أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء بغداد التي لا تموت















المزيد.....

في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء بغداد التي لا تموت


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 09:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس للمدن العظيمة أعمارٌ تُقاس بالسنين، بل بالكتب التي مرّت بين أيدي أبنائها، وبالأصوات التي تعالت في مقاهيها، وبالأسئلة التي لم تكفّ عن طرحها في وجه العتمة. وبعض الأمكنة لا تكون جغرافيا فحسب، بل ذاكرةً حيّة تمشي على أرصفةٍ ضيقة وتتنفّس من بين رفوف الكتب. في بغداد، كان -وما يزال- هناك مكانٌ يشبه القلب حين يخفق، ويشبه الروح حين تبحث عن معنى: شارع المتنبي.
في صباحاته، كان الضوء يتسلل برفقٍ إلى الواجهات الخشبية العتيقة، فيوقظ عناوين الكتب قبل أن يوقظ أصحابها. وعلى أرصفته، كانت الأكفّ تتقافز بين المجلدات كما لو أنها تفتش عن جزءٍ ضائع من الذات. لم يكن الشارع مجرد سوقٍ لبيع الورق؛ كان مختبراً يومياً للأفكار، وساحةً مفتوحةً للجدل، ومنبراً لمن لا منبر لهم.
في مثل هذا اليوم، قبل تسعة عشر عاماً، لم يكن شارع المتنبي، مجرّد معبر ضيق من طوب وجص، تعود جذوره إلى أواخر العصر العباسي، في قلب العاصمة بغداد، بل كان خلاصة تاريخ ثقافيّ طويل، وامتداداً لذاكرةٍ بدأت منذ أن كانت المدينة عاصمة للكتاب والعلم. كان القلب الثقافي النابض للعراق، وشريانه الذي يغذي العقول ويمنح الأرواح فسحة للأمل.
هناك، حيث تختلط رائحة الورق العتيق بالحبر الساخن، وتتجاور طبعاتٌ أولى مع كتبٍ مدرسية بسيطة، وحيث يتجادل طالبٌ شاب مع أستاذٍ مخضرم حول بيت شعرٍ أو فكرةٍ فلسفية، دوّى انفجارٌ هائل لسيارةٍ مفخخة قادها انتحاري. في لحظةٍ خاطفة، انقلبت الأصوات إلى صمتٍ ثقيل، وتحول المكان الذي اعتاد أن يحتضن الحياة إلى مشهدٍ مروّع من الدخان والركام. سقط أكثر من مئة إنسان بين شهيدٍ وجريح، وتكسّرت نوافذ الذاكرة كما تكسّرت واجهات المكتبات.
لم يكن ذلك اليوم مجرد حادثةٍ دامية؛ كان محاولةً لاغتيال المعنى نفسه. فحين يُستهدف مكانٌ مثل شارع المتنبي، فإن المستهدف ليس حجارةً أو رفوفاً، بل فكرة الحرية التي يمثلها، والحق في السؤال، وكرامة الكلمة.
كان الشارع قد سُمّي عام 1932 في عهد الملك فيصل الأول، تخليداً لاسم الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي، الذي جعل من الكلمة سيفاً ومن القصيدة موقفاً. ومنذ ذلك الحين، صار الاسم قدراً، وصار الشارع امتداداً رمزياً لذاك الصوت الذي لم يساوم على علوّ شأن الفكر.
وعلى مدى عقود، ظلّ المكان ملتقى الأدباء والمفكرين والصحفيين والطلبة. لم تكن مكتبته مجرد محلٍّ للبيع، بل مجلساً مفتوحاً. كانت الأرصفة منصاتٍ للنقاش، وكانت الكتب تُتداول كما تُتداول الأخبار. هناك، كان العراق يقرأ نفسه.
في الخامس من آذار 2007، التهمت النيران واحدة من أقدم مكتبات بغداد، مكتبة "العصرية". احترقت رفوفٌ احتضنت أندر الطبعات، وتفحّمت مخطوطات كانت شاهدةً على تحولات الدولة والمجتمع. لم تحترق أوراقٌ فحسب؛ احترقت سنواتٌ من البحث، وأحلامُ كتّابٍ لم يكتمل مشروعهم، وذكريات قرّاءٍ احتفظوا بين تلك الصفحات بأسرار أعمارهم.
وتصدّع أيضاً مقهى الشابندر، المقهى الذي تأسّس عام 1917، والذي تحوّل بفعل موقعه وتاريخه إلى صالونٍ ثقافي وسياسي مفتوح. على طاولاته جلس سياسيون بارزون مثل كامل الجادرجي، وترددت في فضائه قصائد معروف الرصافي ومحمد مهدي الجواهري، وتقاطعت فيه أفكار جيلٍ كامل من المثقفين الذين صنعوا ملامح الوعي العراقي الحديث.
ومنذ عام 1963، تولّى الحاج محمد الخشالي إدارة المقهى، فصار المكان على يديه بيتاً مفتوحاً للكلمة الحرة. لم يكن روّاده يحتسون الشاي فحسب، بل كانوا يحتسون الحوار، ويتدرّبون على الإصغاء، ويختلفون دون أن يتخاصموا.
غير أن الفاجعة بلغت ذروتها حين فقد الخشالي خمسةً من أبنائه دفعةً واحدة: بلال، ومحمد، وكاظم، وغانم، وقتيبة. كانوا تفاصيل الحياة اليومية للمقهى، وامتداد صوته في ضجيج الشارع. برحيلهم، لم يفقد أبٌ أبناءه فقط؛ فقد المكان جزءاً من روحه. وتحت وطأة الحزن، فقدت والدتهم بصرها وأصابتها أزمات صحية متلاحقة، قبل أن تلحق بهم بعد ستة أشهر، كأن الحزن كان ناراً أحرقت القلب والبصر معاً.
كان المقصود من التفجير أن يتحول الشارع إلى ذكرى، وأن يصير اسمه مرادفاً للخوف. لكن ما حدث كان العكس. فبعد أن انقشع الدخان، بدأ الناس يعودون. عاد باعة الكتب إلى أرصفتهم، وعاد القرّاء صباح كل جمعة، كأنهم يعلنون طقساً جماعياً لاستعادة الحياة. أُعيد ترميم المباني، وأُعيد فتح المكتبات، وعاد شارع المتنبي يضجّ بالأصوات من جديد.
لقد أثبت الشارع أن الثقافة في العراق ليست ترفاً، بل مقاومة صامتة. وأن الكتاب، مهما احترق، يولد من جديد في كل مرة يُفتح فيها. وأن المقاهي، وإن تهدّمت جدرانها، تبقى عامرة بأرواح من مرّوا فيها.
بعد تسعة عشر عاماً، يبقى الخامس من آذار 2007 يوماً أسود في سجل العنف في تاريخ العراق الحديث. لكنه أيضاً يومٌ يذكّر بأن بغداد، المدينة التي عرفت الغزو والحصار والانكسار، تعرف كذلك كيف تنهض. كطائر الفينيق الأسطوري، تنفض رمادها وتستعيد أجنحتها.
يبقى شارع المتنبي علامةً مضيئة في ذاكرة الوطن، شاهداً على أن حضارة الأمم لا تُقاس بسلامة حجارتها، بل بقدرتها على حماية كتبها، وعلى إعادة فتح أبوابها كلما حاول الخراب أن يغلقها.
فما دام هناك قارئٌ يبحث عن كتاب، وشاعرٌ يبحث عن منبر، وشابٌ يفتّش عن فكرةٍ جديدة، فإن شارع المتنبي سيظلّ قلب بغداد الذي لا يتوقف عن الخفقان.
في كل جمعة، حين تكتسي الأرصفة بحُلّة الكتب من جديد، يأخذ المشهد طابع بعثٍ صغير. يدٌ تمتدّ بشوق إلى كتاب، وعينٌ تتلألأ بومضة فكرة، وشابٌ يُجادل في ثمن ديوان شعر، وشيخٌ يتصفح التاريخ بطمأنينة العارف. هناك، في قلب هذا المشهد، يتجدد الميثاق بين بغداد وروحها: أن تظل وطناً للمعنى، مهما اشتدت حولها العواصف.
إن الذين رحلوا في ذلك اليوم لم يختفوا في العدم؛ صاروا جزءاً من ذاكرة المكان، من هوائه، من صوته الخفيض في المساء. كل ضحكةٍ تعلو في مقهى الشابندر، كل كتابٍ يُباع ويُقتنى، كل نقاشٍ يحتدم ثم يهدأ، هو استمرارٌ خفيّ لأولئك الذين أرادوا للحياة أن تنتصر.
بعد تسعة عشر عاماً، لا نقف عند الذكرى لنستعيد الألم فحسب، بل لنستعيد المعنى. فبغداد التي أنجبت العلماء والشعراء، والتي عرفت الانكسار كما عرفت المجد، لا تترك كتابها وحيداً، ولا تغلق مقهاها الأخير، ولا تسلّم قلبها للعتمة.
سيبقى شارع المتنبي عنقاء بغداد. كلما ظنّ الخراب أنه أطفأه، اشتعل أكثر. وكلما حاول الموت أن يكتب سطوره الأخيرة، ردّت الحياة بصفحةٍ جديدة.
فهنا، على هذه الأرصفة الضيقة، تعلّم العراقيون أن الثقافة ليست ترفاً، بل نجاة. وأن الكلمة، مهما حوصرت، تجد طريقها إلى الضوء. وأن المدن التي تحرس كتبها… تحرس مستقبلها.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية -ما تخيله الحفيد-... رحلة سردية في دهاليز الذاكرة والم ...
- بغداد: ذاكرةٍ تمشي على قدمين ومدينة تبحث عن نفسها
- حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة
- واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر
- السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ سافر في شؤ ...
- محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحا ...
- في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. ال ...
- هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية وتكالب الأحزاب؟ العرا ...
- هل بستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيا ...
- المرأة العراقية: قراءة في الإسهام السياسي والثقافي والاجتماع ...
- هل العراق قادر على اللحاق بالرَّكب الرقمي؟
- هل تصلح الديمقراطية في نظام طائفي؟ قراءة في الحالة العراقية
- ما جدوى معارض الكتاب في زمن الذكاء الاصطناعي؟
- حين يتحوّل استهداف البنى التحتية إلى عقاب جماعي: حقل كورمور ...
- الطائفية في العراق: حكاية ظلٍّ طويل
- الفقر في العراق: مأساة في بلد الثراء
- في ذكرى رحيل مؤيد الراوي.. ذكريات متأخرة
- مأزق المكوَّن المسيحي في العراق: قراءة في محنة الوجود والذاك ...
- برلمان بلا بوصلة: حين يتحول المنصب إلى غاية في ذاته
- الثقافة والفن جسراً للهوية الوطنية في العراق


المزيد.....




- دانتيل شفاف ومكياج غوثي.. بيلا حديد بإطلالة مغرية في باريس
- ارتفاع عدد القتلى في إيران لأكثر من 1100 قتيل
- الجيش الإيراني ينفي إطلاق صاروخ صوب تركيا: -نحترم سيادة الدو ...
- تركي الفيصل يعدد 3 أجندات -كارثية- تواجهها المنطقة.. وهذا ما ...
- وصول أول رحلة إجلاء ألمانية من الشرق الأوسط إلى فرانكفورت
- الزعيم الكوري الشمالي يشرف على اختبار لمدمرة بحرية متطورة شم ...
- نيويورك تايمز: خطاب التحرير رخيص ولعبة ترمب بإيران خطيرة
- استشهاد قيادي من حماس بضربة إسرائيلية في شمال لبنان
- السعودية: اعتراض 3 صواريخ و4 مسيّرات إيرانية في الخرج والجوف ...
- البروتين في وجباتنا.. 5 حقائق وخرافات يوضحها الخبراء


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء بغداد التي لا تموت