أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر















المزيد.....

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 09:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست واشنطن بوست مجرد صحيفة أمريكية كبرى، بل إحدى المؤسسات التي ساهمت في تشكيل الوعي السياسي الحديث للولايات المتحدة، وأعادت، في لحظات مصيرية، تعريف دور الصحافة بوصفها سلطة رقابية مستقلة. لذلك، فإن ما تشهده اليوم من تسريحات جماعية، وإيقاف مراسلين، واستقالات في قمة هرمها الإداري، لا يمكن قراءته كحدث إداري عابر، بل كتحوّل عميق في ماهية الصحافة ذاتها.
من صحيفة محلية إلى صوت وطني
تأسست واشنطن بوست عام 1877 كصحيفة محلية في عاصمة القرار الأمريكي. في بداياتها، لم تكن تختلف كثيراً عن غيرها من صحف القرن التاسع عشر، لكنها سرعان ما تشبعت بطبيعة المدينة التي تصدر منها: مدينة السياسة والبيروقراطية والصراع بين السلطات. منحها، هذا الموقع الجغرافي أفضلية معرفية، لكنها لم تتحول إلى مؤسسة مؤثرة إلا عندما قررت أن تتجاوز نقل الأخبار إلى تفكيك السلطة.
جاء التحول المفصلي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، في عهد كاثرين غراهام، أول امرأة تقود صحيفة كبرى في الولايات المتحدة. في تلك المرحلة، لم تكتفِ واشنطن بوست بالاقتراب من السلطة، بل دخلت في مواجهة مباشرة معها، وأرادت أن تختبر شجاعتها: فنشرت "أوراق البنتاغون"، متحدّية الإدارة الأمريكية، وقادت، عبر تحقيقات بوب وودوورد وكارل برنستين، كشف فضيحة ووترغيت، التي انتهت باستقالة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1974. هنا، لم تنتصر الصحيفة على رئيس فحسب، بل رسّخت مفهوم الصحافة الاستقصائية كركيزة للديمقراطية. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت واشنطن بوست مرجعاً أخلاقياً ومهنياً، لا مجرد منصة للأخبار.
ما بعد الحرب الباردة: صحافة التأثير العالمي
في العقود اللاحقة، وسّعت الصحيفة حضورها الدولي، وامتلكت شبكة مراسلين في مناطق النزاع من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية. لعبت دوراً بارزاً في تغطية الحروب الأمريكية وتداعياتها، وكشف تجاوزات الاستخبارات، وتحليل السياسات الاقتصادية والاجتماعية بعمق مؤسسي. في تلك المرحلة، مثلت واشنطن بوست صحافة "الدولة العميقة" بمعناها المهني: قريبة من مراكز القرار، لكنها غير خاضعة لها.
استحواذ جيف بيزوس: المال ينقذ لكنه يغيّر
اشترى جيف بيزوس، مؤسس أمازون، الصحيفة عام 2013، في خطوة رآها كثيرون إنقاذاً لمؤسسة تواجه أزمة مالية خانقة. وقد وفّر الاستحواذ استقراراً مالياً نسبياً، واستثمر في التحول الرقمي. لكن المال، حين يدخل غرفة الأخبار، لا يكون محايداً تماماً. فمع مرور الوقت، بدأ يتجلى توتر صامت بين منطق الصحافة ومنطق السوق: أولوية للمحتوى القابل للاشتراك، وضغط متزايد على غرف التحرير لتقليل التكاليف، وإعادة تعريف "الخبر المهم" وفق لتفاعل الجمهور لا لضرورته العامة.
الأزمة الراهنة: حين تتراجع الذاكرة المؤسسية
في شباط (فبراير) 2026 أعلنت الصحيفة خطة لخفض عدد موظفيها بشكل كبير، طالت ما يقارب 300 موظف، أي حوالي ثلث العاملين فيها، طالت طواقم كاملة مثل قسمي الرياضة والكتب ، وصحفيين يغطّون مناطق كالشرق الأوسط وأوكرانيا. هؤلاء لم يكونوا مجرد أرقام إحصاء إداري، بل حاملين لخبرات متراكمة من ساحات النزاع والتغطية الميدانية. بعضهم نشر رسائل وداع مؤثرة تحدثت عن "رحيل هوية مهنية".
تمثل هذه التسريحات، خاصة في الأقسام الدولية، نزيفاً للخبرة والذاكرة المؤسسية. فالصحافة لا تُقاس بعدد الزيارات فحسب، بل بعمق الفهم والاستمرارية.
ردًا على موجة التسريحات والانتقادات العنيفة من داخل غرف التحرير وخارجها، استقال رئيس الصحيفة التنفيذي والناشر ويل لويس، الذي تولى المنصب عام 2023 بهدف إعادة هيكلة المؤسسة وتحسين وضعها الاقتصادي، لكنه وجد نفسه وسط انتقادات لأسلوبه في الإدارة، لا سيما غيابه عن إعلان التسريحات واتهامات بتقليل الدعم للصحفيين.
بعد استقالة لويس مباشرة، أعلن تعيين جيف دونوفريو (المدير المالي السابق) ”ناشراً ورئيساً تنفيذياً بالنيابة"، في محاولة لإعادة توجيه الصحيفة واستقرارها بعد زلزال المغادرين والمنتقدين.
تشير استقالة القيادة إلى اعتراف غير مباشر بفشل إدارة التوازن بين الاقتصاد والدور العام. فعندما تُدار صحيفة بتاريخ واشنطن بوست بعقلية شركة تقنية، تتحول الحقيقة إلى بند في الميزانية، لا قيمة عليا.
وكان جيف بيزوس قد أجرى سابقاً تغييرات في السياسة التحريرية، بما في ذلك تعديل صفحات الرأي للدفاع عن "الحريات الشخصية والأسواق الحرة"، مما أثار جدلاً حول استقلالية التغطية وحرية التعبير. كما أدّت موجة من القرارات في عامي 2024–2025، من بينها امتناع الصحيفة عن تأييد مرشح في الانتخابات الرئاسية، إلى خسارة اشتراكات وربما ثقة بعض القرّاء، ما زاد الضغوط الداخلية والخارجية على الإدارة الحالية.
أن هذه التطورات تعتبر صدمة في الوسط الصحفي الأمريكي والعالمي، لأنها تجسد اندفاع المؤسسات الإعلامية التقليدية نحو إعادة هيكلة جذرية، وصراع بين من يراه خطوة ضرورية في العصر الرقمي ومن يعتبره تراجعاً عن دور الصحافة في مراقبة السلطة، ويخلق نقاشاً حاداً حول استقلالية المؤسسة الإعلامية عند تدخل المالكين وأولويات السوق.
تركيبة هذه التغييرات تمنح صورة واضحة عن التحديات التي تواجه الإعلام التقليدي اليوم، بين الحفاظ على الهوية المهنية والبقاء اقتصادياً في عصر المعلومات الرقمية. وهي ليست مجرد أزمة داخل مؤسسة إعلامية كبرى، بل علامة فارقة في تحوّل أوسع يضرب قلب الصحافة الغربية.

ما يحدث اليوم يطرح أسئلة مقلقة: هل ما زالت الصحافة قادرة على تمويل التحقيقات التي تُغضب السلطة؟ وهل يمكن لمؤسسة إعلامية كبرى أن تبقى مستقلة وهي مملوكة لأحد أبرز رواد الأعمال في العالم؟ وهل مازالت الصحافة قادرة على مراقبة السلطة في عصر المنصات والخوارزميات؟ وهل يتحمل القارئ جزءاً من المسؤولية حين يفضّل السرعة على العمق؟
الخطر الحقيقي ليس في إغلاق مكاتب أو تسريح صحفيين، بل في تطبيع فكرة أن الصحافة وظيفة خدمية لا دوراً ديمقراطياً.
خاتمة: ما وراء الأرقام، ذاكرة تتبخر
واشنطن بوست لم تكن مجرد صحيفة ناجحة، بل كانت ذاكرة سياسية حية، وشاهداً على قدرة الكلمة على محاسبة أقوى الرجال في الدولة. إن تقليص التغطية الدولية يعني عملياً انسحاب عين صحيفة محترفة من مساحات ملتهبة. فحين تُدار التغطية من غرف أخبار بعيدة، تتحول الحروب إلى أرقام وتصريحات مجردة، لا قصص إنسانية. ويؤدي الأعتماد على وكالات الأنباء بدل التحقيق الميداني، إلى اختلال التوازن الجغرافي وتسطيح السرد.
لطالما كانت واشنطن بوست جزءاً من "السلطة الرابعة"، لا مراقباً محايداً فحسب، بل خصماً عنيداً للسلطة حين يلزم. ما يحدث اليوم يهدد هذا الدور بثلاث طرق: تقليص التحقيقات الاستقصائية مكلفة الوقت والجهد، وتخفيف نبرة النقد خوفاً على الإيرادات، وتسويق "الصمت" كحياد في أوقات تستدعي المواقف الواضحة.
التحدي الأكبر، إذن، ليس بقاء واشنطن بوست كعلامة تجارية، بل بقاء الفكرة التي تمثلها: أن الصحافة حجر الزاوية في مساءلة السلطة، بغض النظر عن ثمن ذلك.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ سافر في شؤ ...
- محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحا ...
- في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. ال ...
- هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية وتكالب الأحزاب؟ العرا ...
- هل بستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيا ...
- المرأة العراقية: قراءة في الإسهام السياسي والثقافي والاجتماع ...
- هل العراق قادر على اللحاق بالرَّكب الرقمي؟
- هل تصلح الديمقراطية في نظام طائفي؟ قراءة في الحالة العراقية
- ما جدوى معارض الكتاب في زمن الذكاء الاصطناعي؟
- حين يتحوّل استهداف البنى التحتية إلى عقاب جماعي: حقل كورمور ...
- الطائفية في العراق: حكاية ظلٍّ طويل
- الفقر في العراق: مأساة في بلد الثراء
- في ذكرى رحيل مؤيد الراوي.. ذكريات متأخرة
- مأزق المكوَّن المسيحي في العراق: قراءة في محنة الوجود والذاك ...
- برلمان بلا بوصلة: حين يتحول المنصب إلى غاية في ذاته
- الثقافة والفن جسراً للهوية الوطنية في العراق
- -تُصَنعّون من الحمقى قادة. ثم تسألون: من أين أتى الخراب؟-
- بين المال والسلاح: هل تُسرق الانتخابات العراقية القادمة؟
- هل العراق بحاجة إلى منظمات مجتمع مدني مستقلة؟
- التعليم جرحٌ مفتوح يهدد مستقبل الوطن


المزيد.....




- -عارٌ عليكِ!-.. مشادة بين نائب بالكونغرس والمدعية العامة بام ...
- من حانة متواضعة إلى شهرة عالمية.. طبق يصنع قائمة انتظار لأرب ...
- بريطانيا.. وزير خارجية سابق يطالب ستارمر بالاستقالة بسبب -فض ...
- من وراء الكواليس.. كيف يختار الأثرياء ملابسهم الفاخرة؟
- رسائل من البحر الأحمر.. إسرائيل تنفذ تمرينًا عسكريًا في إيلا ...
- صدمة في كندا بعد إطلاق نار جماعي في ثانوية تمبلر ريدج
- -عائد إلى غزة-.. شهادات عن اجتياز معبر رفح: الجيش الإسرائيلي ...
- -مؤسسة غزة الإنسانية- الأمريكية أمام دور جديد في القطاع.. هل ...
- بنغلادش تجري أول انتخابات بعد ثورة -الجيل زد- لطي صفحة حكم ا ...
- عودة 46 فلسطينيا إلى غزة عبر معبر رفح


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر