أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - هل سيرى العراق انفراجاً بعد توقيع اتفاقية سلام بين إيران والولايات المتحدة؟















المزيد.....

هل سيرى العراق انفراجاً بعد توقيع اتفاقية سلام بين إيران والولايات المتحدة؟


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 04:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ عام 2003 دخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه السياسي، حملت معها آمالاً واسعة ببناء دولة ديمقراطية حديثة قادرة على تعويض عقود طويلة من الحروب والعقوبات والاضطرابات. وكان العراقيون يتطلعون إلى قيام نظام سياسي يرسخ دولة المؤسسات والقانون، ويحقق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويعيد إعمار ما دمرته الصراعات المتعاقبة.
إلا أن الواقع الذي تبلور خلال أكثر من عقدين جاء مختلفاً عن تلك التطلعات. فبدلاً من أن تتجه الدولة نحو ترسيخ أسس الحكم الرشيد، برزت تحديات معقدة تمثلت في نظام المحاصصة السياسية والطائفية، وتفشي الفساد المالي والإداري، وضعف المؤسسات الرقابية، وتراجع الخدمات العامة، وتعثر مشاريع التنمية والبنية التحتية، رغم العائدات النفطية الضخمة التي دخلت خزينة الدولة خلال هذه السنوات.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، يبرز سؤال مهم يفرض نفسه على المشهد العراقي: هل يمكن أن يشهد العراق انفراجاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً إذا نجحت الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق سلام شامل ينهي عقوداً من التوتر والصراع بينهما؟
لا يختلف اثنان على أن العراق كان خلال السنوات الماضية أحد أهم ميادين التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وطهران. فمنذ سقوط النظام السابق أصبح البلد جزءاً أساسياً من معادلات النفوذ الإقليمي، وتأثرت سياساته الداخلية بدرجات متفاوتة بالتوازنات والصراعات بين القوتين. وقد انعكس هذا الواقع على المشهد السياسي والأمني العراقي بصورة مباشرة وغير مباشرة، حتى بدا العراق في كثير من الأحيان وكأنه ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية أكثر من كونه دولة قادرة على صياغة سياساتها باستقلالية كاملة.
وقد أسهم هذا التنافس في تعقيد عملية بناء الدولة العراقية، وأدى إلى تشابك الولاءات والمصالح، كما أضعف قدرة الحكومات المتعاقبة على اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة عن تأثيرات الاستقطاب الخارجي. ولذلك فإن أي تقارب حقيقي بين الولايات المتحدة وإيران قد يخفف من حدة الضغوط التي تعرض لها العراق خلال السنوات الماضية.
وفي حال تحقق اتفاق سلام مستدام بين الطرفين، فإن أولى النتائج المحتملة ستكون انخفاض مستوى التوتر السياسي والعسكري في المنطقة. ومن شأن ذلك أن يقلل من احتمالات المواجهات غير المباشرة والصراعات بالوكالة، ويحد من استخدام الساحة العراقية لتبادل الرسائل السياسية والأمنية بين القوى المتنافسة.
كما أن تراجع التوتر الإقليمي قد يمنح الحكومة العراقية مساحة أوسع للتحرك وفق أولوياتها الوطنية، ويساعد على تعزيز الاستقرار الأمني الذي يعد شرطاً أساسياً لأي عملية تنموية أو اقتصادية ناجحة. فالاستقرار لا يجذب المستثمرين فحسب، بل يخلق أيضاً بيئة أكثر ملاءمة لتخطيط المشاريع طويلة الأمد وتنفيذها.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يفتح أي اتفاق شامل آفاقاً جديدة أمام العراق. فاستقرار المنطقة سيشجع الشركات الدولية على زيادة استثماراتها في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والاتصالات والبنية التحتية. كما قد يساهم في تعزيز حركة التجارة الإقليمية وتحسين فرص التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة، الأمر الذي يمكن أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد العراقي الذي يمتلك إمكانات كبيرة ما زالت غير مستغلة بالشكل المطلوب.
غير أن ربط مستقبل العراق بالكامل بمصير العلاقات الأمريكية الإيرانية يبقى تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً. فالأزمة العراقية ليست نتاج العوامل الخارجية وحدها، بل إن جذورها الحقيقية تمتد إلى الداخل العراقي نفسه. وخلال أكثر من عشرين عاماً تراكمت أزمات الفساد وسوء الإدارة وضعف التخطيط وغياب المساءلة، حتى أصبحت تشكل عائقاً أساسياً أمام أي عملية إصلاح أو تنمية.
فالمحاصصة السياسية التي نشأت بوصفها آلية لإدارة التوازنات تحولت تدريجياً إلى نظام لتقاسم النفوذ والمناصب، وغالباً ما جرى تقديم الولاءات الحزبية على الكفاءة والخبرة. كما أن قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل والإسكان ما زالت تعاني من مشكلات مزمنة رغم الموازنات الضخمة التي خصصت لها عبر السنوات.
ومن هنا فإن أي انفراج ناتج عن اتفاق أمريكي إيراني لن ينعكس تلقائياً على حياة المواطن العراقي ما لم يترافق مع إصلاحات داخلية جادة وشاملة. فالمواطن الذي يعاني من البطالة وضعف الخدمات وارتفاع نسب الفقر لا ينتظر فقط نهاية التوترات الإقليمية، بل ينتظر دولة قادرة على إدارة ثرواته بكفاءة، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان العدالة وتكافؤ الفرص.
إن تحسين أوضاع العراقيين يتطلب قبل كل شيء مواجهة حقيقية للفساد بكل أشكاله، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية، وإعادة بناء الإدارة العامة على أسس مهنية بعيداً عن المحاصصة والمحسوبيات. كما يتطلب إطلاق مشاريع تنموية استراتيجية تعالج التدهور الكبير في البنية التحتية، وتوفر فرص عمل مستدامة للشباب الذين يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع.
كذلك يحتاج العراق إلى رؤية اقتصادية طويلة الأمد تنهي الاعتماد شبه الكامل على النفط بوصفه المصدر الرئيسي للدخل الوطني. فالدول التي تحقق الاستقرار والازدهار هي تلك التي تنوع اقتصاداتها وتستثمر في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتعليم والموارد البشرية. والعراق يمتلك من الإمكانات الطبيعية والبشرية ما يؤهله ليكون قوة اقتصادية مؤثرة إذا أحسن استثمار موارده.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن السلام الخارجي لا يصنع الازدهار تلقائياً، بل يوفر البيئة المناسبة للإصلاح. أما النجاح الحقيقي فيبقى رهناً بوجود إرادة سياسية وطنية قادرة على اتخاذ قرارات جريئة تضع مصلحة الدولة فوق المصالح الحزبية والفئوية الضيقة.
إن العراقيين لا ينتظرون فقط هدوء الصراعات الإقليمية، بل يتطلعون إلى نهاية حقبة طويلة من الهدر والفساد وسوء الإدارة. إنهم ينتظرون دولة توفر الكهرباء والماء الصالح للشرب والتعليم الجيد والرعاية الصحية وفرص العمل، وتحفظ كرامة المواطن وتصون حقوقه وتطبق القانون على الجميع دون استثناء.

لذلك يمكن القول إن أي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، إذا تحقق، قد يشكل فرصة تاريخية مهمة للعراق للتخفف من أعباء الصراعات الإقليمية واستعادة جزء من استقلالية قراره الوطني. لكنه سيبقى مجرد فرصة، وليس حلاً سحرياً لجميع المشكلات المتراكمة.
فالانفراج الحقيقي لن يأتي من العواصم الخارجية وحدها، بل سيولد أولاً من داخل العراق نفسه، عندما تتوافر الإرادة السياسية لبناء دولة المؤسسات والقانون، وعندما تصبح المواطنة أساس العلاقة بين الدولة وأبنائها، وعندما تتحول ثروات البلاد إلى أدوات للتنمية والازدهار بدلاً من أن تكون مجالاً للصراع والتنافس على النفوذ.
ومن الضروري التأكيد أن أي فرصة قد تنشأ عن تقارب أمريكي ـ إيراني لن تؤتي ثمارها ما لم تقترن بوقف جميع أشكال التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن العراقي، واحترام سيادة العراق وحقه في اتخاذ قراراته الوطنية بعيداً عن الضغوط والاستقطابات الخارجية. فقد عانى العراق طويلاً من تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل بين القوى المتنافسة، الأمر الذي استنزف موارده وأضعف مؤسساته وأعاق مسيرة بنائه واستقراره.
إن المصلحة الوطنية العراقية تقتضي إنهاء سياسة تجيير العراق لخدمة مصالح الآخرين أو استخدام أراضيه وإمكاناته ضمن مشاريع ومحاور إقليمية لا تنسجم بالضرورة مع أولويات شعبه واحتياجاته. فالعراق بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة تقوم على مبدأ المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم الانحياز إلى الصراعات، بما يضمن حماية سيادته وتعزيز دوره كدولة مستقلة تسعى إلى بناء علاقات إيجابية مع جميع الأطراف دون أن تكون جزءاً من نزاعاتهم أو امتداداً لنفوذهم.
عندها فقط يمكن للعراقيين أن يشعروا بأن سنوات المعاناة الطويلة لم تذهب هدراً، وأن المستقبل قد يحمل أخيراً ما حرموا منه طويلاً: الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية والحياة الكريمة. فمستقبل العراق لن تحدده الاتفاقيات الدولية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل سيحدده بالدرجة الأولى وعي شعبه، ونضج طبقته السياسية، وقدرتهما معاً على بناء دولة سيدة مستقلة القرار، تحمي مصالح مواطنيها وتضعها فوق كل اعتبار، وتنتقل من مرحلة المحاصصة والصراع والتبعية إلى مرحلة الدولة الحديثة والمؤسسات الراسخة.
وعندما يصبح القرار العراقي نابعاً من الإرادة الوطنية الحرة، وعندما تتوقف التدخلات الخارجية ويُعاد توجيه موارد البلاد لخدمة التنمية والإنسان، سيكون العراق أكثر قدرة على استثمار أي فرصة إقليمية أو دولية وتحويلها إلى إنجاز حقيقي ينعكس على حياة مواطنيه ومستقبل أجياله.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيفو بعد مئة وإحدى عشرة سنة: ذاكرة الدم التي لم تمت
- القشلة: صرح بغداد التاريخي بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع
- العراق بين تبديل الأمكنة وعجز التغيير الداخلي
- الحكومة الجديدة بين شرعية البرلمان وامتحان الشارع
- الطريق إلى لولان.. حين صار الضحك مقاومة
- ليس مجرد غياب: كيف أعاد المنفى تشكيل المثقف العراقي؟
- يوميات شاعر خلف طاولة العرائض
- الديمقراطية في العراق: الإله الذي فشل
- حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
- عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
- الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل ...
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
- لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
- هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
- أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال


المزيد.....




- ترامب يرد على -التوبيخ الكبير- بإقرار الشيوخ لتقييد صلاحياته ...
- سلطنة عُمان تصدر بيانا يوضح المسار المؤقت بمضيق هرمز
- حدث نادر: توأمان يتزوجان توأمتين في حفل زفاف مفعم بالفرح في ...
- التضخم في أمريكا يرهق ميزانيات الأسر والانفراج لا يبدو قريبا ...
- حب البصل وعلاقته المثيرة بخفض السكري وضغط الدم
- تاياني يرشح أنطونيو كوستا ممثلا موحدا لأوروبا للحوار مع روسي ...
- خمسة فحوصات أساسية للأشخاص فوق 35 عاما
- اكتشاف جديد على تيتان وبلوتو يعزز فهم الكيمياء العضوية خارج ...
- كيم جونغ يجهز سفينة حربية ويحذر من -حافة حرب نووية-
- قناة إسرائيلية: واشنطن تقلص طائراتها العسكرية بمطار بن غوريو ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - هل سيرى العراق انفراجاً بعد توقيع اتفاقية سلام بين إيران والولايات المتحدة؟