جورج منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 16:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم يكن هدفي، وأنا أتصفح الموقع الرسمي لمجلس أمناء شبكة الإعلام العراقي في أحد مساءات هذا الصيف الخانق، أن أستعيد تجربة شخصية مضى عليها أكثر من أربع سنوات، ظننت أنني تجاوزتها وطويت صفحاتها إلى الأبد. لكن ما رأيته على شاشة الجهاز، من أسماءٍ وسِيَرٍ وتشكيلاتٍ ، أعادني إليها قسراً، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن العراق يكرر أخطاءه في كل دورة، تحت عناوين جديدة، ولكن بروح واحدة هي روح المحاصصة التي استحالت مرضاً عضوياً في جسد الدولة.
فالمسألة هذه المرة، لم تَعُدْ مجرد فرصة ضائعة، أو منصبٍ لم أَحْظَ به، أو حتى شعور بالمرارة الشخصية التي يخلفها الرفض غير المبرر. لقد تجاوزت الأمر إلى سؤال وجوديٍّ أكثر إلحاحاً، وأكثر خطراً على مستقبل البلاد: من يدير الإعلام العراقي اليوم؟ وعلى أي أساس تُعقد خياراته؟ وهل ما زال الإعلام يُعتبر ركيزةً للدولة المدنية، أم أنه تحوّل إلى غنيمة تتقاسمها الكتل، ومُلكاً يُورَّث بالولاء لا بالكفاءة؟
في عام 2019، وفي لحظة سياسية دقيقة من تاريخ العراق، تلقيتُ تشجيعاً من رئيس الجمهورية آنذاك الدكتور برهم صالح، ورئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، وهما شخصيتان عُرفتا، في ملامحهما العامة، بتوجّهٍ إصلاحي، للتقدّم لعضوية مجلس أمناء شبكة الإعلام العراقي.
وقد استند هذا التشجيع إلى قراءة موضوعية لسيرتي المهنية الممتدة لأكثر من ثلاثين عاماً، والتي حفلت بالعطاء والتجريب والمواجهة، فقد بدأتُ عملي في الصحافة الميدانية خلال سنوات الديكتاتورية، وذُقتُ مرارة السجن بسبب كلمة حرّة، ثم شاركتُ، بعد سقوط النظام عام 2003، في تأسيس شبكة الإعلام العراقي، وتوليتُ إدارة قناة "العراقية" في أقسى الظروف، حين كانت تمثل رمزاً للتنوّع والتعددية. وفي عام 2005، أسست قناة "عشتار" الفضائية، التي حملت همّ الهوية والثقافة، إلى جانب سنواتٍ طويلة من الكتابة والتحليل والعمل الإعلامي داخل العراق وخارجه، في مؤسسات عربية ودولية مرموقة.
ولم أكن أبحث عن وظيفة، ولا عن راتب، ولا عن امتيازات مادية أو نفوذٍ سلطوي. كنت قد شغلت مواقع رسمية سابقة، ولم يكن ينقصني لقبٌ جديد يزين السيرة، ولا منصبٌ يضاف إلى القائمة. ما كنت أطمح إليه، بصدق، هو أن أضع كل هذه الخبرات المتراكمة في خدمة مؤسسة وطنية، يُفترض أنها تمثل الإعلام العام، لا الإعلام الحكومي، وأن تسهم في بناء خطابٍ مهني، موضوعي، قادر على مواجهة التحديات، وصنع جسر ثقة بين المواطن والدولة، بعيداً عن التجاذبات السياسية والخطابات الطائفية.
لكن ما واجهته في قاعة المقابلة أمام هيئة المساءلة والعدالة، كان صادماً بأكثر من معنى. لم يكن الإشكال في الأسئلة بحد ذاتها، فهي قد تبدو شكلية لأي جهة رقابية، وإنما كان الإشكال في غياب الحد الأدنى من الاطلاع والاحترام لمن يمثلون الدولة.
حين يُسأل شخص قضى عمره في مواجهة الديكتاتورية البعثية، وذاق مرارة السجون بسبب مواقفه الوطنية المشرفة، عمّا إذا كان قد انتمى إلى حزب البعث المنحل، فإن الأمر لا يُعدّ مجرد خطأ إجرائي، بل ينطوي على إهانة ضمنية لتاريخ نضاله بأكمله.
وحين يُسأل إعلامي أمضى أكثر من نصف قرن في الصحافة والإعلام المرئي والمسموع، عمّا إذا كان قد سبق له ممارسة العمل الإعلامي، فإن السؤال يكشف أن اللجنة لا تعرف من يجلس أمامها، ولا تبذل عناء معرفته؛ فالأوراق تسبق الأشخاص، والنموذج الإداري يغدو أقدس من الخبرة الحية والتاريخ المهني.
والأنكى من ذلك أن يُسأل شخص أمضى سنوات طويلة في صفوف المعارضة، ويعرفه القاصي والداني ممن تولّوا الحكم بعد سقوط النظام السابق: "من يعرفك من القادة والمسؤولين في الدولة؟". وكأن الإجابة على هذا السؤال هي معيار الاستحقاق، أو جواز المرور إلى العمل في الإعلام العراقي، بما يوحي بأن المحاصصة والمحسوبية والمنسوبية هي الطريق، لا الكفاءة ولا السيرة ولا التاريخ الوطني.
في تلك اللحظة، أدركت أن المشكلة ليست في لجنة معينة، ولا في إجراء روتيني، بل هي أزمة ثقافة مؤسسية متأصلة، حيث تتحول الاستمارة إلى وثيقة مقدسة، والروتين إلى عائق، والشك المسبق إلى منهج عمل، والتحقق الموضوعي إلى رفاهية غير ضرورية. هذا الخلل ليس عابراً، بل هو نتاج نظام إداري يئن تحت وطأة المحاصصة، ويجعل من "الولاء الحزبي" معياراً أسمى من "الجدارة المهنية".
عدت، بعد سنوات، إلى الموقع الرسمي لمجلس الأمناء، وهذه المرة ليس بدافع الترشح، بل بدافع الباحث عن الحقيقة، وعن إجابة السؤال المقلق: هل تغير شيء؟ كنت أتوقع، بكل تفاؤلٍ سخيف، أن أجد نخبةً من الإعلاميين المخضرمين، والأكاديميين المتخصصين، والخبراء الاستراتيجيين، الذين يمثلون مدارس فكرية مختلفة، ويعكسون تنوع العراق الثقافي، ويحملون مشاريع واضحة لتطوير الخطاب الإعلامي. لكنني، وبكل أسف، وجدت تشكيلةً تعكس، باستثناء حالات محدودة يمكن عدّها على أصابع اليد، أسماءً لا يعرفها الرأي العام العراقي، ولا يمتلك معظمها سوى صلةٍ هامشية أو معدومة بحقل الإعلام، سواء من حيث التخصص الأكاديمي، أو الممارسة المهنية الطويلة، أو الإنتاج النظري.
وقد يكون لبعض هؤلاء الأعضاء كفاءات في مجالات أخرى- كالقانون، أو الإدارة، أو السياسة، أو حتى العمل الخيري- لكن السؤال المشروع، الذي يفرض نفسه بإلحاح، يبقى: هل أصبحت إدارة الإعلام شأناً يمكن أن يتولاه أي شخص، أم أنها مهنة لها أهلها، وخبراؤها، وتاريخها، وأدواتها؟ هل يمكن أن نعهد بجراحة القلب إلى طبيب عظام، أو ندير وزارة التربية بمهندسين؟ فلماذا إذن نُسلم الإعلام - وهو العصب الحيوي للوعي الجمعي - إلى من لا يعرفون الفرق بين التحرير الصحفي والإعلان السياسي، ولا بين المعيار المهني والإنحياز الفئوي؟
الإعلام في العراق، وفي أي دولة تسعى إلى الحداثة والديمقراطية، ليس مجرد دائرة خدمية روتينية، ولا مؤسسة يمكن إدارتها بمنطق التوازنات السياسية الضيقة، أو بتوزيع المناصب كغنائم حرب بين الأحزاب والكتل. إنه أحد أهم أدوات بناء الوعي الوطني، وصناعة الثقة بين الدولة والمجتمع، وحماية الهوية الثقافية، والدفاع عن السيادة الفكرية في مواجهة حملات التضليل والإغراق الإعلامي.
وعندما تُسند مسؤولية رسم سياساته والإشراف على خطابه إلى غير المختصين، فإن النتيجة تكون حتمية وقاسية: إعلاماً مرتبكاً، فاقداً للرؤية، متناقضاً في رسائله، عاجزاً عن منافسة الفضاء الإعلامي العربي والدولي، ومستسلماً للخطاب التجاري أو السياسي الرخيص، مما يفقده مصداقيته لدى الجمهور، ويحوله إلى أداة للتضليل بدلاً من أن يكون أداة للتنوير.
إن تجارب العديد من الدول التي نهضت بإعلامها، مثل بريطانيا في "بي بي سي"، أو اليابان في "إن إتش كيه"، أو حتى بعض التجارب العربية الناهضة، تثبت أن النجاح يبدأ باختيار القيادات القادرة على الموازنة بين الاستقلالية والمسؤولية الاجتماعية، وبين الالتزام بالمهنية واحترام التنوع. أما حين تُختار القيادات وفق المحاصصة، فسيظل الإعلام أسير المصالح الضيقة، وسيُهدر دوره التنموي، وسيُساهم في تعميق الانقسامات بدلاً من معالجتها.
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً، بل فادحاً، بسبب نظام المحاصصة الذي سرى في عروق مؤسسات الدولة كافة: من القضاء إلى الجامعات، ومن النفط إلى التربية، ومن الأمن إلى الإعلام. لكن خسارتها في الإعلام ربما تكون الأخطر على الإطلاق، لأنها ليست مجرد خسارة إدارية أو مالية، بل هي خسارة وجودية، لأنها تمس تشكيل وعي الأجيال، وتؤثر في صورة البلاد داخلياً وخارجياً، وتقوض مستقبل التجربة الديمقراطية الهشة أساساً. فالإعلام الفاسد ينتج وعياً مشوهاً، ومواطناً مستلباً، ودولةً غير قادرة على مخاطبة شعبها بلغة العقل والجمال.
إنها ليست محاصصةً في المناصب فحسب، بل في الرؤى والأفكار أيضاً، فيغدو الإعلام أسيراً للصراعات السياسية، لا رافعةً للمصلحة الوطنية ولا نافذةً على المستقبل. وعندما يتحول مجلس أمناء شبكة الإعلام العراقي إلى امتدادٍ للمحاصصة والمحسوبيات، فلن يصنع خطاباً وطنياً جامعاً، بل سينتج فوضىً إعلاميةً مضاعفة، تؤججها الانقسامات الحزبية، وتُقوّض قدرة الدولة على الصمود أمام التحديات الكبرى.
ليس المطلوب - وأكرر ذلك بكل وضوح - أن يتولى المناصب أشخاصٌ بأسمائهم بعينها، ولا أن تُمنح المواقع كهدايا تكريمية لتاريخ هذا أو ذاك، فالتاريخ وحده لا يكفي إذا لم يقترن بالرؤية والقدرة على التجديد. لكن المطلوب، بل الفرض الأخلاقي والوطني، هو أن يكون معيار الاختيار الأساسي والوحيد هو الكفاءة المهنية المثبتة، والخبرة الميدانية، والنزاهة السلوكية، والاستقلالية الفكرية، إلى جانب القدرة على قيادة فريق عمل في ظل بيئة إعلامية متسارعة التغير. فالمؤسسات لا تُبنى بالمجاملات، ولا تُدار بالمحسوبيات، ولا تُحمى بالولاءات، وإنما بالخبرات التي تستطيع أن تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وبالكفاءات التي تعرف كيف تحوّل الأزمات إلى فرص، والتحديات إلى مشاريع نهضة.
إن إصلاح الإعلام العراقي، الحقيقي والجذري، يبدأ حتماً من بوابة إصلاح الطريقة التي يُختار بها من يقود مؤسساته. وما لم يتحرر هذا القطاع الحيوي من منطق المحاصصة الحزبية، ومن ثقافة الإقصاء والإقصاء المضاد، فسيظل يدور في الحلقة المفرغة نفسها، مهما تبدلت الحكومات، وتغيرت الأسماء، وتعددت الوعود الانتخابية. وسيظل المواطن العراقي، ذلك المتعطش للحقيقة والصورة النقية، يبحث عن إعلامه في فضائيات الآخرين، أو يغرق في مستنقع الشائعات، لأنه فقد الثقة في مؤسساته الوطنية.
في النهاية، أقولها بكل أسى وأمل: إن الإعلام العراقي لا يستحق ما يحدث له، كما أن العراقيين لا يستحقون هذا الإعلام. إنهم يستحقون صوتاً وطنياً نزيهاً، يعكس تنوعهم وتاريخهم وتطلعاتهم، لا صوتاً مأزوماً بالصراعات، أو مأسوراً بالمحاصصة. وحين نحلم بإعلام جديد، فإننا نحلم بدولة جديدة، تكسر قيود الماضي، وتؤسس لمستقبل تسوده الكفاءة والعدالة والكرامة. وهذا الحلم، مهما بدا بعيداً، يبدأ بخطوة واحدة: أن نختار للعراق أهله، في الإعلام كما في سائر الميادين.
#جورج_منصور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟