أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جورج منصور - بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل














المزيد.....

بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 18:15
المحور: كتابات ساخرة
    


في تلك السنوات الثقيلة من الحرب العراقية الإيرانية، كنتُ أعيش في طهران كما يعيش الظل على هامش الضوء؛ بلا أوراق تثبتني، وبلا اسمٍ يعترف بي أحد. كنتُ أمشي في شوارع المدينة كأنني فكرة عابرة، أستقل سيارات الأجرة، أراقب الوجوه، وأتعلّم كيف يكون الإنسان موجوداً… دون أن يكون.
راودتني فكرة صغيرة، لكنها بدت لي يومها بحجم خلاصٍ كامل: بطاقة مكتبة. مجرد بطاقة من اتحاد الشبيبة الآشوري، لا قيمة لها إلا استعارة الكتب. لكنني كنت أبحث فيها عن شيء آخر، عن أثرٍ مادي يقول إنني هنا، إن لي اسماً وصورة، حتى وإن كان اسماً مستعاراً.
حملتُ صورتي الشخصية، ومضيتُ إلى هناك. كان المكان مألوفاً، وقد اعتدتُ ارتياده مع خطيبتي (زوجتي الحالية)، التي كانت واحدة من أولئك الذين يمنحون المكان حياةً لا تُرى. المناسبات، الضحكات، الأحاديث… كلها كانت تمنحني وهماً بالانتماء.
تقدّمتُ نحو طوني، مسؤول المكتبة، الرجل الذي يعرفني جيداً، أو هكذا ظننت. مددتُ له الصورة وقلتُ ببساطة.
_ أريد بطاقة مكتبة.
نظر إليّ، لا كمن يسمع طلباً عادياً، بل كمن يواجه سؤالاً لا يجوز طرحه. فجأة تغيّر وجهه، وارتفع صوته كأنني طلبتُ المستحيل:
!. _ لا يمكن! أنت لست إيرانياً… أنت عراقي
تكسّرت كلماته في داخلي، لا لأنها قاسية، بل لأنها كانت صادقة أكثر مما ينبغي. حاولتُ أن أشرح، أن ألتفّ على الحقيقة، أن أجد ثغرة صغيرة في جدار القوانين… لكنه كان جداراً بلا شقوق. خرجتُ من هناك، لا بلا بطاقة فحسب، بل بلا وهمٍ أيضاً.
***
في يومٍ آخر، وأنا عائد من درسٍ خاص، كنتُ أعلّم فتاة إيرانية اللغة العربية، تستعد لامتحانات "الكونكور"، أي البكالوريا في العراق.
كان المساء يهبط ببطء، وكنتُ أفكر في مفرداتٍ لم تفهمها، حين صادفتُ سامي.
كان واحداً من أولئك الذين تعرفهم الحياة صدفة، ثم تضعهم في طريقك مراراً دون سبب. شاب من عائلة كردية فيلية، كنتُ أزورهم أحياناً، ونجلس في أحاديث لا تبدأ من مكان محدد ولا تنتهي عند معنى واضح.
بعد التحية، قال لي وكأنه يلقي خبراً عادياً:
_ زين شفتك… باجر مسافر إلى الجزائر.
توقفتُ لحظة، ثم سألت:
_ ليش؟
_ أختي هناك… شافت لي شغل.
_ خيرشنو الشغل؟
_ أستاذ جامعة.
انفجرتُ ضاحكاً. ضحكٌ طويل، صادق، حتى كدتُ أنسى أنني أنا من يضحك. لكنه لم يضحك. ظلّ ينظر إليّ بثباتٍ غريب، حتى أدركتُ أن الأمر ليس نكتة.
_ جديات، قالها بهدوء.
توقفتُ عن الضحك، لكن الدهشة لم تتوقف.
_ شنو راح تدرّس؟
_ قانون… بكلية الحقوق.
شعرتُ أن العالم انقلب فجأة إلى مسرح عبثي.
_ مو أنت كنت شرطي بالعراق؟
_ إي، صحيح.
_ زين… شلون صرت دكتور قانون؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها شيء من الفخر وشيء من السر:
"كوجه مروي". _ أخذت شهادة دكتوراه من



سكتُّ لحظة. الاسم وحده كان كافياً ليفتح أبواب الشك كلها. مكان تُصنع فيه الهويات والوثائق والجوازات كما تُصنع الأحذية… حسب المقاس.
_ شلون راح تدرّس؟
عادي… قالها ببساطة مدهشة. أعرف شوية قوانين من أيام الشرطة… والباقي أقراه قبل الدرس.
لم يكن يمزح. لم يكن قلقاً. كان يتحدث عن الأمر كما لو أنه رحلة عادية، لا قفزة في المجهول.
راقبته وهو يتحدث، وفكرتُ: أنا الذي عجزتُ عن الحصول على بطاقة مكتبة… وهو ذاهب ليصبح أستاذاً جامعياً بشهادة مزورة.
في تلك اللحظة، بدا العالم غير عادلٍ على نحوٍ ساخر. أو ربما… كان عادلاً بطريقته الخاصة، حيث لا تُقاس الأشياء بما هي عليه، بل بما تستطيع أن تدّعيه.
سافر سامي في اليوم التالي، إلى الجزائر، كما قال. وانقطعت أخباره، كما تنقطع الحكايات التي لا تجد نهايةً تليق بها.
أما أنا، فبقيتُ في طهران، بلا بطاقة… لكن بوعيٍ أثقل، يعرف أن الهوية ليست دائماً ما نحمله، بل ما يُسمح لنا أن نكونه.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
- عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
- الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل ...
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
- لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
- هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
- أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال
- في أفول نجمة عراقية
- في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء ...
- رواية -ما تخيله الحفيد-... رحلة سردية في دهاليز الذاكرة والم ...
- بغداد: ذاكرةٍ تمشي على قدمين ومدينة تبحث عن نفسها
- حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة
- واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر
- السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ سافر في شؤ ...
- محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحا ...
- في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. ال ...
- هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية وتكالب الأحزاب؟ العرا ...
- هل بستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيا ...
- المرأة العراقية: قراءة في الإسهام السياسي والثقافي والاجتماع ...


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جورج منصور - بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل