أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - الفساد في العراق... المشكلة ليست في اللصوص وحدهم، بل في جمهورهم أيضاً















المزيد.....

الفساد في العراق... المشكلة ليست في اللصوص وحدهم، بل في جمهورهم أيضاً


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 02:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لأكثر من عشرين عاماً، ظل الخطاب العراقي يدور في حلقة واحدة: السياسيون سرقوا الدولة، والأحزاب نهبت المال العام، والمحاصصة دمرت المؤسسات، والفساد التهم مستقبل البلاد. وهذا كله صحيح، ولا يجادل فيه إلا منكر للواقع، فقد أنفقت مئات المليارات من الدولارات منذ عام 2003، بينما ما يزال العراق يعاني أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية. كما تضع تقارير منظمة الشفافية الدولية العراق باستمرار بين الدول ذات المستويات المرتفعة من الفساد، وتؤكد تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الفساد وسوء الحوكمة كانا من أبرز معوقات التنمية والاستثمار وبناء المؤسسات.
لكن بعد كل هذه السنوات، يفرض سؤال نفسه بإلحاح:
إذا كان الفاسد هو المسؤول الوحيد، فمن الذي أبقاه في موقعه؟
لا ينشأ جمهور الفساد من فراغ، بل تصنعه الدولة الضعيفة. فعندما يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، ويتحول الحصول على الوظيفة أو العلاج أو الأمن أو حتى إنجاز معاملة بسيطة إلى أمر لا يتحقق إلا عبر الحزب أو الزعيم أو العشيرة، يصبح الولاء الشخصي بديلاً عن المواطنة. وهنا لا يدافع الفرد عن الفاسد لأنه يؤمن بنزاهته، بل لأنه يخشى فقدان المنفعة أو الحماية التي يوفرها له. وهكذا تتحول العلاقة بين الحاكم والمحكوم من علاقة حقوق وواجبات إلى علاقة زبائنية، فيغدو الفساد جزءاً من آلية البقاء اليومية، لا مجرد انحراف أخلاقي.
نحب أن نرى أنفسنا ضحايا، لأن الضحية لا تُحاسب. لكن الأمم التي تريد النهوض تبدأ أولاً بمراجعة ذاتها، لا بالاكتفاء بإدانة الآخرين.
فالسياسي الفاسد لا يعيش في فراغ. إنه يحتاج إلى جمهور يبرر له، ويدافع عنه، ويصنع له صورة الزعيم الملهم، رغم أن الوقائع تنقض هذه الصورة عاماً بعد عام.
إن أخطر ما أصاب العراق ليس الفساد المالي وحده، بل تطبيع الفساد اجتماعياً؛ أي تحويله من جريمة تستوجب الإدانة إلى سلوك يمكن تبريره، إذا كان مرتكبه ينتمي إلى الحزب أو الطائفة أو العشيرة أو الجماعة التي ننتمي إليها. وهنا تتحول المشكلة من أزمة سلطة إلى أزمة مجتمع.
لقد أصبح من المألوف أن يشتكي المواطن من انقطاع الكهرباء، ثم يدافع عن المسؤول الذي تولى هذا الملف سنوات طويلة، وأن يلعن البطالة ثم يصوت مرة أخرى لمن لم يقدم لها حلاً. وأن يهاجم الفساد صباحاً، ثم يبحث مساءً عن واسطة لتعيين قريب أو تمرير معاملة أو الحصول على امتياز لا يستحقه.
ويصف علماء النفس هذه الحالة بما يعرف بـ"التنافر المعرفي"، حيث يجد الإنسان نفسه ممزقاً بين معرفته بأن المسؤول فاسد وبين ولائه له بسبب الانتماء أو المصلحة أو الهوية. وللتخلص من هذا التناقض، يبدأ العقل في تبرير الفساد بدلاً من إدانته، فيقنع صاحبه نفسه بأن "الجميع يسرق"، أو أن "زعيمنا يسرق لكنه يخدم جماعته"، أو أن "البديل أسوأ". ومع مرور الزمن، يتحول التبرير إلى قناعة، والقناعة إلى ثقافة عامة.

ولعل عالم السياسة الأمريكي صموئيل هنتنغتون كان دقيقاً عندما أشار إلى أن ضعف المؤسسات يجعل الولاءات الشخصية والعائلية والحزبية تتغلب على الولاء للدولة. وعندما يحدث ذلك، يصبح الدفاع عن المسؤول دفاعاً عن الهوية، لا عن الأداء، وتغدو مساءلته وكأنها اعتداء على الجماعة التي يمثلها.
أما الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل دوغلاس نورث فقد أكد أن نجاح الدول لا يعتمد فقط على الموارد، بل على قوة المؤسسات والثقافة التي تحميها. فإذا كانت الثقافة العامة تتسامح مع خرق القانون، فإن أفضل القوانين تصبح حبراً على ورق.
وفي العراق، تشكلت عبر سنوات طويلة شبكة معقدة من المصالح المتبادلة، قوامها ما يسميه علماء السياسة "الزبائنية السياسية"؛ أي تبادل الولاء السياسي بالمنافع الشخصية: وظيفة مقابل صوت انتخابي، أو عقد مقابل تأييد، أو حماية مقابل ولاء. وفي ظل هذه المعادلة، لا يكون المواطن مجرد متضرر من الفساد، بل يصبح أحياناً مستفيداً منه، ومن ثم مدافعاً عنه.
ولا يعني ذلك أن جميع العراقيين جزء من هذه المنظومة. فقد خرج مئات الآلاف في احتجاجات تطالب بالإصلاح، وقدم صحفيون وقضاة وموظفون ونشطاء تضحيات كبيرة في مواجهة الفساد، ودفع بعضهم حياته ثمناً لذلك. كما أن ملايين المواطنين كانوا ضحايا لظروف اقتصادية وأمنية وسياسية قلصت قدرتهم على التأثير.
لكن الاعتراف بهذه الحقائق لا يعفينا من الاعتراف بحقيقة أخرى، وهي أن شريحة من المجتمع أسهمت، بالصمت أو بالتبرير أو التعصب أو المصلحة أو بالتعصب أو إعادة انتخاب الوجوه نفسها، في إطالة عمر الفساد.
لقد أثبتت تجارب دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وجورجيا أن مكافحة الفساد لم تبدأ فقط بإصدار قوانين صارمة فحسب، بل بتغيير الثقافة السياسية، بحيث أصبح المسؤول يخشى غضب الناخب أكثر مما يخشى نصوص القانون. فالمجتمع هناك لا يمنح الفاشل فرصة جديدة لمجرد أنه ينتمي إلى جماعته، بل يحاسبه على النتائج.
أما نحن، فما زلنا نخلط بين الولاء للوطن والولاء للأشخاص، وبين الدفاع عن المبدأ والدفاع عن الزعماء.
إن الفساد لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق المعايير الأخلاقية أيضاً. فعندما يصبح اللص بطلاً، والناقد خائناً، وصاحب المصلحة الشخصية أكثر احتراماً من صاحب الموقف الوطني، فإن المشكلة لم تعد في الدولة وحدها، بل في الثقافة التي تحمي هذا الواقع.
فالسياسي الفاسد مسؤول لأنه سرق، واستغل السلطة، وخان الأمانة. لكن من يمنحه حصانة اجتماعية، أو يبرر له، أو يعيد إنتاجه انتخابياً رغم إخفاقه، يتحمل نصيباً من المسؤولية الأخلاقية والسياسية، وإن بدرجة مختلفة.
فالمواطن ليس مجرد متلقٍ لنتائج الحكم، بل هو جزء من البيئة التي تصنعه. والديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل ثقافة مساءلة، ورفض للمحاباة، وإيمان بأن المسؤول موظف لدى الشعب، لا زعيم فوق المحاسبة.
ولعل أخطر أشكال الفساد هو ذلك الذي لم يعد كثيرون يعتبرونه فساداً أصلاً. فحين يدفع المواطن رشوة لإنجاز معاملة، أو يستخدم الواسطة لتجاوز مستحقين أكثر كفاءة، أو يتهرب من الضريبة، أو يستغل الوظيفة العامة لمصلحة خاصة، فإنه يسهم، ولو بقدر محدود، في ترسيخ المنظومة نفسها التي ينتقدها. فالفساد الكبير لا ينمو إلا في بيئة تتسامح مع الفساد الصغير، لأن كليهما يقوم على تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
ولهذا، فإن أخطر شعارات المرحلة ليست تلك التي تتحدث عن محاربة الفساد، بل تلك التي تعفي المجتمع من أي مسؤولية. فالأمم لا تتغير عندما تكتفي بلعن الفاسدين، وإنما عندما تتوقف عن إنتاج البيئة التي تسمح لهم بالاستمرار.
إن العراق لن يخرج من دوامة الفساد بمجرد تغيير الأشخاص، ما دامت الثقافة السياسية والاجتماعية التي تحمي الفاسدين باقية. فالفاسد لا يحكم وحده، بل يحكم أيضاً بمن يصفق له، ويبرر له، ويعيده إلى السلطة، ثم يتساءل بعد ذلك: لماذا لم يتغير الوطن؟
ولهذا السبب أخفقت معظم شعارات الإصلاح التي رفعتها الحكومات العراقية المتعاقبة. فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على استبدال وزير بآخر، أو تشكيل هيئة جديدة، أو إطلاق حملة إعلامية، بل يبدأ بإعادة العلاقة بين المجتمع والدولة. فإذا ظل الناخب يكافئ الفشل، ويغفر للفساد باسم الهوية، ويقدم مصلحته قبل المصلحة العامة، فإن أي مسؤول جديد سيجد نفسه محكوماً بالقواعد القديمة نفسها.
خاتمة:
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهار فقط عندما يكثر فيها الفاسدون، بل عندما يصبح الفساد مقبولاً اجتماعياً. فالقانون، مهما بلغت صرامته، يعجز عن حماية مجتمع لا يريد حماية نفسه. والقضاء، مهما بلغت استقلاليته، لا يستطيع وحده أن ينتصر إذا كان الرأي العام يمنح الفاسد شرعية جديدة في كل دورة انتخابية.
إن معركة العراق ضد الفساد ليست معركة بين حكومة ومعارضة، ولا بين حزب وآخر، بل هي معركة بين ثقافتين: ثقافة تعتبر الدولة غنيمة، وثقافة تراها وطناً؛ ثقافة تبرر الفساد إذا صدر من "أبنائنا"، وثقافة تحاسب الجميع بمعيار واحد؛ ثقافة الولاء للأشخاص، وثقافة الولاء للمؤسسات.
وعندما ينتصر المعيار الثاني، يصبح الفساد استثناءً يُعاقب عليه، لا قاعدةً يُتعايش معها. أما إذا بقيت الثقافة السياسية والاجتماعية على حالها، فإن الوجوه قد تتغير، لكن المنظومة ستبقى كما هي، وستظل تنتج الفساد جيلاً بعد جيل.
ولهذا، فإن السؤوال الذي ينبغي أن يطرحه كل عراقي على نفسه ليس فقط: من سرق الوطن؟ بل أيضاً: كيف سمحنا، بصمتنا أو تعصبنا أو خياراتنا، بأن يستمر من سرقه في حكمه؟

إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الحقيقي.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تحولت مكاتب رؤساء الوزراء في العراق إلى ملاذ للمناصب الف ...
- ماذا يعني أن تكون الدولة غير محترمة؟ العراق أنموذجاً
- هل سيرى العراق انفراجاً بعد توقيع اتفاقية سلام بين إيران وال ...
- سيفو بعد مئة وإحدى عشرة سنة: ذاكرة الدم التي لم تمت
- القشلة: صرح بغداد التاريخي بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع
- العراق بين تبديل الأمكنة وعجز التغيير الداخلي
- الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع
- الطريق إلى لولان.. حين صار الضحك مقاومة
- ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟
- يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
- الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل
- حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
- عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
- الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل ...
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار


المزيد.....




- كيف نحافظ على -أثر البدايات- دون أن نفقد الشغف في منتصف الطر ...
- شركات السلاح الغربية تطوّر وسائل قتال روسيا في أوكرانيا
- نقطة اللاعودة: الولايات المتحدة ستصطدم مع أوروبا بشأن أوكران ...
- تجربة فضائية لتشخيص الجلطات قد تحسن الرعاية الصحية على الأرض ...
- أول زفاف لروبوتين في روسيا.. الذكاء الاصطناعي يلتقي بتقاليد ...
- نظرية جديدة تكشف طريقة نقل أحجار ستونهنج العملاقة قبل آلاف ا ...
- Nothing تطلق هاتفها الأحدث قريبا
- دراسة كندية: منتجات الألبان كاملة الدسم آمنة في حال تناولها ...
- ترامب: سأطلب من المحكمة العليا إعادة النظر في قضية الجنسية ب ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف قواعد أمريكية في الكويت و ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - الفساد في العراق... المشكلة ليست في اللصوص وحدهم، بل في جمهورهم أيضاً