أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع















المزيد.....

الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 02:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صوّت البرلمان العراقي على الحكومة الجديدة وسط مشهدٍ سياسيٍ بات مألوفاً للعراقيين؛ مشهدٌ تُحسم فيه التفاهمات داخل الغرف المغلقة أكثر مما تُحسم عند صناديق الاقتراع، وتُوزَّع فيه المناصب وفق معادلات التوازن والمحاصصة الطائفية والقومية والحزبية، لا وفق معيار الكفاءة أو المشروع الوطني الجامع. لذلك، لم تعد ولادة أي حكومة جديدة تُقابل بحماسةٍ شعبيةٍ واسعة، بل بحذرٍ ثقيل وقلقٍ متراكم صنعته تجارب السنوات الماضية.
فمنذ عام 2003، اعتاد العراقيون على مشهد الحكومات التي تولد من رحم التفاهمات السياسية أكثر مما تولد من إرادة الشارع، حتى أصبحت جلسات منح الثقة البرلمانية طقساً سياسياً متكرراً لا يثير كثيراً من التفاؤل بقدر ما يثير أسئلة القلق والانتظار. فكل حكومة جديدة تأتي محمّلةً بشعارات الإصلاح ومحاربة الفساد واستعادة هيبة الدولة، لكنها تدخل سريعاً في امتحانٍ أصعب من نيل ثقة البرلمان: امتحان الشارع العراقي الذي أثقلته سنوات الإخفاقات وتآكلت داخله الثقة بالطبقة السياسية. وبين شرعيةٍ دستورية تمنحها أصوات النواب، وشرعيةٍ شعبية لا تُمنح إلا بالإنجاز، تقف الحكومة الجديدة أمام تحدٍ مصيري سيحدد إن كانت قادرة على كسر الحلقة المفرغة التي أدارت البلاد لعقدين، أم أنها ستكون مجرد فصلٍ جديد في رواية الأزمات العراقية الطويلة.
فالعراقيون لم يعودوا ينظرون إلى الحكومات من زاوية الأسماء والشخصيات، بقدر ما ينظرون إليها من زاوية النتائج. لقد تعاقبت على البلاد حكوماتٌ كثيرة رفعت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات وبناء الدولة، لكن المواطن ظل يواجه الأزمات ذاتها: بطالة، وفقر، وفساد، وتراجع في الخدمات، وضعفاً في مؤسسات الدولة، وتآكلاً مستمراً في الثقة بين الشارع والطبقة السياسية. ولهذا، فإن موقف الشعب من الحكومة الجديدة لن تحدده خطابات التكليف ولا بيانات الثقة البرلمانية، بل ستحدده سياساتها الفعلية وقراراتها المقبلة، ومدى انعكاسها على حياة الناس اليومية.
إن أي حكومة تستطيع أن تقترب من نبض الشارع حين تُشعر المواطن بأن الدولة وُجدت لخدمته، لا لخدمة الأحزاب والمصالح الضيقة. فالعراقي البسيط لا ينتظر المعجزات، لكنه ينتظر عدالةً في توزيع الفرص، وخدماتٍ تحفظ كرامته، وفرص عملٍ لأبنائه، ومؤسساتٍ تحترم القانون، ودولةً قادرة على حماية المال العام من شبكات الفساد التي تحولت، خلال العقدين الماضيين، إلى منظومة متغلغلة في مفاصل الدولة. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لأي حكومة يبدأ من قدرتها على الانتقال من لغة الوعود إلى لغة التنفيذ.
غير أن المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة النظام السياسي الذي تُولد هذه الحكومة في إطاره. فهي، كسابقاتها منذ عام 2003، قامت على أساس المحاصصة والتوازن السياسي الطائفي والقومي، وهو نظام أثبت مع مرور الزمن أنه لا ينتج دولةً مستقرة بقدر ما ينتج تسوياتٍ مؤقتة بين القوى المتنفذة. فالمحاصصة، حتى وإن قُدمت تحت عنوان "الشراكة الوطنية"، تحولت في كثير من الأحيان إلى تقاسمٍ للسلطة والنفوذ والثروات، وإلى وسيلةٍ لحماية الأحزاب أكثر من حماية الدولة.
ومن هنا يشعر كثير من العراقيين بأن هذه الحكومة لا تعبّر بالضرورة عن خياراتهم الحقيقية، بقدر ما تعبّر عن تفاهمات الزعامات السياسية التي ساهمت، طوال السنوات الماضية، في إنتاج الأزمات وإدامتها. فالوجوه قد تتبدل أحياناً، لكن آليات الحكم تبقى نفسها، والعقلية السياسية ذاتها تستمر في إدارة البلاد بالمنطق القديم: منطق التسويات لا الإصلاحات، ومنطق التوازنات لا المواطنة، ومنطق الولاءات الحزبية لا بناء المؤسسات.
لقد دفعت الأجيال العراقية المتعاقبة ثمن هذه المعادلة. فعندما تُوزَّع الوزارات وفق الانتماءات والمحاصصات، تصبح الكفاءة مسألةً ثانوية، ويتحول الوزير في كثير من الأحيان إلى ممثلٍ لكتلته السياسية أكثر من كونه مسؤولاً أمام الشعب. وعندما تتداخل المصالح الحزبية مع مؤسسات الدولة، يضعف القرار الوطني المستقل، وتصبح الدولة نفسها رهينةً للصراعات السياسية والمساومات المستمرة.
وللإنصاف، فإن كل حكومة بعد 2003 بررت إخفاقاتها بتحدياتٍ استثنائية: توتراتٍ إقليمية، وأزماتٍ مالية، وضغوطٍ داخلية، وإرثٍ ثقيل من الإخفاقات المتراكمة. وادعت وجود محاولات لاستعادة شيءٍ من هيبة الدولة، مع مشاريع إعمار محدودة وتحسنٍ نسبي في العلاقات الخارجية. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تكفي تلك التبريرات لإقناع العراقيين بأن الحكومة تسير فعلاً نحو إصلاح حقيقي؟
المشكلة لا تتعلق فقط بالأداء الحكومي، بل في بنية النظام السياسي نفسه، القائم على المحاصصة الطائفية والإثنية، والذي يجعل الحكومات المتعاقبة أسيرةً لمنطق "توزيع المغانم" قبل منطق "الإدارة الرشيدة". فعندما تُوزَّع المناصب العليا بوصفها استحقاقاتٍ حزبية، يصبح الحديث عن النزاهة والكفاءة أقرب إلى الشعارات منه إلى التطبيق الواقعي.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكم على الحكومة الجديدة لا يمكن أن يكون مسبقاً أو مطلقاً. فحتى داخل الأنظمة السياسية المعقدة، تستطيع الحكومات أن تُحدث فارقاً إذا امتلكت إرادةً حقيقية للإصلاح، وتحلت بالشجاعة الكافية لمواجهة الفساد ومراكز النفوذ، واختارت الوقوف إلى جانب المواطنين لا إلى جانب شبكات المصالح. فالشعب العراقي، رغم كل خيباته، ما زال يمنح الفرصة تلو الأخرى، لكنه لم يعد يمنح ثقته مجاناً.
لقد أصبح الشارع العراقي اليوم أكثر وعياً وتجربةً من أي وقت مضى. فقد اختبر الشعارات الكبيرة، واكتشف المسافة الواسعة بين الخطاب السياسي والواقع، وأصبح يقيس أداء الحكومات بما يتحقق على الأرض لا بما يُقال على الشاشات. لذلك، فإن أي فشلٍ جديد لن يُنظر إليه باعتباره خطأً عابراً، بل استمراراً لمسارٍ طويل من الإخفاقات التي أنهكت الدولة والمجتمع معاً.
إن الحكومة الجديدة تقف اليوم أمام لحظة اختبارٍ حقيقية: إما أن تنجح في استعادة جزءٍ من ثقة العراقيين عبر قراراتٍ جريئة وإصلاحاتٍ ملموسة تمس حياة الناس اليومية، وإما أن تتحول إلى نسخةٍ أخرى من الحكومات السابقة، فتتعمق الهوة أكثر بين الشعب والسلطة. فالعراقيون لا يريدون حكومةً تتقن فن الخطابات، بل حكومةً تعيد للدولة هيبتها، وللمواطن كرامته، وللوطن شعوره بالأمان والاستقرار.
وفي النهاية، تبقى الشرعية البرلمانية وحدها غير كافية لبناء الثقة الشعبية. فالشرعية الحقيقية تُصنع في الشارع: في المدارس والمستشفيات، في فرص العمل، في الكهرباء والماء، في العدالة ومحاسبة الفاسدين، وفي شعور المواطن بأن صوته وحياته وحقوقه ليست مجرد أرقام في خطابات السياسيين. هناك فقط سيقرر العراقيون موقفهم الحقيقي من هذه الحكومة: هل جاءت لتخدم الوطن فعلاً، أم لتعيد تدوير الأزمة بصيغةٍ جديدة؟
فالعراق لم يعد يحتمل المزيد من الحكومات التجريبية، ولا المزيد من الوعود المؤجلة. وما يحتاجه اليوم ليس تغيير الوجوه فحسب، بل تغيير طريقة الحكم نفسها، والانتقال من دولة المحاصصة إلى دولة المواطنة، ومن منطق التسويات المؤقتة إلى مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن مستقبل الحكومة الجديدة لن يُكتب داخل قاعات البرلمان وحدها، بل سيُكتب في ذاكرة الناس وحياتهم اليومية. فالعراقيون لم يعودوا يبحثون عن خطاباتٍ مطمئنة أو شعاراتٍ مؤجلة، بل عن دولةٍ يشعرون بوجودها الحقيقي في الأمن والخدمات والعدالة وفرص الحياة الكريمة. ولهذا، فإن نجاح الحكومة لن يُقاس بعدد التحالفات التي تحميها، بل بقدرتها على استعادة ثقة المواطن التي تآكلت عبر سنوات طويلة من الوعود غير المنجزة. فإما أن تتحول هذه المرحلة إلى بداية مراجعةٍ حقيقية لمسار الحكم وبناء الدولة على أساس المواطنة والكفاءة، وإما أن يبقى العراق يدور في الحلقة ذاتها؛ حكومات تتبدل، وأزمات تتكرر، وشارع يزداد غضباً وابتعاداً عن السلطة. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن الشرعية الأقوى ليست تلك التي تُمنح بالأغلبية البرلمانية، بل تلك التي يمنحها الشعب لحكومةٍ تنجح في أن تكون دولةً للجميع لا غنيمةً للقوى المتنفذة.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطريق إلى لولان.. حين صار الضحك مقاومة
- ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟
- يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
- الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل
- حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
- عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
- الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل ...
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
- لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
- هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
- أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال
- في أفول نجمة عراقية
- في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء ...
- رواية -ما تخيله الحفيد-... رحلة سردية في دهاليز الذاكرة والم ...
- بغداد: ذاكرةٍ تمشي على قدمين ومدينة تبحث عن نفسها


المزيد.....




- رغم اتخاذه إجراءات الوقاية: إصابة جراح أمريكي بالإيبولا في ا ...
- نبيل بنعبد الله : حكومة أخنوش عطات الدعم لـ -لفراقشية’ وما ا ...
- طهران تنشئ -منطقة سيطرة- في هرمز والجيش الأمريكي يعترض ناقلة ...
- ترامب-إيران...هل تنجح دبلوماسية - الإصبع على الزناد-؟
- ترامب أم بوتين..من حظي بالاستقبال الأكثر حفاوة في الصين؟
- حرب إيران مباشر.. طهران تدرس نصا أمريكيا جديدا وترمب يُغضِب ...
- -العفو العام- في لبنان.. قانون يبحث عن النفاذ بين توازنات ال ...
- بين نقاط التفتيش وحصار التكاليف.. رحلة صمود سودانية نحو الأر ...
- -كلام سخيف-.. إيران ترد على تهديد ترامب بـ-استئناف الحرب إذا ...
- تقارير تتحدث عن قرب التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.. ونت ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع