أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟















المزيد.....

ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 03:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن المنفى، في التجربة العراقية الحديثة، مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل تحوّل تدريجياً إلى حالة وجودية مركّبة، تكاد تضاهي الوطن في حضورها النفسي والرمزي. فالعراقي الذي غادر بلاده، منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى اليوم، لم يغادر مكاناً فحسب، بل دخل في علاقة جديدة مع ذاته، ومع ذاكرته، ومع معنى الانتماء ذاته.
فمع تعاقب الانقلابات السياسية، بدءاً من سقوط النظام الملكي، مروراً بعقود الحكم الشمولي، ثم الحروب الطويلة التي استنزفت المجتمع، وصولاً إلى الحصار القاسي في التسعينيات، وما أعقبه من انهيار الدولة عام 2003 وما تلاه من عنف واضطراب، تشكّلت موجات متعاقبة من الهجرة القسرية والطوعية. وفي قلب هذه الموجات، كان المثقف العراقي- كاتباً أو شاعراً أو مفكراً- من أكثر الفئات عرضة للتهجير، إما هرباً من القمع، أو بحثاً عن فضاء يتيح له قول ما لا يمكن قوله في الداخل.
وهكذا، لم يعد المنفى حدثاً عارضاً في السيرة الثقافية العراقية، بل أصبح مكوّناً بنيوياً فيها. صار جزءاً من تكوين النص، ومن لغة الكتابة، ومن زاوية الرؤية ذاتها. فالكثير من النصوص العراقية الحديثة كُتبت من خارج الجغرافيا، لكنها ظلّت مشدودة، بخيوط غير مرئية، إلى الداخل.
هذا الواقع أفرز ما يبدو، للوهلة الأولى، انقساماً في المشهد الثقافي، بين "مثقفي الداخل" و"مثقفي الخارج". غير أن هذا التقسيم، رغم وضوحه الظاهري، لا يعكس حقيقة التعقيد الكامن في التجربتين. فهو تقسيم جغرافي أكثر منه معرفي، ويخفي وراءه اختلافات في نوع الخبرة، وفي أدوات الإدراك، وفي طبيعة العلاقة مع الواقع العراقي.
فعلى المستوى الوجودي، يعاني المثقف في المنفى من اغتراب مزدوج، يكاد يكون سمة تعريفية لهذه التجربة. اغتراب أول عن المكان الجديد، حيث اللغة ليست لغته، والذاكرة ليست ذاكرته، والتفاصيل اليومية لا تنتمي إلى تاريخه الشخصي. واغتراب ثانٍ، أكثر إيلاماً، عن الوطن الذي يبتعد عنه زمنياً وثقافياً، ويتحوّل شيئاً فشيئاً إلى صورة ذهنية، أو إلى سردية ناقصة.
هذا التمزق لا يبقى شعوراً عابراً، بل يتحوّل إلى حالة مستمرة من القلق الثقافي. إذ يجد المثقف نفسه معلقاً بين عالمين: لا هو قادر على الاندماج الكامل في السياق الجديد، بسبب اختلاف المرجعيات العميقة، ولا هو قادر على استعادة حضوره الفعلي في السياق القديم الذي يتغير بسرعة في غيابه. ومن هنا تنشأ تلك المنطقة الرمادية، التي يكتب منها كثير من أدباء المنفى: منطقة بين الذاكرة والواقع، بين الحنين والنقد، بين الانتماء والقطيعة.
ومع مرور الزمن، تتخذ هذه الفجوة أبعاداً أكثر تعقيداً. فاللغة، بوصفها أداة الإبداع الأولى، لا تبقى بمنأى عن التأثر. إذ تتعرض، في البيئات غير العربية، إلى نوع من الانزياح التدريجي: تضعف علاقتها بالاستخدام اليومي الحي، وتصبح أكثر ميلاً إلى التأمل أو التجريد. وقد يظهر ذلك في الكتابة من خلال مفردات أقل التصاقاً بالحياة اليومية، أو عبر بنى لغوية تتأثر بلغات أخرى.

في الوقت نفسه، تصبح متابعة التفاصيل الدقيقة للحياة العراقية أكثر صعوبة. فالتغيرات الاجتماعية والسياسية المتسارعة داخل البلاد تخلق واقعاً متجدداً يصعب الإمساك به من الخارج. وهذا قد يؤدي، أحياناً، إلى فجوة بين التمثيل الأدبي والواقع الفعلي، حيث يغدو الوطن موضوعاً للتخيّل بقدر ما هو موضوع للتوثيق.
ولا يقتصر الأمر على الفرد، بل يمتد إلى البنية الثقافية ككل. إذ يؤدي التشتت الجغرافي إلى تفكك الشبكات الثقافية التي كانت، في الداخل، تقوم على اللقاءات المباشرة، والنقاشات الحية، والتأثير المتبادل. وفي المنفى، تتحول هذه الشبكات إلى علاقات متباعدة، غالباً ما تفتقر إلى الاستمرارية والعمق، مما يفضي إلى نوع من "تفرد التجارب" أو انعزالها.
ومع ذلك، فإن اختزال المنفى في هذه الجوانب السلبية يظل رؤية ناقصة. فالمنفى، في الوقت نفسه، فتح أمام المثقف العراقي آفاقاً لم تكن متاحة في الداخل. لقد منح، في كثير من الحالات، مساحة حرية غير مسبوقة، حرية في التفكير، وفي التعبير، وفي مساءلة المسلّمات السياسية والثقافية والدينية.
في هذا الفضاء، لم يعد المثقف مضطراً إلى ممارسة الرقابة الذاتية بالشكل الذي كان سائداً في الداخل، ولم يعد الخوف من السلطة محدداً رئيسياً للخطاب. ومن هنا، ظهرت نصوص أكثر جرأة، وأكثر نقدية، وأكثر استعداداً لتفكيك البنى العميقة للمجتمع والدولة.
إلى جانب ذلك، أتاح المنفى احتكاكاً مباشراً بثقافات متعددة، وبتيارات فكرية وأدبية عالمية. هذا الاحتكاك لم يكن مجرد تلقي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى حوار خلاق. فقد دخل المثقف العراقي في سياقات جديدة، واطلع على مناهج مختلفة في التفكير والكتابة، مما انعكس على إنتاجه، سواء من حيث الشكل أو المضمون.
ومن هذه المسافة، تتشكّل أيضاً رؤية نقدية مغايرة. فالبعد الجغرافي والزمني عن الحدث يمنح قدراً من الهدوء، يسمح بإعادة قراءة التجربة العراقية خارج ضغط اللحظة. وهنا، يمكن للمثقف أن يرى ما لا يُرى من الداخل: البنى العميقة، والأنماط المتكررة، والعلاقات الخفية بين الماضي والحاضر.
ولعل من أهم الأدوار التي اضطلع بها مثقفو المنفى، دورهم في حماية الذاكرة الثقافية العراقية. ففي ظل الحروب والاضطرابات التي أدت إلى ضياع الكثير من الأرشيفات والوثائق، قام العديد منهم بحفظ نصوص وشهادات، وتوثيق تجارب، كانت مهددة بالاندثار. وهكذا، أصبح المنفى- على نحو مفارق- أحد خزائن الذاكرة الوطنية.
غير أن العلاقة بين "الداخل" و"الخارج" لم تخلُ من التوتر. فقد نشأ، عبر السنوات، نوع من الخطاب النقدي المتبادل، الذي اتخذ أحياناً طابعاً اتهامياً. فمثقفو الداخل يُنظر إليهم، في بعض الأحيان، بوصفهم خاضعين لضرورات الواقع، مضطرين إلى التكيّف أو المهادنة، مما قد يحدّ من راديكالية خطابهم. كما أن انشغالهم بتحديات الحياة اليومية قد يقلل من فرص انخراطهم في النقاشات الفكرية الأوسع.
في المقابل، يُتّهم مثقفو الخارج بأنهم ينظرون إلى العراق من مسافة قد تُفقدهم حساسية التفاصيل. فالوطن، بالنسبة لهم، قد يتحول إلى فكرة أو ذاكرة، أكثر منه واقعاً يومياً معيشاً. وقد يُؤخذ عليهم أحياناً ميلهم إلى التنظير، أو تبني خطاب لا يلامس تماماً تعقيدات الحياة داخل البلاد.
غير أن هذه الأحكام، في جوهرها، تبسيطية. فالتجربتان، رغم اختلاف شروطهما، ليستا متعارضتين، بل متكاملتين. فمثقف الداخل يمتلك ما يمكن تسميته بـ"المعرفة الحيّة": معرفة التفاصيل، والإيقاع اليومي، والتحولات الدقيقة التي لا تُدرك إلا بالمعايشة. أما مثقف المنفى، فيمتلك "المعرفة التأملية": القدرة على الربط، والمقارنة، ورؤية الكلي في الجزئي.
ومن هنا، فإن الإبداع العراقي، إذا ما أراد أن يستعيد عافيته، يحتاج إلى تفعيل هذا التكامل، لا إلى تعميق القطيعة. يحتاج إلى جسر حي، قائم على الحوار، وعلى الاعتراف المتبادل بقيمة كل تجربة. جسر يسمح بتبادل الخبرات، وبإعادة وصل ما انقطع من علاقات.
وقد ظهرت بالفعل نماذج لهذا التكامل في الأدب العراقي الحديث. فالكثير من نصوص المنفى حملت الوطن إلى العالم، وقدّمته من خلال لغة نقدية وتأملية، بينما ظل أدب الداخل يوثق الحياة اليومية بكل تفاصيلها، مقدّماً شهادة لا يمكن تعويضها من الخارج.
الخلاصة: أن المنفى لم يعد حالة طارئة في التجربة العراقية، بل أصبح جزءاً من بنيتها العميقة. والتعامل معه بوصفه انقساماً حاداً بين داخل وخارج، هو تبسيط لا يليق بثراء هذه التجربة.
إن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التعدد إلى مصدر قوة. فالعراق، بوصفه فكرة وثقافة وذاكرة، لا يعيش فقط داخل حدوده الجغرافية، بل يمتد حيثما وُجد أبناؤه. والمثقف العراقي- في الداخل أو الخارج- يظل حاملاً لجزء من هذه الحكاية.
ومن دون حوار حقيقي، مفتوح، وعميق، بين هذه الأصوات المتعددة، ستظل الصورة ناقصة. أما إذا تحقق هذا الحوار، فإن ما يبدو اليوم تشظياً، قد يتحول غداً إلى غنى، وما يبدو انقساماً، قد يصبح شرطاً لإعادة بناء ثقافة أكثر اتساعاً وإنسانية.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
- الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل
- حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
- عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
- الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل ...
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
- لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
- هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
- أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال
- في أفول نجمة عراقية
- في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء ...
- رواية -ما تخيله الحفيد-... رحلة سردية في دهاليز الذاكرة والم ...
- بغداد: ذاكرةٍ تمشي على قدمين ومدينة تبحث عن نفسها
- حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة
- واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر


المزيد.....




- هل أصبحت بريطانيا غير قابلة للحكم؟
- هل استنفدت واشنطن كل الحلول الدبلوماسية مع إيران؟
- وزير الصحة البريطاني السابق: سأتشح في أي انتخابات ضد ستارمر ...
- إيطاليا: ميلوني تلغي زيارتها إلى قبرص بعد حادث دهس مروع في م ...
- جدعون ليفي: أوروبا تضحك على نفسها بعقوبات شكلية على المستوطن ...
- الجزيرة من هرمز: إيران تشدد قبضتها والسفن تتكدس تحت أعين واش ...
- كيف ينقذ نظام -تسلا فيجن- حياتك قبل وقوع الحادث؟
- إنها عملية قد تستغرق ما يصل إلى عشر سنوات.. شاهدوا كيف يعيد ...
- -بوتين ونتنياهو وترامب: الفرسان الثلاثة للعاصفة التي تجتاح ا ...
- إيران تهدد -العمود الفقري للإنترنت-.. ماذا لو قُطعت الكابلات ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟