أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - سيفو بعد مئة وإحدى عشرة سنة: ذاكرة الدم التي لم تمت















المزيد.....

سيفو بعد مئة وإحدى عشرة سنة: ذاكرة الدم التي لم تمت


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 17:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في هذه الأيام تحل الذكرى الحادية عشرة بعد المئة لمذابح "سيفو"، تلك المأساة التي تعرض لها السريان والآشوريون والكلدان، إلى جانب مسيحيي الدولة العثمانية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. وبعد مرور أكثر من قرن على تلك الأحداث الدامية، ما زالت الذاكرة الجمعية لشعوب المنطقة تحمل جراحاً لم تندمل، فيما يواصل أحفاد الضحايا المطالبة بالاعتراف التاريخي والإنساني بتلك الجريمة.
ففي الحادي عشر من حزيران (يونيو) من كل عام، يستذكر السريان والآشوريون والكلدان في مختلف أنحاء العالم واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخ الشرق الحديث: مذابح "سيفو". وهذا العام إذ تحل ذكراها الحادية عشرة بعد المئة، يعود السؤال الأخلاقي والتاريخي إلى الواجهة بإلحاح: كيف يمكن لجريمة بهذا الحجم أن تبقى خارج دائرة الوعي العالمي، الذي يتحدث كثيراً بالدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة والذاكرة؟
كلمة "سيفو" في اللغة السريانية تعني "السيف"، وقد تحولت إلى رمز لموجة واسعة من القتل والتهجير والإبادة اجتاحت مناطق طور عابدين وهكاري وأورمية وديار بكر وماردين ونصيبين وغيرها من المدن والقرى التي شكلت لقرون طويلة موطناً تاريخياً للسريان والآشوريين والكلدان. كانت تلك المناطق تزخر بأديرة عريقة وكنائس ومدارس وتراث ثقافي ولغوي يعود لآلاف السنين، لكن سنوات الحرب غيّرت وجه تلك المناطق إلى الأبد.
لم تكن المأساة مجرد أعمال عنف متفرقة فرضتها ظروف الحرب، كما حاول البعض تصويرها لاحقاً، بل عملية منظمة أدت إلى اقتلاع جماعات سكانية بأكملها من جذورها التاريخية. ففي تلك المناطق، تعرضت مئات القرى والبلدات للهدم والتدمير، وأُحرقت الكنائس والأديرة، وقُتل رجال الدين والمدنيون، بينما سُيقت آلاف العائلات في مسيرات تهجير قاسية، انتهى كثير منها بالموت جوعاً أو مرضاً أو رمياً بالرصاص.
تشير غالبية الدراسات التاريخية إلى أن مئات الآلاف من المدنيين قتلوا خلال سنوات 1914 – 1918، فيما تتراوح تقديرات ضحايا السريان والآشوريين والكلدان بين 250 ألفاً و300 ألف إنسان. ويذهب عدد من الباحثين إلى أن أكثر من نصف الوجود السرياني والآشوري في بعض المناطق التاريخية قد اختفى خلال سنوات قليلة فقط.
ليست سيفو حادثة تاريخية عابرة يمكن إيداعها في أرشيف الماضي وإغلاق ملفها، بل جرح حضاري وإنساني يكشف كيف يمكن للتعصب القومي والديني أن يتحول إلى آلة تدمير تستهدف الإنسان بسبب هويته وانتمائه. فقد خسرت شعوب بأكملها عشرات الآلاف من أبنائها، ودُمرت قرى ومدن، وتشكلت موجات واسعة من الشتات ما تزال آثارها حاضرة حتى يومنا هذا.

ويشير عدد من الباحثين إلى أن أكثر من نصف الوجود السرياني والآشوري في بعض مناطقه التاريخية اختفى خلال سنوات قليلة فقط. كما أدت المذابح وما تبعها من نزوح جماعي إلى نشوء واحدة من أكبر موجات الشتات في تاريخ هذه الشعوب، حيث استقر الناجون وأبناؤهم في العراق وسوريا ولبنان، ثم في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا.
ومع أن الزمن مضى، فإن أهمية إحياء ذكرى سيفو لا تكمن فقط في تكريم الضحايا أو استذكار آلامهم، بل في الدفاع عن الحقيقة التاريخية نفسها. فالأمم التي تنكر مآسي الماضي تترك الباب مفتوحاً أمام تكرارها، بينما يشكل الاعتراف بالجرائم ومواجهة الوقائع بشجاعة خطوة أساسية نحو المصالحة والعدالة وبناء مستقبل أكثر إنسانية.
لقد شهد القرنان العشرون والحادي والعشرون مذابح وجرائم إبادة جماعية في أماكن مختلفة من العالم، ما يؤكد أن الكراهية لا تزال قادرة على إنتاج المآسي متى ما وجدت بيئة مناسبة من التعصب والتمييز والصمت الدولي. ومن هنا فإن استذكار سيفو لا يخص السريان أو الآشوريين أو الكلدان وحدهم، بل يمثل رسالة عالمية ضد جميع أشكال الاضطهاد الديني والقومي والعنصري.
لا تُقاس المأساة بعدد الضحايا فحسب، بل أيضاً بما خسرته الإنسانية من تراث وثقافة وتنوع. فقد كانت مناطق المشرق، عبر قرون طويلة، نموذجاً لتعدد اللغات والثقافات والأديان. وعندما تعرض أحد مكونات هذا النسيج التاريخي للاستئصال أو التهجير، لم تكن الخسارة تخص جماعة بعينها، بل أصابت المنطقة بأسرها. إن اختفاء قرى تاريخية، وتراجع استخدام اللغة السريانية في مواطنها الأصلية، واندثار كثير من التقاليد والعادات المحلية، كلها نتائج بعيدة المدى لمأساة سيفو.
ومن المؤلم أن كثيراً من أبناء الأجيال الجديدة لا يعرفون سوى القليل عن هذه الأحداث، رغم أنها شكلت محطة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ولذلك تزداد مسؤولية الباحثين والمؤرخين والمؤسسات الثقافية والإعلامية في توثيق الوقائع وحفظ الشهادات ونقل الذاكرة إلى الأجيال المقبلة بعيداً عن التسييس أو المبالغة أو التوظيف الأيديولوجي.
وإذا كانت الإبادة الأرمنية قد حظيت باهتمام دولي واسع نسبياً خلال العقود الماضية، فإن مأساة سيفو بقيت لفترة طويلة على هامش السردية العالمية للحرب العالمية الأولى، رغم أن الوقائع التاريخية تظهر أن ضحاياها كانوا جزءاً من الموجة نفسها من العنف الجماعي التي اجتاحت المسيحيين في الأناضول وبلاد ما بين النهرين. ولهذا شهدت العقود الأخيرة نشاطاً متزايداً من قبل مؤرخين ومؤسسات أكاديمية ومنظمات حقوقية لإعادة إدراج سيفو في الذاكرة التاريخية العالمية باعتبارها إحدى كبرى الجرائم الجماعية في القرن العشرين.
لقد أدرك العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، أن إنكار الجرائم لا يقل خطورة عن ارتكابها. فالإنكار يقتل الضحايا مرة ثانية، ويمنح الجلاد فرصة للهروب من المسؤولية التاريخية. ومن هنا فإن مطلب الاعتراف بمذابح سيفو لا ينطلق من رغبة في الانتقام أو استحضار صراعات الماضي، بل من الإيمان بأن العدالة تبدأ بالاعتراف بالحقيقة.

وتأتي الذكرى الحادية عشرة بعد المئة لسيفو في وقت ما تزال فيه المجتمعات المسيحية المشرقية تواجه تحديات كبيرة بفعل الحروب والهجرة وعدم الاستقرار. وبينما تختلف الظروف التاريخية والسياسية بين الأمس واليوم، يبقى القلق على مستقبل الوجود المسيحي التاريخي في الشرق حاضراً بقوة. ولذلك يتحول استذكار سيفو إلى دعوة للحفاظ على التعددية الثقافية والدينية التي شكلت جوهر حضارة المنطقة عبر آلاف السنين.
لا يمكن إعادة الضحايا إلى الحياة، ولا استرجاع القرى التي اختفت أو العائلات التي تشتتت في المنافي، لكن يمكن الحفاظ على الذاكرة وصون الحقيقة. فالذاكرة ليست دعوة إلى الانتقام، بل جسر نحو العدالة والإنصاف، وليست استدعاء للكراهية، بل تحذير دائم من نتائجها الكارثية.
بعد مئة وإحدى عشرة سنة على سيفو، لا تزال أسماء الضحايا المجهولين تتردد في صلوات الكنائس وذاكرة العائلات المنتشرة في أنحاء العالم. وما دام هناك من يروي قصصهم ويحفظ أسماء قراهم وأديرتهم ولغتهم وتراثهم، فإن السيف الذي أراد أن يقطع جذورهم لن ينجح في محو وجودهم من التاريخ.
تبقى سيفو، في جوهرها، شهادة مؤلمة على قدرة الإنسان على ارتكاب الفظائع، لكنها في الوقت نفسه شهادة على قدرة الشعوب على البقاء والصمود وحفظ ذاكرتها. وبين الدم والذاكرة، وبين الألم والأمل، تستمر رسالة هذه الذكرى: لا سلام حقيقياً بلا اعتراف، ولا مصالحة حقيقية بلا عدالة، ولا مستقبل آمناً ما لم تتعلم البشرية من مآسي ماضيها.
إن سيفو ليست قضية تخص السريان أو الآشوريين أو الكلدان وحدهم، بل قضية إنسانية عالمية تتعلق بحق الشعوب في الحياة والأمان والكرامة. وهي تذكير دائم بأن الكراهية القومية والدينية، عندما تتحول إلى سياسة دولة أو إلى خطاب تعبئة جماهيرية، تصبح قادرة على تدمير مجتمعات وحضارات بأكملها.
ولهذا تبقى ذكرى سيفو أكثر من مناسبة تاريخية؛ إنها وقفة ضمير أمام واحدة من الصفحات السوداء في تاريخ الإنسانية، ورسالة تؤكد أن العدالة قد تتأخر، لكن الحقيقة لا تموت، وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها قادرة دائماً على الانتصار على محاولات محوها من التاريخ.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القشلة: صرح بغداد التاريخي بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع
- العراق بين تبديل الأمكنة وعجز التغيير الداخلي
- الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع
- الطريق إلى لولان.. حين صار الضحك مقاومة
- ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟
- يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
- الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل
- حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
- عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
- الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل ...
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
- لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
- هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
- أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال
- في أفول نجمة عراقية


المزيد.....




- ترامب ينشر صورة بالذكاء الاصطناعي: أنتم على وشك أن تصابوا با ...
- إعلامي مصري يرد على دعوة طبيب لتجربة -نظام الطيبات- على مرضى ...
- -نيويورك بوست-: باراك أوباما شو يترشح للرئاسة الأمريكية بعد ...
- زعيم المعارضة الإسرائيلية يهاجم الاتفاق المرتقب مع إيران
- الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتمال وقف عملياته في جنوب لبنان
- إزالة اسم ترامب من مركز كينيدي امتثالاً لأمر قضائي
- كوريا الشمالية: مسألة نزع السلاح النووي حُسمت إلى الأبد
- الخارجية الروسية: سنرد بشكل مؤلم إذا تعدت بولندا على ممتلكات ...
- التدفقات على الحدود الأوروبية تواصل الانحسار حتى شهر مايو بد ...
- -خطر الفراء-: العلماء يكتشفون صلة بين القطط وانفصام الشخصية ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - سيفو بعد مئة وإحدى عشرة سنة: ذاكرة الدم التي لم تمت