أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - القشلة: صرح بغداد التاريخي بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع















المزيد.....

القشلة: صرح بغداد التاريخي بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 04:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُعد القشلة، أو "سراي الحكومة القديم"، واحدة من أبرز الشواهد العمرانية التي تختزن في جدرانها فصولاً مهمة من تاريخ بغداد الحديث. فهي ليست مجرد مبنى أثري قائم على ضفاف نهر دجلة، بل سجلٌ مفتوح لذاكرة مدينة عريقة تعاقبت عليها الحضارات والدول، وظلت رغم ما تعرضت له من حروب وتحولات محافظةً على روحها الثقافية وهويتها التاريخية.
يقف هذا الصرح العتيق في قلب بغداد التاريخية شامخاً منذ أكثر من قرن ونصف القرن، شاهداً على حقب سياسية واجتماعية وثقافية متعاقبة. غير أن هذا المعلم التراثي يعيش اليوم حالة من الإغلاق المستمر منذ ما يزيد على عام ونصف العام، وسط مخاوف متزايدة من مشاريع استثمارية قد تفضي إلى تحويله من فضاء ثقافي وتراثي مفتوح إلى مشروع تجاري يفقده روحه ووظيفته التاريخية التي ارتبط بها في وجدان البغداديين.
تعود جذور القشلة إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما كانت بغداد إحدى الولايات المهمة في الدولة العثمانية. ففي عام 1861 شرع الوالي نامق باشا الكبير ببناء هذا المجمع ليكون مقراً للإدارة العثمانية وثكنة عسكرية، قبل أن يتولى الوالي الشهير مدحت باشا استكمال المشروع وتطويره. وقد اختير موقعه بعناية فائقة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، في منطقة تزخر بآثار وتاريخ يمتدان إلى العصر العباسي، حيث كانت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية ومركزاً للعلم والثقافة والحضارة.
وهكذا أصبحت القشلة شاهداً على طبقات متراكمة من التاريخ؛ فهي تحمل الطابع العمراني العثماني، لكنها تستند في الوقت نفسه إلى أرض تختزن إرث بغداد العباسية، لتشكل حلقة وصل بين مراحل متعددة من تاريخ المدينة. ومن هذه الخصوصية التاريخية تستمد القشلة أهميتها الاستثنائية بوصفها جزءاً من هوية بغداد وليس مجرد مبنى أثري يمكن تغيير وظيفته أو طمس معالمه.
وكلمة "القشلة" ذات أصل تركي وتعني المكان الذي يقيم فيه الجنود أو الثكنة العسكرية. إلا أن هذا المعنى العسكري الضيق تبدل مع مرور الزمن، لتتحول القشلة إلى أحد أبرز الفضاءات الثقافية والاجتماعية في العاصمة العراقية. فخلال العقود الأخيرة أصبحت ملتقى للمثقفين والفنانين والباحثين وزوار شارع المتنبي، ذلك الشارع الذي يمثل القلب النابض للحياة الثقافية في بغداد.
لقد احتضنت القشلة عشرات المعارض الفنية والفعاليات الأدبية والندوات الفكرية والأنشطة التراثية، وتحولت ساحاتها وأروقتها إلى مساحة للحوار والإبداع والتواصل بين الأجيال. ولم تعد مجرد مبنى أثري يُزار لالتقاط الصور، بل غدت مؤسسة ثقافية مفتوحة تؤدي دوراً حيوياً في تعزيز الوعي بالتراث وحفظ الذاكرة الجمعية للعراقيين.
من هنا تكتسب المخاوف الحالية مشروعيتها. فالأحاديث المتداولة عن استثمار القشلة وتحويلها إلى فضاء تجاري لا تعني مجرد تغيير في استخدام المبنى، بل تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الهوية الثقافية لهذا المعلم التاريخي. فماذا سيكون مصير المعارض الفنية التي كانت تُقام في ساحاته؟ وأين ستنتقل الأنشطة الثقافية التي احتضنتها جدرانه لعقود؟ وما مصير العلاقة الوجدانية التي ربطت أجيالاً من البغداديين بهذا المكان؟
إن تحويل القشلة إلى مطاعم أو محال تجارية أو مشاريع استهلاكية سيكون بمثابة اختزال لتاريخ طويل في وظيفة اقتصادية عابرة. فالمباني التراثية ليست عقارات قابلة للبيع والشراء فحسب، بل هي أوعية للذاكرة الجماعية ومرايا تعكس هوية المدن والشعوب. وحين تفقد هذه المباني رسالتها الثقافية، فإنها تتحول إلى هياكل جامدة خالية من المعنى، مهما بلغت الأرباح التي قد تحققها.
إن الحفاظ على القشلة لا يعني رفض الاستثمار من حيث المبدأ، بل يعني رفض الاستثمار الذي يلغي الهوية ويستبدل الثقافة بالاستهلاك. فثمة نماذج عالمية عديدة أثبتت أن الاستثمار الثقافي المستدام قادر على تحقيق موارد اقتصادية مهمة من خلال السياحة الثقافية والأنشطة التراثية والمعارض والمتاحف، مع المحافظة في الوقت نفسه على القيمة التاريخية للمكان وروحه الأصيلة.
لقد حرم الإغلاق الطويل للقشلة العراقيين، ولا سيما النخب الثقافية والشباب والمهتمين بالتراث، من أحد أهم الفضاءات العامة في قلب العاصمة. وهذا الحرمان لا يمثل خسارة لمعلم أثري فحسب، بل يمثل تراجعاً في مساحة الثقافة العامة التي تحتاجها بغداد أكثر من أي وقت مضى. فالقشلة كانت مكاناً يلتقي فيه الناس على اختلاف توجهاتهم وخلفياتهم، وتغيب فيه الحواجز الاجتماعية لصالح الحوار والمعرفة والفن.
ومن هنا تبرز مسؤولية الجهات المعنية، وفي مقدمتها أمانة بغداد ووزارة الثقافة والسياحة والآثار، في حماية هذا الإرث الوطني وصيانته وإعادة فتحه أمام الجمهور. فالمطلوب ليس مجرد ترميم الجدران والأروقة، بل إعادة إحياء الدور الثقافي للقشلة بوصفها مركزاً حضارياً مفتوحاً يحتضن الفعاليات الفنية والأدبية والتراثية، ويشكل جسراً يربط الماضي بالحاضر.
إن القشلة ليست ملكاً لمؤسسة أو جهة بعينها، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية العراقية وملك لكل من يرى في بغداد مدينةً للعلم والثقافة والجمال. ولذلك فإن الحفاظ عليها هو حفاظ على جزء من شخصية العاصمة نفسها، وعلى واحدة من العلامات التي تمنح بغداد خصوصيتها بين مدن العالم.
إن ما تواجهه القشلة اليوم يجسد صراعاً حقيقياً بين منطق الربح السريع ومنطق الحفاظ على التراث والهوية. وبين هذين الخيارين ينبغي أن يكون الموقف واضحاً: فالأمم التي تفرط بذاكرتها تفقد جزءاً من مستقبلها، والمدن التي تبيع معالمها التاريخية تفقد شيئاً من روحها.
وفي الحديث عن القشلة، لا يمكن إغفال معلمها الأشهر والأكثر حضوراً في ذاكرة البغداديين: ساعة القشلة، تلك الساعة التاريخية التي ارتفعت فوق برجها الشاهق منذ أواخر القرن التاسع عشر، لتصبح واحداً من أبرز رموز بغداد العمرانية. لم تكن الساعة مجرد أداة لقياس الزمن، بل تحولت عبر العقود إلى شاهد صامت على تحولات المدينة وأفراحها وأحزانها، تراقب من علٍ حركة الحياة على ضفاف دجلة وتتابع تعاقب الأجيال في أزقة بغداد وأسواقها.
لقد ظلت عقارب الساعة تدور فيما كانت بغداد تواجه الحروب والأزمات والتغيرات السياسية الكبرى، وكأنها تذكّر أبناء المدينة بأن الزمن يمضي، وأن المدن العظيمة تبقى ما بقيت ذاكرتها حية. ولهذا أصبحت ساعة القشلة جزءاً من الوجدان الشعبي البغدادي، ورمزاً للاستمرارية والصمود في مدينة عرفت من المحن بقدر ما عرفت من المجد.
واليوم، بينما تغلق أبواب القشلة وتتعاظم المخاوف بشأن مستقبلها، يبدو المشهد وكأن الزمن نفسه قد توقف خلف تلك الجدران العتيقة. فالقضية لم تعد قضية مبنى أثري مغلق فحسب، بل قضية رمز تاريخي وثقافي يمثل جزءاً من هوية بغداد الحديثة. وإذا كانت ساعة القشلة قد واصلت دقاتها لأكثر من قرن وهي تروي للأجيال قصة مدينة لا تنكسر، فإن أقل ما تستحقه اليوم هو أن تبقى شاهدة على الحياة الثقافية والإبداعية التي احتضنتها القشلة، لا أن تتحول إلى شاهد على اندثارها.
إن الحفاظ على القشلة هو في جوهره حفاظ على الساعة التي تقف فوقها، وعلى الذاكرة التي تختزنها، وعلى العلاقة العميقة بين المكان وأهله. فحين تُصان القشلة، لا نحافظ على جدران من الآجر والحجر فحسب، بل نحافظ على نبض بغداد ذاته، وعلى ذلك الصوت الرمزي الذي ظل يعلن عبر الزمن أن لهذه المدينة تاريخاً يستحق الاحترام ومستقبلاً يستحق الحماية.
القشلة اليوم لا تتحدث بلسان البشر، لكنها تنطق بجدرانها العتيقة وساعتها الشهيرة وأروقتها التي شهدت مرور أجيال متعاقبة من أبناء بغداد. إنها تطلق نداءً صامتاً من أجل الحماية والإنصاف، فهل تجد من يصغي إليها؟ وهل يليق بهذا الصرح التاريخي العريق أن يبقى أسير الإهمال أو أن يتحول إلى سلعة في سوق الاستثمار؟ أم أن الواجب الوطني والثقافي يقتضي أن يبقى منارةً للذاكرة والإبداع، ورمزاً لبغداد التي قاومت النسيان وظلت حيةً في وجدان أبنائها؟



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين تبديل الأمكنة وعجز التغيير الداخلي
- الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع
- الطريق إلى لولان.. حين صار الضحك مقاومة
- ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟
- يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
- الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل
- حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
- عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
- الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل ...
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
- لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
- هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
- أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال
- في أفول نجمة عراقية
- في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء ...


المزيد.....




- شاهد.. عواصف شديدة تُلحق دماراً واسعاً في الغرب الأوسط الأمر ...
- إعلام إيراني: أمريكا تستهدف سفينة بضائع كانت متجهة من عُمان ...
- إيران تحذّر دولًا إقليمية وتؤكد وضع هذه الدول بـ-صف المعتدين ...
- تصعيد إقليمي جديد.. تبادل ضربات بين واشنطن وطهران وغارات مكث ...
- هل يخرج التصعيد عن السيطرة؟ تحذيرات من مواجهة أمريكية إيراني ...
- من الركام إلى الجدران.. سكان غزة يطحنون الإسمنت المتحجر لإعا ...
- مجلس السلام يستبعد نزع السلاح في غزة.. وملف إعادة الإعمار -م ...
- بقيمة 350 مليون دولار.. إسرائيل تصوّت على تمويل 61 بؤرة استي ...
- الأردن والبحرين يعلنان اعتراض وتدمير صواريخ إيرانية
- طهران: وقف النار -منعدم الجدوى- وسنعمل على ضرب مصادر الهجمات ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - القشلة: صرح بغداد التاريخي بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع