|
|
الطريق إلى لولان.. حين صار الضحك مقاومة
جورج منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 16:00
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
"الحياة قد حطمتني عدة مرات، رأيت اموراً لم أكن أريد أن أراها، عشتُ الحزن، الفشل، ولكن الشيء المؤكد دائماً، أنني أنهض". -نيلسون مانديلا-
في تلك الليلة، لم يكن أحدٌ منّا يظن أن صباح الأول من آيار سيولد من رحم الرصاص، لا من أغاني العمّال وأناشيدهم. كنّا، نحن الأنصار الشيوعيين المرابطين في منطقة پشت ئاشان، نعيش آخر ساعات الطمأنينة الصغيرة التي تسمح بها حياة الجبال. خلف الطواحين القديمة، حيث تنتشر مقرات المكتب السياسي والمكتب العسكري والإعلام المركزي، كانت النار المشتعلة في المواقد الطينية تبعث شيئاً من الدفء في ذلك الربيع البارد من عام 1983، بينما كان جبل قنديل يراقبنا بصمته الحجري العتيق، مكللاً بالثلج حتى أواخر نيسان. كنت قد عدتُ قبل أيام إلى إعلام المكتب العسكري، بعد أن أنهيت تدريس مادة الفلسفة في مدرسة الكوادر الحزبية. انتهت الدورة الأولى، وانتهى معها احتفال التخرج البسيط الذي أقمناه وسط تلك البراري المعزولة، حيث كان التصفيق خافتاً، لكنه صادق، وكانت الشهادات تُسلَّم بأصابع متشققة من البرد وحمل السلاح. في مساء الثلاثين من نيسان، بدا كل شيء مرتباً بعناية فقيرة. المكان الذي سيقام فيه الاحتفال بالأول من آيار جرى تنظيفه، الكلمات أُعدّت، عريف الحفل حفظ أسماء المتحدثين، وإذاعة "صوت الشعب العراقي" جهّزت برامجها الخاصة بالمناسبة، حتى النشرة الجدارية التي يصدرها فصيل الحماية، كانت معلقة على ألواح خشبية مهترئة، وقد ازدانت بعناوين عن العمال والفقراء والثورات البعيدة. لكن أكثر ما كان يشغل مخيلة الأنصار لم يكن الخطب ولا الأغاني، بل وجبة اللحم. اللحم… ذلك الكائن الأسطوري الذي غاب طويلاً عن موائدنا حتى كدنا ننسى طعمه. كان الحزب يحرص أن يمنحنا إياه في المناسبات الكبرى فقط: ذكرى تأسيس الحزب، ذكرى ثورة الرابع عشر من تموز، رأس السنة، والانتصار على الفاشية. لذلك نام الرفاق تلك الليلة وهم يحلمون بقطعة صغيرة منه، ربما لا تتجاوز حجم الكف، لكنها كافية لتعيد للروح شيئاً من بهجتها المنسية. تناوبنا الحراسات والخفارات كالمعتاد. ثم نمنا بملابسنا القتالية، ونحن ننتظر فطور الصباح: شوربة عدس في طاسة من الفافون يتقاسمها ثلاثة أنصار، مع رغيف خبز وقدح شاي لكل واحد. لا زيادة ولا نقصان. فقد كان الفقر بيننا عادًلاً على الأقل. غير أن الفجر جاء مختلفاً. قبل أن ينشق أول خيط ضوء عن السماء، دوّى صوت الحرس المناوب بين المقرات الطينة: !. - رفاق… استنفار! تهيؤ عسكري نهضنا مذعورين، نتخبط بأحذيتنا وأسلحتنا، فيما كان الظلام لا يزال كثيفاً كالدخان. ومن بعيد، جاءت أصوات الإطلاقات النارية متقطعة، كأن الجبال نفسها تتكسر. توزع الجميع على مهامهم، وذهبتُ إلى آمر الفصيل، أبو شريف. كان أبو شريف رجلاً لا يُنسى. طويل القامة بصورة غير مألوفة، حتى إنك حين تقف قربه تشعر أن الجبل نفسه أقصر منه قليلاً. وجهه نحيل، وعيناه حادتان، وصوته يخرج دائماً كأنه أمر عسكري حتى حين يمزح. قال لي وهو يحدق نحو الشرق: -رفيق، اذهب إلى پولي… واستطلع الوضع هناك. ترددت. كانت المسافة طويلة، والطريق مكشوفاً، والذهاب وحيداً وسط ذلك الفجر المضطرب أقرب إلى الانتحار. تظاهرت بأني لم أسمع جيداً، وأبطأت الحركة عمداً، فلم أتحرك نحو پولي. بعد دقائق معدودة وصلت الأخبارً: قوات الاتحاد الوطني الكردستاني شنت هجوماً مباغتاً على مواقع الحزب في منطقتي پولي وأشقولكا. وفي اللحظة ذاتها، صدرت الأوامر بحرق الوثائق وإتلاف المحاضر الحزبية قبل أن تقع في يد المهاجمين. رأيت الرفاق وهم يلقون الأوراق في النيران المرتعشة: تقارير، رسائل، أسماء، أحلام، سنوات كاملة من العمل السري… كلها تحولت خلال دقائق إلى رماد أسود يتطاير في هواء الجبل. أما مدير الإدارة، فقد كان يوزع الأرغفة على الأنصار كأننا داخل سفينة تغرق، بينما أُُفرغ مخزن الطحين والأرزاق بسرعة محمومة. وبعد أقل من عشر دقائق، وصلت الأخبار: سقطت پولي. استطاع رفاقنا الانسحاب بعد مقاومة غير متكافئة. أعداد المهاجمين كانت أكبر، وتسليحهم أفضل، فيما كان أنصارنا مرهقين ومحاصرين بالخوف والمفاجأة. بعدها بوقت قصير، جاء الأمر الأخير: -الانسحاب شرقاً. أُعطي كل منا رغيفين من الخبز الأسمر، وملأنا زمزميات الماء من النبع الجاري أسفل المقرات. حملنا أسلحتنا وحقائبنا الصغيرة، ثم بدأنا الصعود.
لم يكن أحد منا قد تهيأ لما حدث. قبل أيام فقط، كنا نقتسم الخبز والسجائر والطرقات مع أولئك الذين باغتونا بالهجوم. وفجأة صار الحليف خصماً، وصارت البنادق التي كانت تحرس ظهورنا تتعقبنا بين الوديان والممرات الضيقة. كان الجبل قاسياً بصورة لا توصف. الصعود حاد، والثلج يغطي السفوح العليا لقنديل، يلمع تحت الضوء الباهت كأنه زجاج مبعثر فوق العالم. لم نكن نعرف إلى أين نمضي تماماً، لكننا كنا نعرف شيئاً واحداً: أننا نهرب من الموت. كلما أعيتنا الأنفاس، كنا نبحث عن بقعة صخرية عارية من الثلج لكي نجلس فوقها لحظات قصيرة، ثم نعاود السير. كانت الريح تضرب وجوهنا ببرودة حادة، فيما يتصاعد بخار الأنفاس من أفواهنا مثل دخان قطار متعب. سرنا ساعات طويلة عبر سفوح جبل قنديل ووديانه العميقة. هناك، حيث تمتد غابات البلوط والعرعر على المنحدرات، وحيث تبدو القمم البعيدة عند الشروق كأنها جزر معلقة فوق بحر من الضباب. قرب إحدى القمم، سمعت صراخ رفيقات. كانت "أم ذكرى" تطلب أن تُترك في مكانها، فقد خارت قواها تماماً. لم أكن أعلم آنذاك أن هذه المرأة نفسها ستستشهد لاحقاً في بغداد، بعد أن حوصرت في أحد البيوت السرية، فاختارت أن تحرق الوثائق الحزبية ثم تحرق جسدها معها كي لا تقع بيد الأجهزة الأمنية. إلى جانبها كانت النصيرة أنسام "موناليزا"، تترنح من التعب هي الأخرى. تلك الفتاة التي سيبتلعها كمين غادر بعد سنوات قليلة في كردستان. في الحروب، لا أحد يعرف أنه يسير وسط مصائر مؤجلة. كان الليل يهبط ببطء، والضباب يتكاثف حول القمم، حتى بدا الجبل كأنه يغلق علينا منافذه واحداً بعد آخر. لم نكن نتبادل الكلام إلا نادراً. التعب جعل الأصوات خشنة ومقتضبة، فيما راحت أقدامنا تجر أجسادنا جراً. وكلما سأل أحدنا: ـ هل بقي الكثير؟ كان الجواب ذاته يتكرر: ـ مجرد بضعة كيلومترات أخرى. لكن تلك "البضعة" كانت تتمدد مثل لعنة. كانت البضعة كيلومترات التي قيل لنا إنها تقود إلى مسجد القرية، تبدو وكأنها رحلة أخرى لا نهاية لها. كنا نصعد السفوح المتعرجة من جبل قنديل بخطوات متثاقلة، فيما كانت معدنا الخاوية تقرضنا من الداخل، ويشد على صدورنا ذلك الإحباط الثقيل الذي هبط علينا فجأة، كصخرة انفلتت من أعلى الجبل. وبعد ساعات من عناء طويل، وصلنا إلى الطريق المؤدي إلى قرية سيلوان، أو سيلفان كما يسميها البعض. قرية جبلية كردية تقع داخل الأراضي الإيرانية، قرب الحدود مع كردستان العراق، بين الطرق المؤدية إلى سردشت وبيرانشهر. عند مشارف الطريق، استقبلنا عدد من الرفاق. ناول كل واحد منا كعكتين صغيرتين. أكلناهما بسرعة موجعة، كأننا نخشى أن يخطفهما منا الهواء. كان الجوع قد بدأ ينهش أجسادنا، والظمأ يحرق الحناجر، حتى بدت تلك الكعكتان كأنهما وليمة كاملة. لكن الوصول إلى القرية لم يكن نهاية الرحلة. كان علينا أن نواصل السير بضعة كيلومترات أخرى نحو مسجد قديم يقع في طرفٍ بعيد من القرية، متوارياً بين الأشجار والبيوت الحجرية. هناك فقط، أدركنا للمرة الأولى أننا نجونا… مؤقتاً. وعندما لاح لنا مسجد القرية أخيراً، صغيراً ومنخفض السقف عند حافة التلة، لم نشعر بالراحة التي توقعناها. كان التعب قد استهلك حتى قدرتنا على الفرح. هناك عرفنا النبأ الذي نزل علينا كطعنة أخرى؛ إحدى المجاميع المنسحبة من الرفاق ضلت طريقها بين الشعاب، ووقعت في الأسر، وفيها الرفيق كريم أحمد "أبو سليم" عضو المكتب السياسي، والرفيق قادر رشيد "أبو شوان" كادر متقدم على ملاك الإقليم. ساد صمت ثقيل بعد سماع الخبر. حتى أولئك الذين اعتادوا إطلاق النكات في أقسى الظروف، انكمشت وجوههم فجأة، وأخذوا يحدقون في الأرض. كان الأسر في تلك الأيام باباً مفتوحاً على المجهول؛ لا أحد يعرف إن كان الأسير سيعود، أو كيف سيعود، أو إن كان سيبقى حياً أصلاً. دخلنا المسجد الواحد تلو الآخر. كان صغيراً، أشبه بغرفة طينية قديمة أكثر منه بيتاً للعبادة. الرطوبة تلتصق بالجدران، ورائحة العفن ممزوجة بروائح بشرية قديمة تخنق الأنفاس. وحين نزعنا أسلحتنا الثقيلة، شعرنا كأننا نخلع أجزاءاً من أجسادنا. تدحرجت حقائب الظهر إلى الزوايا، فيما تمدد بعض الرفاق على الفور، وغفوا قبل أن تصل أيديهم إلى الطعام. أما الطعام نفسه، فلم يكن سوى لبن رائب بطعم حامض، وتمر يابس، وخبز محترق الحواف، لكنه بدا لنا وقتها وليمة نجاة. أذكر أنني تمددت قرب الجدار، فوق سجادة صغيرة تغير لونها حتى صار مائلاً إلى السواد، تتناثر عليها بقع داكنة من أوساخ قديمة، وكأن الماء لم يلمسها منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، لم يكن أحد يملك رفاهية الاشمئزاز. كنا منهكين إلى درجة أن الأرض القذرة بدت أكثر دفئاً من الجبل. في الخارج كانت القرية تغرق في ظلام كثيف، لا يقطعه سوى نباح متقطع لكلاب بعيدة، وصفير ريح باردة تهبط من أعالي قنديل. أما في الداخل، فقد كان النعاس يهاجمنا بعنف، كأنه إغماء جماعي. قبل أن ننام، نُقلت الرفيقات إلى بيوت القرية. قيل لنا إن بقاءهن معنا داخل المسجد حرام، وإن أهل القرية المحافظة لن يتقبلوا ذلك أبداً. لم يعترض أحد. لم يكن فينا من يملك طاقة للنقاش أو التمرد على تقاليد قرية نائية معلقة بين الصخور والخوف. وهكذا افترشنا تلك المساحة الضيقة، نحن وبنادقنا المتعبة وأحلامنا المرتبكة، بينما كان الإحباط ينام معنا، مثل رفيق إضافي لا يمكن التخلص منه. لم يكن أحدٌ منا قادراً على النوم تلك الليلة في مسجد القرية. كنا مرهقين إلى حدّ الانهيار، أجسادنا مسحوقة من السير الطويل وصعود الجبال، وأرواحنا مثقلة بأخبار الأسرى والرفاق المفقودين، لكن التعب نفسه لم ينجح في إسكات أجسادنا التي راحت تحترق بحكةٍ لا تُطاق. كان كل واحدٍ منا يتقلب فوق بطانيته الخشنة كمن ينام فوق حفنة شوك. في البداية ظننا أن الأمر بسبب العرق والوحل وقلة الاستحمام منذ أيام الهروب من پشت ئاشان، لكن الحقيقة ظهرت سريعاً عندما بدأ بعض الرفاق يخلعون فانيلاتهم الداخلية المتسخة تحت ضوء الفانوس الخافت. هناك، بين الثنيات والحوافي الداكنة، كانت جيوش القمل تتحرك بوقاحة، وقد وجدت في أجسادنا المرهقة وطناً جديداً لها. راح البعض يسبّ ويلعن، بينما أخذ آخرون يفركون قمصانهم بأظافرهم بعصبية. كان القمل يلتصق بالحواف كما لو أنه يعرف أننا لا نملك ماءً كافياً ولا وقتاً ولا حتى رفاهية الاشمئزاز. وفي تلك اللحظة شعرنا أن الحرب لا تكتفي بالرصاص والمطاردات والجوع، بل تريد إذلالنا حتى في نومنا القليل. مع انبلاج الصباح، خرج بعض الرفاق إلى ساقية قريبة يغسلون فانيلاتهم الداخلية بماءٍ بارد، علّ القمل يختفي أو يخفّ قليلاً، لكن الجميع كان يدرك أن غسل قطعة قماش لن يحلّ مشكلة أضيفت إلى سلسلة مصائبنا الثقيلة. فقد كنا لتوّنا منسحبين من مواقعنا تحت وابل النار، نجرّ خيبتنا معنا بين الوديان، ونحمل في صدورنا أخباراً متقطعة عن رفاقٍ وقعوا في الأسر، ولم يكن أحد يجرؤ على تخيّل ما الذي ينتظرهم. بعد قليل، وزّع علينا بعض خبز التنور اليابس، مع اللبن والجبن المعتّق، وقدح شاي ساخن أعاد شيئاً بسيطاً من الحياة إلى عروقنا. وبينما كنّا نأكل بصمت، ظهر رجل قصير ممتلئ الجسم، في أواسط الخمسين من عمره، يرتدي ملابس كردية فضفاضة وعمامة صغيرة. كان وجهه يحمل طيبة قروية واضحة رغم قسوة الأيام. اقترب منا مبتسماً، وبدأ يسأل كل رفيق عن مقاس قميصه.. كان اسمه سيد باقي. وقف إلى جانبي رفيقي أبو عادل البصراوي، الذي كنا نلقبه بـ"الشايب"، رغم أن روحه المرحة كانت أصغر من الجميع. قال سيد باقي بالكردية، لأنه لم يكن يعرف العربية: ـ رفاق الحزب كلفوني أن أشتري لكل رفيق قميصاً واحداً، يلبسه بينما يغسل الآخر. هزّ أبو عادل رأسه بأسى مصطنع وقال فوراً: ـ لكنني أحتاج إلى قميصين، وليس قميصاً واحداً فقط! نظر إليه سيد باقي باستغراب ورد بجدية صادقة: ـ لكن الحزب أوصى بقميص واحد فقط. حين جاء دوري أخبرتُه بمقاسي، بينما عاد أبو عادل يقول وهو يحاول أن يبدو مقنعاً: ـ أنا مقاسي ستة عشر… لذلك أقترح أن تأتيني بقميصين، كل واحد مقاس ثمانية! توقّف سيد باقي لثوانٍ وكأنه يحاول فهم المعادلة الغريبة، ثم انفجر ضاحكاً حتى اهتزّ جسده القصير كله. وضحكنا نحن أيضاً، دفعةً واحدة، كما لو أن الضحكة كانت مختبئة في صدورنا منذ زمن طويل وتنتظر من يحررها. كانت تلك، على الأرجح، أول مرة نضحك فيها منذ الثلاثين من نيسان. ضحكة قصيرة وسط الخراب، لكنها بدت لنا يومها انتصاراً صغيراً على الحزن والموت والقمل والحرب كلها. في الليلة الثانية أيضاً، لم يهبط علينا النوم إلا مثل طائرٍ خائف، يحوم فوق رؤوسنا ثم يهرب. كان القمل قد سبق التعب إلى أجسادنا، واستوطن ملابسنا بسرعة مدهشة، كأنه يعرفنا منذ زمن طويل. وكلما أغمض أحدنا عينيه، شعر بشيءٍ صغير يتحرك فوق جلده، فينهض شاتماً، يصفع عنقه أو يحك ذراعه بعصبية، بينما تمتد في العتمة همهمات التذمر والضحك المختنق. وكان الدكتور صادق، مهند البراك، أكثرنا معاناة مع هذا العدو الصغير. جلس قرب ضوء الفانوس الشحيح، وقد نزع فانيلته الداخلية، يقلبها بين أصابعه بعناية طبيب يبحث عن جرثومة نادرة تحت المجهر. كان وجهه متجهماً، لكنه لم يفقد تلك الابتسامة الساخرة التي لا تفارقه حتى في أقسى اللحظات. وفجأة صاح أحد الأنصار، بعدما قبض بين إصبعيه على قملة سمينة، ورفعها عالياً كأنه عثر على غنيمة حرب: -دكتور… هاي القملة جاية من يمك! انفجر بعضنا بالضحك، والتفتت الرؤوس نحو الدكتور صادق، الذي لم يبدُ مرتبكاً أبداً. بل رفع راحة يده بهدوء، وكانت فوقها قملة أخرى تتحرك بكسل، وقال بجدية مصطنعة. -لا… هاي القملة مالتي، لونها يختلف. في تلك اللحظة انفجر المكان كله بالضحك. ضحكنا حتى دمعت العيون، ليس لأن النكتة عظيمة، بل لأن الضحك كان الشيء الوحيد الذي يمنعنا من الشعور الكامل بالبؤس. كان القمل ينهش أجسادنا، والجوع يطرق البطون، والخوف ينام قرب بنادقنا، ومع ذلك كنا نجد وقتاً للسخرية من أنفسنا. ومنذ تلك الليلة، صار القمل فرداً إضافياً. دخل في أحاديثنا اليومية، وفي تعليقاتنا الساخرة، حتى أصبح لكل واحد منا قصة مع "قملته" الخاصة. وكأن الحياة، في تلك الجبال القاسية، أرادت أن تعلمنا درساً غريباً: أن الإنسان يستطيع التعايش مع كل شيء… حتى مع القمل، إذا كان محاطاً برفاق يملكون القدرة على الضحك وسط الخراب. في اليوم التالي، جاء سيد باقي مع أول خيط من ضوء الصباح، يحمل على كتفيه كيساً خشناً مليئاً بالقمصان الرجالية. أفرغها أمامنا قرب جدار المسجد الصغير، فتدحرجت الأقمشة الرمادية والزرقاء فوق التراب الرطب، لكن أغلب المقاسات لم تكن مناسبة. بعضها كان واسعاً إلى حد يبتلع الجسد، وبعضها الآخر ضيقاً كأنه مفصل لأطفال. ومع ذلك، لم يعترض أحد. كنا قد وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها اللباس سوى تفصيل صغير في حياة فقدت انتظامها كله. كانت الرفيقات قد عدن من البيوت الفقيرة التي استضافتهن نساء القرية فيها. وجوههن متعبة، لكنها متماسكة على نحو يثير الحزن. وككل صباح، اجتمعنا أمام مسجد القرية، نتناول الفطور بصمت متقطع، ثم ننخرط في أحاديث خافتة عن آخر الأخبار: هل ورد شيء عن أسرانا لدى الاتحاد الوطني الكردستاني؟ هل ظهر أثر للرفاق المفقودين بعد كارثة پشت ئاشان؟ وهل صحيح أن بعضهم شوهدوا في القرى القريبة؟ لكن الأخبار كانت شحيحة دائماً، ومبتورة، تصلنا كأنها قادمة من عالم آخر. كان عددنا يتناقص يوماً بعد آخر. في كل صباح نكتشف غياب رفيق أو اثنين. كنا نعرف أنهم أُرسلوا في مهمات خاصة، غير أن أحداً لم يكن يجرؤ على السؤال. الانضباط الحزبي كان أقوى من فضول الخوف، وأشد قسوة من حاجتنا لمعرفة مصيرنا. حتى نحن، لم نكن نعرف إلى أين سنُقاد، ولا ما الذي ينتظرنا بعد هذه القرية الإيرانية المنسية بين الصخور والجبال. ولأن السلطات الإيرانية لم تكن ترغب بوجودنا الظاهر، فقد مُنعنا من التجول بحرية داخل القرية. كنا نكتفي بمراقبة الحياة من بعيد، من زوايا الطرق الضيقة أو من أمام المسجد. هناك، كان رجال القرية يجلسون القرفصاء بمحاذاة البيوت الحجرية، يلوحون بسبحاتهم الطويلة بأصابع بطيئة، يدخنون، ويتبادلون الأحاديث والضحكات كأن العالم لم يكن ينهار على بعد بضعة كيلومترات فقط. أما النساء الكرديات، فكن أشبه بامتداد للأرض نفسها؛ بثيابهن التقليدية الفضفاضة وألوانها الداكنة، يحملن العلف، يسقين الحيوانات، وينشغلن طوال النهار بأعمال لا تنتهي. بعضهن كانت تربط طفلها على ظهرها بقطعة قماش سميكة، ثم تمضي في الحقل أو بين الحظائر دون أن تتوقف لحظة. مرت الأيام ثقيلة كأنها لا تتحرك. حتى اللحم، الذي كنا نحلم به في مواقعنا الجبلية الباردة، فقد معناه تماماً. كان يُقدَّم لنا أحياناً، لكن أحداً لم يعد يشعر بالرغبة في الطعام. التعب النفسي كان يلتهم كل شيء؛ الشهية، والحديث، وحتى القدرة على الحلم. وفي صباح اليوم الخامس، جاء الأمر بالتحرك. نهضنا بصمت، وحمل كل منا سلاحه وما تبقى له من أمتعة خفيفة. تحركنا خلف آمر المفرزة في صف طويل ومتعب. كان عددنا القليل يبدو أشد ضآلة وسط الجبال الهائلة التي أحاطت بنا. لم يسأل أحد عن الوجهة، فقد تعودنا أن نمشي دون أسئلة، وأن نترك الطرق تقودنا كما تشاء القيادة. ساعات طويلة قطعناها عبر المسالك الوعرة، نصعد السفوح الحجرية ثم نهبط في الوديان الضيقة، فيما كانت الريح الجبلية الباردة تصفع وجوهنا المغبرة. وحين كادت أقدامنا تتوقف من الإعياء، التفت إلينا آمر المفرزة وقال بصوت مقتضب: ـ رفاق.. سنصل إلى لولان قريباً. عندها فقط عرفنا وجهتنا. كنا قد قطعنا نحو خمسةٍ وعشرين كيلومتراً سيراً بين الجبال. وكانت لولان تمتد هناك، في تخوم سيدكان، قرب الحدود العراقية ـ الإيرانية، بينما بقيت سيلوان خلفنا، غارقة في صمتها الحجري عند السفوح القريبة من جبال قنديل. وكنا، نحن أيضاً، نمضي نحو المجهول بصمت يشبه صمت تلك الجبال. وهكذا، لم تكن الرحلة من پشت ئاشان إلى لولان مجرد انسحاب عسكري عبر الجبال، بل عبوراً قاسياً داخل أرواحنا أيضاً. هناك، بين الثلوج والوديان والقرى المنسية، تعلّمنا أن الهزائم لا تأتي دائماً بصوت الرصاص، بل قد تأتي أحياناً بصمت الرفيق الغائب، وبالجوع، والقمل، والخوف، والطرق التي لا تنتهي. ومع ذلك، وسط ذلك الخراب كله، بقي شيء صغير يقاوم الانكسار: قدرتنا على الضحك.
ضحكة أبو عادل، وسخرية الدكتور صادق، وكعكتا الطريق، وقدح الشاي الساخن في مسجد سيلوان… كانت جميعها انتصارات بشرية صغيرة على قسوة الحرب ووحشة المنافي الجبلية. لقد أخذت منا تلك الأيام الكثير؛ الرفاق، واليقين، والطمأنينة، لكنها تركت لنا شيئاً لا يقل أهمية: ذاكرة لا تموت. ذاكرة رجال ونساء ساروا بين جبال قنديل وهم يحملون خيباتهم وأحلامهم معاً، ويواصلون السير، لا لأن الطريق كان واضحاً، بل لأن التوقف كان يعني السقوط. وربما لهذا بقيت كلمات نيلسون مانديلا صحيحة إلى هذا اليوم: الحياة قد تحطمنا مرات كثيرة، لكن الإنسان يُعرَف دائماً بقدرته على النهوض، حتى وهو يجرّ تعبه وخساراته فوق طرقٍ وعرة تشبه جبل قنديل.
#جورج_منصور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟
-
يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
-
الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل
-
حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
-
كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
-
گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
-
بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
-
أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
-
عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
-
الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل
...
-
هل تكفي الإدانة؟
-
العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
-
لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
-
هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
-
أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال
-
في أفول نجمة عراقية
-
في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء
...
-
رواية -ما تخيله الحفيد-... رحلة سردية في دهاليز الذاكرة والم
...
-
بغداد: ذاكرةٍ تمشي على قدمين ومدينة تبحث عن نفسها
-
حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة
المزيد.....
-
تزايد تقليص الهجرة الشرعية لأمريكا بشكل غير مسبوق
-
فيديو يُظهر ما يبدو إلى تعرض حشد لرذاذ الفلفل بعد إقبال كثيف
...
-
أبوظبي: التعامل مع حريق خارج محطة براكة للطاقة النووية إثر ض
...
-
ألمانيا ـ تقرير يرصد تراجعا -مقلقا- لرفاهية وتعليم الأطفال
-
ما شروط إيران لاستئناف المحادثات مع واشنطن؟
-
التهجير الخفي.. كيف تعيد إسرائيل تشكيل الواقع الديمغرافي في
...
-
لماذا لم يعد العالم ينجب أطفالا؟
-
هل تكشف إعادة التحقيق دور أرملة رئيس رواندا السابق في الإباد
...
-
أمنيات يغتالها نتنياهو.. أبناء غزة يغيبون مجدداً عن مناسك ال
...
-
عبر الخريطة التفاعلية.. غارات مكثفة تستهدف قضاء صور في لبنان
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|