أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل















المزيد.....

الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 02:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في عراقٍ خرج مترنحاً من ركام الاستبداد، وُلدت الديمقراطية كأنها وعدٌ سماوي، أو كائنٌ أسطوريّ طال انتظاره. لم تأتِ بوصفها نظاماً سياسياً فحسب، بل كـ"إلهٍ" جديد، عُلّقت عليه آمال الخلاص، وحُمّل أكثر مما يحتمل: العدالة، والحرية، والكرامة، والرفاه، بل وحتى إعادة صياغة الإنسان العراقي نفسه.
لم تُقدَّم الديمقراطية كنظامٍ قابلٍ للفحص والمراجعة، بل كخلاصٍ نهائي، كإلهٍ جديد يُفترض الإيمان به قبل اختباره. عُلّقت عليها آمال تفوق طاقتها: إنهاء إرث القمع، وبناء دولة حديثة، وإعادة صياغة مجتمعٍ أنهكته الانقسامات. غير أن ما تلا ذلك لم يكن تحقيقاً للوعد، بل انكشافاً تدريجياً لحدود هذا "الإله" وهشاشته.
منذ السنوات الأولى بعد 2003، بدا واضحاً أن البناء جرى بالعكس: انتخابات ودستور وبرلمان، قبل ترسيخ مؤسسات دولة قادرة على العمل باستقلالية. فالدستور أُقرّ عام 2005 في سياقٍ مضغوط سياسياً وأمنياً، وسط انقسامات حادة، ما جعله -رغم أهميته- نصاً قابلاً لتأويلات متضاربة استُخدمت لاحقاً في صراعات السلطة. والانتخابات، التي كان يُفترض أن تؤسس لشرعية متجددة، تحولت سريعاً إلى آلية لإعادة إنتاج القوى نفسها.
في انتخابات 2010 مثلًا، دخلت البلاد في أزمة سياسية طويلة رغم تقارب النتائج، وتأخر تشكيل الحكومة لأشهر، ما كشف أن صندوق الاقتراع وحده لا يحسم الصراع، بل يُنقل إلى كواليس التفاوض حيث تُحسم الموازين الفعلية. وفي دورات لاحقة، تكررت الظاهرة: نسب مشاركة متذبذبة، طعون، اتهامات بالتزوير، وصراعات على النتائج، ما أضعف الثقة العامة بالعملية برمّتها.
أما مبدأ "التعددية"، فقد تراجع لصالح نظام محاصصة طائفية وعرقية صار هو الإطار الفعلي للحكم. لم تعد المناصب تُشغل وفق الكفاءة، بل وفق الانتماء، في توزيعٍ غير معلن لكنه راسخ: هذه الوزارة لهذا المكوّن، وتلك لتوازنٍ آخر. وهكذا، تحولت مؤسسات الدولة إلى جزرٍ حزبية، لكل منها شبكاتها وولاءاتها، ما جعل القرار العام نتاج مساومات، لا سياسة عامة متماسكة.
هذا التشظي لم يبقَ في مستوى النخبة، بل انعكس مباشرة على حياة الناس. فملف الكهرباء- على سبيل المثال- تحول إلى رمزٍ صارخ للفشل: مليارات الدولارات أُنفقت على مدى سنوات، دون حلٍ مستدام، بينما بقيت ساعات التجهيز متقطعة في معظم المحافظات. وكذلك الحال في قطاعات الماء والصحة والبنى التحتية، حيث تتكرر الأزمات رغم وفرة الموارد.
الفساد، في هذا السياق، لم يكن استثناءً بل بنيةً مرافقة. تقارير رسمية ودولية تحدثت مراراً عن هدرٍ مالي ضخم، وصفقات مشبوهة، وتضخمٍ غير مبرر في عقود الدولة. ومع غياب المساءلة الفعلية، تحوّل الفساد إلى منظومة متكاملة، تتكيف مع الشكل الديمقراطي، وتعمل عبره لا ضده.
وجاءت لحظة الانكشاف الأكبر في احتجاجات 2019، حين خرج آلاف الشباب في بغداد ومدن الجنوب، لا ضد حكومة بعينها فقط، بل ضد المنظومة السياسية كلها. الشعارات لم تكن مطلبية فحسب، بل وجودية: "نريد وطن". كان ذلك التعبير المكثف عن انهيار الثقة بين المواطن والنظام. ورغم الوعود بالإصلاح، سقط ضحايا كثر، وتراجعت الحركة دون تحقيق تغيير جذري، ما عمّق الشعور بأن النظام قادر على امتصاص الصدمات دون أن يتغير.
وفي عام 2014، شكّل سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم (داعش) المتطرف صدمة أخرى، كشفت عمق التصدع داخل مؤسسات الدولة. لم يكن الحدث أمنياً فقط، بل سياسياً أيضاً، إذ أظهر كيف يمكن للضعف المؤسسي والانقسام أن يتحولا إلى تهديد وجودي للدولة نفسها، رغم وجود بنية "ديمقراطية" شكلية.
وسط كل ذلك، بقي المواطن في موقع المتلقي. صوته الانتخابي لم يترجم إلى سياسات فعالة، واحتجاجه لم يؤدِّ إلى إصلاحات جذرية، وخدماته الأساسية ظلت رهينة التجاذبات. ومع مرور الوقت، لم تعد الديمقراطية بالنسبة لكثيرين أداة للتغيير، بل إطاراً يعيد إنتاج الأزمة.
الأخطر من الفشل ذاته، هو طريقة التعامل معه. بدل المراجعة، جرى تحصين التجربة بخطابٍ يساوي بين نقدها والدعوة إلى الاستبداد. وهكذا، أُغلق باب النقاش الجدي، وتحوّل القصور إلى أمرٍ واقع. لم تعد الديمقراطية موضوعاً للتطوير، بل شعاراً يُستخدم للدفاع عن وضعٍ قائم.
ومع ذلك، فإن اختزال كل ما حدث في "فشل الديمقراطية" وحدها قد يكون تبسيطاً مخلاً. فالمشكلة الأعمق تكمن في غياب الشروط التي تجعلها قابلة للحياة: مؤسسات مستقلة، قضاء فاعل، ثقافة مواطنة، واقتصاد لا تُهيمن عليه شبكات النفوذ. بدون ذلك، تتحول الديمقراطية إلى شكلٍ بلا مضمون.
ربما تكمن البداية في الاعتراف بهذه الحقيقة: ما جرى لم يكن تطبيقاً ناضجاً للديمقراطية، بل تجربة هجينة، اختلط فيها الشكل الديمقراطي بمضمونٍ تقليدي قائم على الغلبة والتقاسم. والإصلاح لا يبدأ بترديد الشعارات، بل بإعادة بناء الأساس: دولة قانون، ومؤسسات، وثقة مفقودة بين الحاكم والمحكوم.
في العراق، لم تمت الديمقراطية، لكنها أيضاً لم تتحقق كما وُعد بها. وبين الفكرة كما ينبغي أن تكون، والواقع كما هو، مسافةٌ يدفع ثمنها مجتمعٌ بأكمله- مسافةٌ لا تُختصر بالانتخابات، ولا تُردم بالشعارات، بل بعملٍ طويل، وصريح، لا يخشى الاعتراف بالفشل من أجل تجاوزه.
لكن، وكما يحدث في الأساطير حين يُصنع الإله على عجل، دون جذورٍ في الأرض، بدأ هذا الكيان بالتشقق منذ لحظاته الأولى.
الإله الذي وُعد به العراقيون، لم يكن كليّ القدرة. لم يمنع الفساد، بل أتاح له أن يتكيّف ويزدهر داخل مؤسساتٍ شرعية. لم يحقق العدالة، بل أعاد توزيع الظلم بطرقٍ جديدة. ولم يوحّد البلاد، بل منح الانقسام غطاءً قانونياً.
في هذا المشهد، لم يفشل النظام وحده، بل فشل أيضًا التصوّر الرومانسي الذي أُحيط به. فالديمقراطية ليست عصًا سحرية، ولا إلهاً يهب الخلاص، بل هي ممارسة معقدة، تتطلب ثقافةً مدنية، ومؤسساتٍ قوية، ومجتمعًا يؤمن بالمواطنة قبل أي شيء آخر.
وفي العراق، ما زالت الحكاية مفتوحة… بين إلهٍ خذل أتباعه، وشعبٍ لم يتعلم بعد كيف يصنع خلاصه بيديه.
ما حدث في العراق، هو أن الشكل سبق المضمون، وأن الطقوس سبقت القيم. فكانت النتيجة نظاماً ديمقراطياً في الظاهر، لكنه هشّ في الجوهر.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
- عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
- الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل ...
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
- لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
- هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
- أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال
- في أفول نجمة عراقية
- في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء ...
- رواية -ما تخيله الحفيد-... رحلة سردية في دهاليز الذاكرة والم ...
- بغداد: ذاكرةٍ تمشي على قدمين ومدينة تبحث عن نفسها
- حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة
- واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر
- السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ سافر في شؤ ...
- محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحا ...


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل