أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - حصر السلاح بين الدولة والفصائل... هل يكفي القرار؟















المزيد.....

حصر السلاح بين الدولة والفصائل... هل يكفي القرار؟


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 04:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق مجرد شعار سياسي يتكرر في البرامج الحكومية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على ترسيخ سيادتها واستعادة احتكارها المشروع لاستخدام القوة. وفي ظل التحولات الإقليمية والضغوط الدولية والتوازنات الداخلية المعقدة، عاد هذا الملف إلى واجهة المشهد العراقي بوصفه أحد أهم مفاتيح مستقبل النظام السياسي والأمني. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان قرار حصر السلاح قد صدر، بل ما إذا كانت الدولة تمتلك المقومات الكفيلة بتحويل هذا القرار إلى واقع دائم، يعيد رسم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والفصائل المسلحة على أسس دستورية ووطنية.
تمثل الدعوة إلى تسليم الفصائل المسلحة في العراق أسلحتها للدولة والانضمام إلى القوات المسلحة الرسمية، من جيش وشرطة وأجهزة أمن واستخبارات، واحدة من أكثر القضايا حساسية منذ عام 2003. فهي لا تتعلق بإعادة تنظيم القوة العسكرية فحسب، بل تمس جوهر الدولة العراقية: هل تكون صاحبة الحق الحصري في استخدام القوة، أم تبقى القوة موزعة بين مؤسسات الدولة وقوى موازية لها؟
من الناحية النظرية، يبدو الأمر بسيطاً؛ إذ تصدر الحكومة قراراً بحصر السلاح بيد الدولة، فتندمج التشكيلات المسلحة ضمن المؤسسات العسكرية الرسمية، وتخضع لقيادة القائد العام للقوات المسلحة وفقاً للدستور والقوانين النافذة. لكن الواقع العراقي أكثر تعقيداً بكثير.
فالفصائل المسلحة لم تنشأ جميعها بوصفها تشكيلات عسكرية نظامية، بل تأسس كثير منها على خلفيات عقائدية أو طائفية أو سياسية، وارتبط بقيادات تنظيمية تمتلك منظومة ولاءات خاصة، بعضها يتجاوز حدود الدولة العراقية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يرتدي عناصر هذه الفصائل الزي العسكري الرسمي ليصبح ولاؤهم للدولة وحدها؟ أم أن الولاء الحقيقي سيبقى للقيادات التي صنعت هذه التشكيلات وأدارتها طوال السنوات الماضية؟
إن أي عملية دمج لا تقتصر على نقل الأفراد من مؤسسة إلى أخرى، بل تستلزم انتقالاً كاملاً في العقيدة العسكرية والانضباط والولاء. فالجيش العراقي، منذ تأسيسه عام 1921، قام على مبدأ أن يكون مؤسسة وطنية تمثل جميع العراقيين، بعيدة عن الانتماءات الحزبية والطائفية، وخاضعة حصراً للسلطة الدستورية. وأي اختراق لهذا المبدأ يهدد بتحويل المؤسسة العسكرية إلى ساحة لتعدد مراكز القرار.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف مشروعة من أن يؤدي دمج الفصائل دون معالجة مسألة الولاء إلى خلق "جيش داخل الجيش"، أو إلى وجود ضباط ومنتسبين يتلقون التوجيهات الرسمية من القائد العام للقوات المسلحة، بينما يحتفظون في الواقع بعلاقات تنظيمية وأوامر غير معلنة من قياداتهم السابقة. وعند أول اختبار سياسي أو أمني، قد يجد هؤلاء أنفسهم أمام ازدواجية في القرار، بما ينعكس سلباً على وحدة المؤسسة العسكرية.
كما أن إدخال تشكيلات ذات انتماءات فصائلية إلى مؤسسات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية قد يهدد مبدأ الحياد المهني الذي ينبغي أن تتمتع به القوات المسلحة، ويعيد إنتاج الانقسامات داخل المؤسسة الأمنية نفسها، وهو ما يتناقض مع فلسفة بناء جيش وطني محترف لا يدين إلا للدستور.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن كثيراً من منتسبي هذه الفصائل يمتلكون خبرات قتالية كبيرة، وأن بعضهم قدم تضحيات في مواجهة تنظيم "داعش". غير أن الاعتراف بهذه التضحيات لا يلغي الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية خالصة، بحيث يكون معيار الانتماء هو الكفاءة والالتزام بالقانون، لا الانتماء التنظيمي أو السياسي.
وتظهر التطورات الميدانية أن المشهد أكثر تعقيداً مما يوحي به القرار الحكومي. ففي الوقت الذي أعلنت فيه فصائل مثل سرايا السلام، وعصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي بدء إجراءات الانفصال عن هيئة الحشد الشعبي والاستعداد للاندماج في مؤسسات الدولة، تمسكت فصائل أخرى، أبرزها كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، برفضها تسليم السلاح، معتبرة أنه جزء من مشروع "المقاومة" وليس خاضعاً لقرارات الحكومة.
ويجسد هذا الانقسام الداخلي إحدى أبرز عقبات المرحلة الحالية. إذ تشير التقارير إلى أن بعض الفصائل الرافضة تعلن صراحة تبعيتها لولاية الفقيه في إيران، وهو ما يثير تساؤلات جدية بشأن مدى نجاح أي عملية دمج في تحقيق ولاء كامل للدولة. وفي المقابل، تدرك الفصائل التي أبدت استعدادها للاندماج أهمية الحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية داخل النظام، الأمر الذي يدفعها إلى قدر أكبر من المرونة.
وتكشف المصادر الأمنية أن عملية الدمج ستتم عبر توزيع عناصر الفصائل كأفراد، لا كمجموعات، لمنع تشكل أي كتل تنظيمية داخل الجيش أو الأجهزة الأمنية، وضمان خضوعهم المباشر لسلطة القائد العام للقوات المسلحة. والهدف هو أن يصبحوا جزءاً من المؤسسة العسكرية وفق معاييرها المهنية، من دون احتفاظهم بأي ثقل تنظيمي أو قيادي مستقل.
كما شُكلت لجان تضم ممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية وهيئة الحشد الشعبي، إلى جانب ممثلين عن الفصائل، وبدأت بالفعل عمليات جرد الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة تمهيداً لتسليمها إلى السلطات الحكومية.
ولا يمكن فهم مستقبل حصر السلاح بمعزل عن التنافس الأمريكي-الإيراني. فالولايات المتحدة تجعل من تفكيك المنظومات المسلحة غير الخاضعة للدولة شرطاً لتطوير علاقاتها مع بغداد، وتستخدم أدوات متعددة، تشمل الدعم الاقتصادي والتعاون الأمني، للضغط على الحكومة. وفي المقابل، تحافظ إيران على علاقاتها الوثيقة مع عدد من الفصائل، وتعدها جزءاً من "محور المقاومة"، وتسعى إلى الحفاظ على نفوذها وقدراتها داخل العراق.
وهذا التداخل يجعل الحكومة العراقية مطالبة بتحقيق توازن شديد الحساسية بين الضغوط الأمريكية والاعتبارات الإيرانية، بما يحول دون انفجار المشهد الداخلي.
إن نجاح أي مشروع لحصر السلاح بيد الدولة لن يقاس بعدد البنادق التي تُسلَّم أو بعدد المقاتلين الذين يُنقلون إلى ملاكات الدولة، بل بمدى نجاح الدولة في نقل الولاء نفسه من التنظيم إلى الوطن، ومن القائد الفصائلي إلى الدستور، ومن القرار الحزبي إلى القرار الوطني.
فالدول لا تُبنى بتعدد الجيوش، ولا تستقر بازدواجية مراكز القوة. وإذا بقيت الولاءات القديمة فاعلة، فإن عملية الدمج قد تتحول إلى إعادة توزيع للقوة داخل مؤسسات الدولة، بدلاً من إنهاء ظاهرة السلاح خارج إطارها. وعندئذ لن يكون العراق قد حسم معركة احتكار الدولة لاستخدام القوة، بل يكون قد نقلها إلى داخل مؤسساته العسكرية والأمنية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمتلك الدولة العراقية الأدوات والإرادة الكافية لضمان أن يكون ولاء كل من يحمل السلاح للدستور وحده؟ أم أن موازين القوى السياسية ستجعل من مشروع الدمج مجرد إجراء إداري، بينما تبقى معادلة النفوذ على حالها؟
لعل السيناريو الأكثر ترجيحاً، وفقاً لكثير من التقديرات والدراسات، هو استمرار مسار الاحتواء والاندماج بصورة تدريجية، لا الحسم السريع ولا المواجهة المفتوحة. غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بقدرة الدولة على فرض مبدأ احتكارها للسلاح والقرار الأمني، باعتباره الركيزة الأساسية لبناء دولة مستقرة ذات سيادة.
إن معركة حصر السلاح ليست معركة أمنية أو إدارية فحسب، بل هي معركة لبناء الدولة نفسها. فنجاحها لا يقاس بعدد الأسلحة التي تدخل المخازن الحكومية، بل بقدرة المؤسسات الرسمية على ترسيخ ولاء وطني جامع، وإخضاع جميع القوى المسلحة لسلطة الدستور والقانون دون استثناء. وإذا تمكن العراق من إنجاز هذا التحول، فإنه سيكون قد خطا خطوة حاسمة نحو دولة المؤسسات والسيادة الكاملة. أما إذا بقي السلاح خاضعاً لولاءات متوازية أو لاعتبارات تتجاوز سلطة الدولة، فإن الأزمة ستتخذ أشكالاً جديدة، حتى وإن تغيرت عناوينها التنظيمية. وفي النهاية، يبقى احتكار الدولة للقوة ليس خياراً سياسياً قابلاً للتفاوض، بل الشرط الأساسي لقيام دولة مستقرة وقادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على موائد المصالح... حيث يُولد التملق ويموت الضمير
- عندما يصبح الإعلام ضحية المحاصصة قراءة نقدية في آليات الاختي ...
- عندما يفسد الرأس… يمرض الجسد: لماذا يختلف الفساد في العراق ع ...
- الوعي الجمعي وصناعة الدولة: لماذا تبدأ معركة الإصلاح في العر ...
- الفساد في العراق... المشكلة ليست في اللصوص وحدهم، بل في جمهو ...
- كيف تحولت مكاتب رؤساء الوزراء في العراق إلى ملاذ للمناصب الف ...
- ماذا يعني أن تكون الدولة غير محترمة؟ العراق أنموذجاً
- هل سيرى العراق انفراجاً بعد توقيع اتفاقية سلام بين إيران وال ...
- سيفو بعد مئة وإحدى عشرة سنة: ذاكرة الدم التي لم تمت
- القشلة: صرح بغداد التاريخي بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع
- العراق بين تبديل الأمكنة وعجز التغيير الداخلي
- الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع
- الطريق إلى لولان.. حين صار الضحك مقاومة
- ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟
- يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
- الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل
- حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل


المزيد.....




- وسط تصاعد التوتر مع بكين.. تايوان تجري أكبر مناوراتها العسكر ...
- جرحى بغارات إسرائيلية وقصف مدفعي يستهدفان بلدات عدة في جنوب ...
- علاء مبارك يشن هجوما حادا على إيران بعد حادث دمياط: -ليت بين ...
- الخارجية الروسية: كييف لا تتوانى عن استخدام أساليب الإرهابيي ...
- مصر.. الداخلية تكشف مفاجآت بعد فيديو -فتاة أوبر- المثير للجد ...
- ترامب: نبني مجمعا عسكريا ضخما يضم مرافق سرية تحت البيت الأبي ...
- مصادر: إيران تحذر دول الخليج من استهداف منشآتها النفطية حال ...
- لقطات مروعة توثق اغتيال مؤثر مكسيكي شهير أثناء بث مباشر على ...
- 15 سفينة بكلفة 275.. تعرّف على أسطول -دونالد ترمب- الحربي
- الحوثيون يعلنون -مهاجمة ناقلة نفط سعودية في خليج عدن-


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - حصر السلاح بين الدولة والفصائل... هل يكفي القرار؟