جورج منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 16:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تُعدّ الهوية الوطنية بمثابة بطاقة الانتماء إلى الوطن الواحد، وهي الإطار الجامع الذي يلتقي في ظله المواطنون على اختلاف أصولهم وقومياتهم وأديانهم ومذاهبهم ومناطقهم. وتتجسد هذه الهوية في مجموعة من الخصائص والرموز المشتركة التي تعبّر عن الدولة والمجتمع، مثل العلم وشعار الدولة والنشيد الوطني والتاريخ المشترك واللغة والذاكرة الجمعية، إلى جانب منظومة القيم والمبادئ التي تقوم عليها المواطنة والعيش المشترك.
غير أن الهوية الوطنية لا تعني إلغاء الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والقومية والدينية والمذهبية، ولا تعني صهر الجميع في قالب واحد. فالهوية الوطنية الحديثة تقوم، في جوهرها، على فكرة التعدد داخل الوحدة؛ أي أن يكون للمواطن انتماؤه الثقافي أو القومي أو الديني أو المذهبي الخاص، من دون أن يتعارض ذلك مع انتمائه الأوسع إلى وطنه. بل إن التنوع، متى ما أُدير في إطار دولة القانون والمؤسسات، يمكن أن يتحول من مصدر للصراع إلى مصدر قوة وإثراء للمجتمع.
ومن هنا يحتل موضوع الهوية الوطنية مساحة واسعة في الفكر السياسي والاجتماعي المعاصر، لما له من صلة مباشرة بحقوق الفرد والمجتمع، وبمبادئ المواطنة والمساواة والعدالة والحرية، وهي مبادئ كرستها الدساتير الديمقراطية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. فالهوية الوطنية ليست مجرد شعور عاطفي بالانتماء إلى الأرض، وإنما هي أيضاً علاقة قانونية وأخلاقية وسياسية بين المواطن والدولة، تقوم على الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون، وعلى شعور الفرد بأن الوطن ملك لجميع أبنائه، وليس حكراً على جماعة أو حزب أو طائفة أو قومية.
وعلى هذا الأساس، ينبغي أن تكون الدولة الوطنية إطاراً جامعاً يتجاوز الهويات العرقية والطائفية الضيقة، من دون أن ينكر وجودها أو يحاول إلغاءها. فالهويات الفرعية هي نتاج تاريخ طويل من التفاعل بين الجماعات البشرية، وهي تحمل معها موروثاً ثقافياً واجتماعياً ودينياً ولغوياً واقتصادياً متراكماً. والمشكلة لا تكمن في وجود هذه الهويات، وإنما تبدأ عندما تتحول من مكونات ثقافية واجتماعية إلى أدوات سياسية للصراع على السلطة والثروة والنفوذ، أو عندما تصبح هوية الجماعة مقدمة على هوية الوطن وحقوق المواطنة.
وتتشكل الهوية، بصورة عامة، من خلال التجربة المشتركة والتاريخ والذاكرة واللغة والثقافة والتفاعل الاجتماعي، كما تتأثر بالقيم التي يتعلمها الفرد داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع ومؤسسات الدولة. ومن ثم فإن الهوية الوطنية ليست شيئاً ثابتاً ونهائياً، وإنما هي عملية مستمرة قابلة للتطور وإعادة البناء. وكلما شعر الإنسان بأن وطنه يحمي كرامته وحقوقه ويوفر له العدالة والأمان وتكافؤ الفرص، ازدادت صلته به وارتبط انتماؤه الوطني بمشاعر إيجابية عميقة.
وفي الحالة العراقية، تبدو قضية الهوية الوطنية أكثر تعقيداً، بسبب الطبيعة المتنوعة للمجتمع العراقي، وبسبب التاريخ السياسي المضطرب الذي مرّت به الدولة الحديثة. فعمر الدولة العراقية الحديثة يقترب من قرن، إذ تأسست المملكة العراقية عام 1921 في أعقاب مرحلة طويلة من الحكم العثماني، حين كانت مناطق بغداد والموصل والبصرة تشكل ولايات عثمانية ضمن نظام سياسي مختلف عن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة.
ولم يكن الانتقال من مجتمع الولايات العثمانية إلى دولة وطنية حديثة عملية سهلة أو مكتملة. فقد كان العراق منذ بدايات تأسيس دولته الحديثة مجتمعاً شديد التنوع، يضم العرب والكرد والآشوريين والكلدان والتركمان وغيرهم، والمسلمين والمسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين والشبك والكاكائيين وغيرهم من المكونات، إلى جانب تعدد المذاهب والاتجاهات السياسية والاجتماعية. وكان التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذا التنوع التاريخي إلى مواطنة متساوية، بحيث يشعر العربي بأن الكردي شريك كامل في الوطن، وأن الشيعي والسني متساويان في الحقوق والواجبات، وأن المسلم والمسيحي والصابئي المندائي والإيزيدي والكاكائي والشبكي وغيرهم ينتمون إلى وطن واحد تحميهم دولته وقوانينه.
ومنذ تشريع أول دستور عراقي عام 1925، ظلت مسألة بناء دولة المواطنة تواجه تحديات سياسية واجتماعية كبيرة. ولم تستطع الأنظمة السياسية المتعاقبة أن ترسخ بصورة مستقرة مفهوم المواطنة المتساوية، إذ ظلت الدولة في مراحل عديدة أسيرة لموازين القوة والصراعات السياسية والاجتماعية، وتفاوتت علاقة المواطن بالدولة بحسب موقعه السياسي أو الاجتماعي أو القومي أو الطائفي.
ثم جاء نظام صدام حسين ليكرس نموذجاً شديد المركزية، اختُزلت فيه الدولة والحزب والسلطة في بنية سياسية واحدة، وأصبحت المواطنة في كثير من الأحيان مرتبطة بدرجة الولاء للنظام السياسي، لا بالحقوق المتساوية التي يكفلها القانون. وبذلك ابتعد مفهوم الدولة عن جوهر المواطنة، وتحول المواطن إلى تابع للسلطة أكثر من كونه شريكاً في بناء الدولة وصاحب حق أصيل فيها.
وبعد عام 2003، كان يفترض أن تفتح التحولات السياسية الباب أمام إعادة بناء الدولة العراقية على أساس المواطنة والدستور والمؤسسات والحقوق والحريات. غير أن التجربة السياسية اللاحقة لم تنجح، بالقدر المأمول، في بناء هوية وطنية جامعة. فقد أسهمت المحاصصة السياسية والتنافس الحزبي والصراع على النفوذ في إعادة إنتاج الهويات الفرعية، ولا سيما عندما تحولت الانتماءات الطائفية والقومية من خصوصيات اجتماعية وثقافية إلى أدوات لتوزيع السلطة والمناصب والموارد.
كما أدى انتشار الفساد وضعف المؤسسات وتراجع الثقة بالدولة إلى إضعاف الشعور بالمواطنة. فحين يرى المواطن أن فرص العمل والخدمات والمناصب العامة والامتيازات لا تُوزع دائماً وفق الكفاءة والمواطنة، وإنما تتأثر بالانتماء السياسي أو الحزبي أو الطائفي أو القومي، فإن ثقته بالدولة تتراجع، ويجد نفسه مضطراً للبحث عن حماية بديلة في الجماعة أو الحزب أو العشيرة أو الطائفة.
وقد تجلى فشل النخب السياسية المتعاقبة في بناء هوية وطنية راسخة في الصراعات التي أخذت أشكالاً متعددة، من التوترات الطائفية إلى الصراعات القومية والحزبية والمناطقية. ولم تتوقف المشكلة عند حدود الانقسام بين الهويات الكبرى، بل ظهرت داخل كل هوية انقسامات وصراعات فرعية، فأصبح المشهد أكثر تعقيداً: شيعي-شيعي، وسني-سني، وكردي-كردي، إلى جانب صراعات حزبية ومناطقية وشخصية تتقاطع أحياناً مع الانتماءات الاجتماعية والدينية والقومية.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: فالهويات الفرعية التي كان يفترض أن تكون مصدراً للتنوع الثقافي والاجتماعي، تحولت في بعض المراحل إلى أدوات للتنافس السياسي، بينما بقيت الهوية الوطنية الجامعة ضعيفة في مواجهة هذا المد من الانقسامات. وليس المطلوب، بالطبع، إلغاء تلك الهويات أو إنكارها، فذلك أمر غير ممكن ولا مرغوب فيه، وإنما المطلوب أن تكون المواطنة العراقية هي الإطار الأعلى الذي تنتظم داخله جميع تلك الانتماءات.
إن العراق اليوم أحوج ما يكون إلى إعادة تعريف مفهوم الدولة الوطنية. فالدولة ليست جماعة طائفية أو قومية، وليست حزباً أو تياراً أو مرجعية، وإنما هي مؤسسة عامة لجميع المواطنين. والجيش العراقي، وسائر المؤسسات الأمنية والعسكرية، ينبغي أن تكون مؤسسات وطنية جامعة، يكون ولاؤها للدستور والدولة والشعب، لا للأحزاب أو الجماعات أو الأشخاص. فوجود الدولة لا يستقيم مع تعدد مراكز القوة المسلحة خارج إطار القانون، لأن احتكار الدولة المشروع للقوة جزء أساسي من سيادة القانون واستقرار المجتمع.
كما أن بناء الهوية الوطنية لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وحدها. فالهوية تُبنى في المدرسة والجامعة والشارع ومؤسسات الدولة، وفي طريقة توزيع الثروة والخدمات، وفي احترام القانون، وفي استقلال القضاء، وفي حرية التعبير، وفي حماية حقوق الأقليات، وفي تكافؤ الفرص. وكلما لمس المواطن هذه المبادئ في حياته اليومية، تحولت الهوية الوطنية من مفهوم نظري إلى تجربة معيشة.
ولا يمكن أيضاً تجاهل الدور الذي تؤديه النخب السياسية والثقافية والدينية في هذا المجال. فهذه النخب تتحمل مسؤولية تاريخية في ترسيخ ثقافة التسامح والحوار، والدفاع عن حقوق جميع المواطنين، ونبذ خطاب الكراهية والطائفية والتمييز، وتشجيع الشباب على رؤية العراق بوصفه وطناً مشتركاً، لا ساحة مفتوحة للصراع بين الهويات.
إن التهميش والاضطهاد والتمييز الذي تعرضت له جماعات ومكونات عراقية مختلفة عبر مراحل التاريخ الحديث أسهم في تعميق الشعور بالخوف والبحث عن الحماية داخل الهويات الفرعية. ولذلك فإن معالجة أزمة الهوية الوطنية لا تبدأ بمطالبة الناس بالتخلي عن خصوصياتهم، بل تبدأ بضمان حقوقهم، والاعتراف بتنوعهم، ومحاسبة من يمارس التمييز بحقهم، وإقامة دولة يشعر فيها الجميع بأن القانون يحميهم على قدم المساواة.
فالهوية الوطنية العراقية لا ينبغي أن تكون هوية مفروضة من أعلى، ولا مشروعاً لإلغاء الآخر، وإنما عقداً اجتماعياً جديداً يقوم على المواطنة المتساوية. عراقٌ لا يكون فيه المواطن أكثر أو أقل عراقية بسبب مذهبه أو قوميته أو دينه أو منطقته، ولا يحتاج فيه الإنسان إلى هوية فرعية تحميه من الدولة، لأن الدولة نفسها تصبح مصدر الحماية والعدالة والحقوق.
إن العراق يمتلك كل المقومات التي تسمح له ببناء هوية وطنية قوية: تاريخ عريق، وحضارات متعاقبة، وذاكرة مشتركة، وتنوع ثقافي وديني وقومي غني، وموقع جغرافي مهم، وموارد اقتصادية وبشرية كبيرة. غير أن هذه المقومات تحتاج إلى مشروع وطني يحولها من عناصر متفرقة إلى قوة جامعة.
ورغم ما مرّ به العراق من مآسٍ وانقسامات عميقة، فإن الهوية الوطنية تظل حاضرة ما دام هناك شعب يتطلع إلى بناء دولة عادلة، وأجيال جديدة تنشد مستقبلاً مختلفاً. ولعل التجارب المريرة التي خلّفها الماضي لا ينبغي أن تُفهم بوصفها نهاية الطريق، بل باعتبارها درساً تاريخياً يمكن أن يسهم في دفع العراقيين نحو إعادة بناء علاقتهم بالدولة والوطن والمجتمع، على أسس أكثر تماسكاً وعدلاً ووعياً.
إن العراق لا يحتاج إلى هوية تلغي الهويات، بل إلى هوية وطنية تحتضنها جميعاً؛ لا تحتاج إلى مواطن متشابه مع الآخرين، بل إلى مواطن مختلف في ثقافته وانتمائه، ومتساوٍ معهم في الحقوق والكرامة. وعندما يصبح العراقي مواطناً قبل أن يكون تابعاً لطائفة أو قومية أو حزب، وعندما يصبح القانون فوق الجميع، والثروة العامة حقًا لجميع العراقيين، والمؤسسات ملكاً للدولة لا للأفراد والجماعات، عندها فقط يمكن القول إن الهوية الوطنية العراقية قد بدأت تستعيد عافيتها.
فالهوية الوطنية ليست مجرد علم يرفرف فوق المؤسسات، ولا نشيداً يُردد في المناسبات، ولا شعاراً يُرفع في الخطب؛ إنها عدالة ومواطنة وكرامة ومساواة وذاكرة مشتركة ومستقبل مشترك. وإذا استطاع العراق أن يحول هذه القيم إلى واقع سياسي واجتماعي، فإن تنوعه لن يكون سبباً لانقسامه، بل سيكون أحد أهم مصادر قوته.
ومن هنا، فإن بناء العراق الجديد لا يبدأ بإلغاء الاختلاف، وإنما بإدارة الاختلاف بعدالة؛ ولا يبدأ بتوحيد الناس قسراً، وإنما بتوحيدهم حول قيم المواطنة والدستور والقانون والحرية والكرامة الإنسانية. وحين يشعر كل عراقي أن هذا الوطن وطنه، وأن الدولة دولته، وأن القانون يحميه كما يحمي غيره، فإن الهوية الوطنية لن تكون مشروعاً مؤجلاً، بل حقيقة يعيشها العراقيون كل يوم.
#جورج_منصور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟