في عالم مليء بالقيود؟
في كريت، تبدو هذه الأسئلة أكثر حضوراً. فالجزيرة تجمع بين جمال يكاد يكون أسطورياً وتاريخ مثقل بالدم والاحتلال والمقاومة. الجبل فيها ليس مجرد منظر طبيعي، والبحر ليس خلفية زرقاء، والزيتونة ليست شجرة فحسب؛ كل شيء يحمل ذاكرة. ولعل هذا ما جعل كازانتزاكيس شديد التعلق بفكرة الحرية، حتى أصبحت من الكلمات المركزية في عالمه الأدبي.
كان كازانتزاكيس كاتباً كثير الترحال، لكن كريت بقيت مركزاً داخلياً يعود إليه مهما ابتعد. وفي روايته "زوربا اليوناني" وغيرها من أعماله، ظل التاريخ والروح الكريتية حاضرين بصورة أو بأخرى. أما في "الإخوة الأعداء" ، فقد اتسعت المسألة لتصبح أكثر إنسانية: لم يعد السؤال عن كريت وحدها، بل عن الإنسان الذي يريد أن يعيش بكامل وجوده.
يقف الراوي في الرواية في الطرف الآخر من زوربا. إنه مثقف، قارئ، منشغل بالأفكار والأسئلة، بينما زوربا ابن التجربة المباشرة. وبين الرجلين تنشأ واحدة من أجمل العلاقات الأدبية: علاقة الإنسان الذي يفكر بالإنسان الذي يعيش. الراوي يحاول أن يفهم العالم بالعقل، وزوربا يقترب منه بالجسد والحواس والخبرة. أحدهما يقرأ الحياة، والآخر يرقصها.
ولذلك يمكن النظر إلى زوربا باعتباره نقيضاً ورفيقاً لكازانتزاكيس في الوقت نفسه. فالكاتب كان شديد الانشغال بالفلسفة والدين والموت والخلاص، بينما يبدو زوربا أكثر تحرراً من هذه الأسئلة. لكنه لا يلغيها؛ بل يجيب عنها بطريقته. حين تضيق اللغة، يرقص. وحين تصبح الحياة عبئاً، يبحث عن لحظة فرح. وكأن كازانتزاكيس يقول لنا من خلاله إن بعض الحقائق لا يمكن الوصول إليها بالعقل وحده.
وليس غريباً أن ارتبط اسم زوربا في الذاكرة الشعبية بالرقص. فـ"رقصة زوربا" التي اشتهرت عالمياً من خلال الفيلم المأخوذ عن الرواية أصبحت رمزاً لليونان نفسها، رغم أن معناها الأعمق يتجاوز الفولكلور. إنها رقصة الإنسان حين يقرر ألا يسمح للهزيمة بأن تكون كلمته الأخيرة. في لحظة الرقص يصبح الحزن حركة، ويصبح الفشل بداية، ويصبح الألم طاقة للحياة.
أما كريت، فتظل خلف كل ذلك مثل المسرح الأول للحكاية. جزيرة قاسية وجميلة، تجمع في تضاريسها بين البحر والجبل، وفي تاريخها بين الغزو والمقاومة، وفي أهلها بين الحزن والاحتفال. وربما لهذا تبدو مناسبة بصورة استثنائية لعالم كازانتزاكيس: فهي جزيرة تعرف أن الحياة ليست نزهة، لكنها تعرف أيضاً أن مواجهة قسوتها لا تكون دائماً بالاستسلام.
حين يمشي المرء في شوارع هيراكليون أو يتأمل جبال كريت، يمكن أن يتخيل كازانتزاكيس وهو يبحث عن الكلمات، ويمكن أن يتخيل زوربا وهو يضحك من جدية العالم. لكن الأهم أن يتذكر أن العلاقة بين الاثنين ليست علاقة كاتب بشخصية أدبية فحسب؛ إنها علاقة بين فكرتين عن الإنسان: الإنسان الذي يريد أن يفهم، والإنسان الذي يريد أن يعيش.
وهذا هو سر بقاء زوربا. لم يصبح خالداً لأنه رجل يوناني يرقص، بل لأنه يمثل رغبة إنسانية قديمة في التحرر من الخوف. إنه يقول، بطريقته الصاخبة والمبهجة، إن الحياة لا تنتظر أن نفهمها بالكامل حتى نعيشها. وكريت، بأرضها وجبالها وبحرها، تبدو المكان الطبيعي لهذه الحكمة.
لذلك حين نذكر كريت، يحضر كازانتزاكيس، وحين نذكر كازانتزاكيس يحضر زوربا، وحين يحضر زوربا نتذكر الرقص. دائرة جميلة تبدأ من جزيرة وتنتهي بالإنسان. وربما كان هذا ما أراد كازانتزاكيس أن يقوله لنا طوال حياته: أن الإنسان، مهما أثقلته الأسئلة والهزائم، يستطيع أن يجد في داخله فسحة للحرية، وأن يرقص فوق أنقاض ما خسره.
في كريت، حيث يلتقي الجبل بالبحر، يبدو زوربا أقل شبهاً بشخصية روائية وأكثر شبهاً بروح المكان. ويبدو كازانتزاكيس، في النهاية، واحداً من أولئك الذين حاولوا أن يحولوا مسقط الرأس إلى سؤال كوني. أما كريت فتبقى هناك، صامتة وعتيقة، تترك للزائر أن يكتشف بنفسه أن بعض الأماكن لا تُروى فقط، بل تُعاش؛ وأن بعض الرجال لا يموتون حين تنتهي حياتهم، لأنهم يتحولون إلى فكرة، وإلى حكاية، وإلى رقصة لا تزال مستمرة.
لكنني، وأنا أكتب عن كريت وكازانتزاكيس وزوربا، لم أكن هذه المرة مجرد قارئ جاء يبحث عن آثار كاتب أو يتتبع خطوات شخصية روائية. كنت هناك، على أرض الجزيرة نفسها، وفي قلبي حكاية شخصية جعلت المكان أكثر قرباً مني وأكثر امتلاءً بالمعنى.
جئت إلى كريت لأشهد عرس ابني الأكبر، ريناد. وبينما كانت الجزيرة تحتفي بالحياة، كنت أكتشف أنني أعيش، من حيث لا أدري، شيئاً من فلسفة زوربا نفسها: أن أجمل لحظات الحياة هي تلك التي لا نكتفي فيها بالتفكير فيها، بل نعيشها بكل جوارحنا. كان الفرح حولنا، والموسيقى تملأ المكان، والوجوه التي أحبها تجتمع احتفالاً ببداية جديدة. وفي تلك اللحظة، بدا لي أن كريت لم تكن مجرد المكان الذي اختاره ابني ليفتح فيه صفحة جديدة من حياته، بل كانت أيضاً المكان الذي اكتمل فيه، بصورة غير متوقعة، حلم قديم حملته أنا طويلاً.
كنت أحلم أن أصل إلى كريت، أرض كازانتزاكيس وزوربا، وأن أمشي ذات يوم في فضائها الذي طالما عشته في الخيال والكتب. لكن الحياة منحتني أكثر مما طلبت: وصلت إليها أباً، لا سائحاً؛ وجئت إليها لأشهد بداية حياة جديدة لابني، بينما كنت ألتقي في المكان نفسه بجزء من أحلامي القديمة.
وفي تلك الليلة، وأنا أنظر إلى ريناد وهو يخطو مع شريكة حياته خطوته الأولى نحو المستقبل، شعرت أن الزمن نفسه كان يرقص معنا. تذكرت زوربا، وتذكرت كازانتزاكيس، وتذكرت أن الإنسان قد يقضي عمره كله يطارد المعنى، ثم يجده فجأة في لحظة بسيطة: في ابتسامة ابن، أو في عرس، أو في جزيرة بعيدة طالما سكنتها في الخيال.
ربما لهذا شعرت أنني، في كريت، لم أمشِ فقط مع زوربا في ظل كازانتزاكيس؛ بل مشيت أيضاً مع ابني نحو حلمه، بينما كان حلمي القديم يمشي إلى جواري.
وعندما غادرت الجزيرة، أدركت أن بعض الرحلات لا تنتهي حين نغادر المكان. هناك أماكن نعود منها، لكنها لا تعود منا. تبقى في الذاكرة مثل أغنية، أو رائحة زيتون، أو نغمة موسيقى، أو رقصة تبدأ فجأة من حيث لا نتوقع.
أما كريت، فقد تركت في قلبي شيئاً من زوربا: أن نفرح حين تأتي اللحظة، وأن نحتفي بالحياة وهي بين أيدينا، وألا نؤجل الرقص كثيراً.
وهكذا، في الجزيرة التي أحبها كازانتزاكيس، وفي العرس الذي أحببت أن أرى فيه ابني يبدأ حياته، شعرت أن الحياة قالت لي بهدوء ما يقوله زوربا بطريقته الصاخبة: لا تنتظر الحياة كي تكتمل؛ عشها وهي تحدث أمامك.
وهذا ما فعلته في كريت... مشيت، وفرحت، وشهدت حلماً يتحقق. حلم ابني، وحلمي أنا أيضاً.
#جورج_منصور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟