عبد الكريم حسن سلومي
الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 16:03
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
هل نحتاج إلى فلسفة هندسية جديدة لإعادة إحياء الأهوار (19)
تمهيد
حين نسمع عبارة إعادة إحياء الأهوار يتجه تفكيرنا غالبا إلى إعادة المياه إلى المساحات التي تعرضت للجفاف، وهذا مفهوم طبيعي لكثير من الناس خاصة بعد تجربة التسعينيات وما تبعها من إعادة الغمر بعد عام 2003.
لكن بعد مرور أكثر من عقدين على بدء الإحياء أصبح من الضروري طرح سؤال أكثر عمقا وهو
هل يكفي أن نتعامل مع الأهوار باعتبارها مناطق يجب إيصال المياه إليها أسوة بمشاريع الري التي توصل المياه الى مزارع الفلاحين أم أننا نحتاج إلى فلسفة هندسية جديدة تتعامل مع الأهوار بوصفها نظام بيئي حي يحتاج إلى تشغيل ومراقبة مستمرة ،ومن وجهة نظري كمختص الجواب واضح نحن نحتاج فعلا إلى الانتقال من هندسة إيصال المياه(الري) إلى (هندسة إدارة النظام البيئي بالمياه).والفرق بين الاثنين كبير.
أولا:-الهندسة التقليدية
في مشروعات الري التقليدية تكون المهمة الأساسية واضحة وهي كيف نوصل المياه من المصدر إلى المستفيد، فنقوم بحساب التصريف المطلوب للمساحة المزروعة او المطلوب زراعتها ونصمم القناة ونحدد ابعادها ونبني المنشأت المطلوبة ونبدأ بتشغيل المشروع ،أما في الأهوار فالماء ليس هدفا بحد ذاته بل هو وسيلة لتحقيق مجموعة واسعة من الوظائف.
والمطلوب منه أن يحافظ على النباتات والاسماك والطيور والجاموس والملوحة المناسبة والاتصال الهيدرولوجي ونوعية المياه و المجتمع المحلي . لذلك فأن نجاح القناة لا يعني بالضرورة نجاح الهور.
ثانيا:-التحول من مفهوم وصول الماء الى مفهوم ماذا ادى الماء
فمن وصول الماء إلى أداء الماء فهذه هي النقلة الأساسية التي نسعى لها فعلا .فإذا وصل مثلا مليون متر مكعب إلى منطقة ما يجب ألا يكون السؤال هو (هل وصلت المياه) بل المفروض أن يكون ماذا فعلت المياه فهل
رفع المنسوب وتحسنت النوعية وهل تم اعادة الاتصال وخفضت الملوحة وهل ساعدت على التكاثر وهل حافظت على العمق فهذا هو ما يجب ان يفعله الماء وما نريده لذلك فالإدارة الحديثة يجب أن تقيس الأداء لا الحجم فقط.
ثالثا:-الهور ليس مشروع ثابت
النظام البيئي الحي بطبيعته يتغير يوميا وموسميا فمثلا درجة الحرارة تتغير والتبخر يتغير وكذلك المناسيب تتغير والامطار تختلف كل وقت والملوحة ترتفع وتنخفض ،والطيور تأتي وتغادر والأسماك تتكاثر في مواسم معينة. ولذلك فإن تشغيل الهور بخطة ثابتة طوال السنة يشبه إدارة مشروع ري من دون معرفة الموسم الزراعي.
رابعا:- تشغيل موسمي وبيئي.
يمكن أن نمتلك بالمشروع أفضل القنوات والبوابات والمنشأت والتقنيات ولكن إذا كانت قرارات التشغيل غير مناسبة فأننا حتما لن نحقق الهدف ، فالهندسة ليست خرسانة فقط فهي أيضا
(بيانات وتشغيل ومتابعه واتخاذ قرار وتغير وتعديل باستمرار)،ومن هنا فإن المشروع الهندسي الحديث للأهوار يجب أن يبدأ من غرفة القيادة كما يبدأ من الموقع.
خامسا:- التشغيل البيئي
في التشغيل البيئي نحتاج إلى أهداف بيئية فمثلا كل مغذ يجب ألا تكون مهمته تمرير تصريف معين فقط، بل يجب أن تكون له أهداف
فمثلا إن الحفاظ على منسوب معين أو تقليل الملوحة ، أو دعم منطقة تكاثر، أو إعادة الاتصال بين مسطحين وحماية منطقة الجاموس وعندها يصبح التشغيل موجه بصورة واضحة.
سادسا:-التشغيل يجب أن يختلف بين المواسم
في الشتاء قد يكون الهدف هو توسيع الغمر أما في الربيع فالهدف هو دعم التكاثر والاتصال ، وفي الصيف نرى أن الهدف الاقوى هو الحفاظ على العمق والنوعية ثم في الخريف هو السيطرة على إدارة الانخفاض بصورة لا تؤدي إلى عزلة شديدة. فهذه الدورة تجعل التشغيل أقرب إلى الإيقاع الطبيعي.
سابعا:-الهندسة البيئية ليس معناها التدخل الواسع
ليس الهدف هو تحويل الهور إلى شبكة اصطناعية من القنوات والبوابات والمنشأت بل يجب إن يتم استخدام التدخل الهندسي بالحد الأدنى الضروري لدعم الوظائف الطبيعية.أي أن أفضل مشروع أحيانا هو الذي يساعد الطبيعة على العمل بدلا من استبدالها.
ثامنا:-إعادة الاتصال أهم من التوسع
يمكن أن تكون لدينا مساحة واسعة لكنها مقطعة إلى جيوب وفي المقابل توجد مساحة أقل لكنها متصلة جيدا لذلك بيئيا قد تكون الثانية أفضل لذلك يجب أن نعيد تقييم أولويات المشاريع. لذلك فقد يكون فتح ممر واحد أكثر قيمة من غمر مساحة إضافية.
تاسعا :-هندسة المنسوب
سبق أن تحدثنا عن أهمية المناسيب ولكن هنا نضعها في قلب الفلسفة الجديدة، فنحن لا نريد فقط حساب التصريف بل نريد معرفة ما هو المنسوب المطلوب وكم سيستمر ومتى ينخفض وكذلك كيف يتحرك بين المواقع فهذه هي هندسة المنسوب البيئي.
عاشرا:-هندسة الملوحة
في هور الحمار والحويزة خصوصا لا يمكن فصل الماء عن الأملاح لذلك نحتاج إلى نماذج نعرف فيها كيف تدخل الملوحة وبأي مكان تتركز وما كمية المياه العذبة المطلوبة للتخفيف وأي ممر يحسن التصريف وبذلك يصبح لدينا تشغيل خاص لمقاومة التملح.
أحد عشر :-هندسة التجدد
في البيئة تكون المياه الراكدة مشكلة حتى لو كان المنسوب مناسب، لذلك يجب أن يدخل زمن بقاء المياه ضمن التصميم فنحتاج إلى معرفة أين تتجدد المياه بسرعة وأين تبقى طويلا وأين نحتاج إلى تحسين الحركة وهذا بالنظام البيئي يشكل محور هندسي مستقل.
ثان عشر :-هندسة الجفاف
المشروع الذي يعمل فقط في سنة طبيعية ليس كافيا بل يجب أن يصمم أيضا للشحة و للجفاف ، وهذا يعني وجود خطة تقليص مدروسة وتحديد مناطق أولوية ونوى بيئية وممرات لا تقطع وكذلك مناسيب حرجة وتثبيت إجراءات طوارئ وكل هذا ما معناه هو أن الجفاف يصبح حالة تصميم لا حادث استثنائي.
ثالث عشر:-الهندسة الذكية
اليوم يمكن ربط المجسات والأجهزة الدقيقة والحساسة بالأقمار الصناعية والنماذج ونظم المعلومات الجغرافية والتنبؤات المناخية ومن ثم تحويلها إلى قرارات تشغيل فهذه هي الهندسة الذكية للأهوار.
فليس الهدف استخدام التكنولوجيا للزينة بل تقليل الوقت بين ظهور المشكلة واتخاذ القرار.
رابع عشر :-المشروع والمستقبل
المناخ يتغير والإيرادات قد تتراجع والطلب على المياه يزداد. لذلك يجب ألا يصمم المشروع على متوسط تاريخي واحد بل يجب أن يرى فيه المستقبل وأن يبنى على مجموعة سيناريوهات.وهكذا يجب أن نعرف مسبقا كيف سيعمل في 2030 أو 2040 في ظروف مختلفة.
خامس عشر:- دور الذكاء الاصطناعي
الذكاء الصناعي يمكن استخدامه مستقبلا في مجالات عديدة بإدارة الأهوار فمثلا يمكن
(التنبؤ بالمناسيب واكتشاف مناطق الجفاف المبكر، وكذلك تحليل الصور الفضائية ،وربط الملوحة بالتدفقات مع تحديد أنماط غير واضحة).لكن القرار يبقى بحاجة إلى خبرة بشرية فالهندسة الذكية لا تعني إدارة بلا مهندس بل تعني مهندس يمتلك أدوات أفضل.
سادس عشر:-هندسة المجتمع
أي مشروع يفشل إذا تجاهل دور ووضع السكان ، فتصميم الممرات يجب أن يأخذ حركة القوارب ومناطق الصيد ومواقع الجاموس وقرب القرى وهذا ما معناه أن الاحتياجات الاجتماعية جزء من التصميم.
سابع عشر :-المشروع البيئي متعدد التخصصات
لا يمكن لمهندس واحد أن يحدد كل شيء في إدارة الأهوار لذلك فنحن نحتاج إلى الهيدرولوجي ،والبيئي وعالم الأسماك والنبات ونحتاج متخصص المجتمع وكذلك متخصص GIS. فكل هذه التخصصات ليست من الترف ولكنها حاجة ضرورية لأن الهدف نفسه متعدد الأبعاد.
ثامن عشر:-هل نحتاج إلى منشأت جديدة
غالبا نحتاج الى منشأت جديدة تظهر لنا اثناء إعادة الاحياء ولكن قبل إنشاء أي منشأة يجب أن نسأل أنفسنا (هل يمكن تحقيق الهدف من خلال تحسين التشغيل أو الصيانة أو إزالة ترسب أو إعادة فتح ممر ) وقد نحصل على الحل الأرخص والأقل تدخلا وغالبا هو أفضل إذا حقق الهدف.
تاسع عشر :- التطهير الذكي
لا يجب أن يكون التطهير عام فنحن نحتاج إلى تحديد المواقع التي تؤثر فعلا في التدفق والاتصال وكذلك المنسوب ثم نقوم بالتطهير حسب الأولوية ، وهذا يقلل الكلفة والتأثير البيئي.
عشرون :-السداد المؤقتة
في بعض الظروف قد تكون السداد المؤقتة أو القابلة للتعديل مفيدة في الاحتفاظ بالمياه ولكن يجب ألا تتحول إلى حواجز دائمة تقطع النظام لذلك فأن التصميم المرن أفضل من الثابت.
واحد وعشرون :-الحلول الطبيعية
هل يمكن استخدام الحلول القائمة على الطبيعة في إدارة الاهوار فالجواب هو (نعم).
يمكن للنباتات والمناطق الرطبة المنشأة والأحزمة النباتية أن تساعد في معالجة بعض المياه، وتثبيت التربة ودعم التنوع ولكن يجب تصميمها علميا وكذلك يجب التكامل مع مشاريع الصرف فإذا كانت الأهوار تستقبل مياه صرف زراعي، فإن تصميم منظومة الصرف يجب أن يأخذ الأثر البيئي في الحسبان. ولا يجوز اعتبار الهور نهاية مجانية للمياه الرديئة، بل يجب أن تدار النوعية قبل الوصول.
إثنان وعشرون :-المشروع وطبيعته التشغيلية
كل مشروع إحياء يجب أن يحتوي وثيقة تحدد الهدف والمؤشرات والمناسيب والتصاريف وحدود الملوحة وخطة الشحة وكذلك تحدد المسؤوليات والصيانة فهذه هي هويته وطبيعته التشغيلية. ومن دونها يصبح التنفيذ منفصل عن الاستدامة.
ثلاث وعشرون:- قيادة مركزية ومحلية
أقترح وجود مستويين لإدارة الاهوار اولها مركز وطني يرى الصورة العامة لكل الأهوار والثاني إدارة محلية لكل مجمع وهذه تتخذ قرارات التشغيل التفصيلية.
وهذا المنهج أراه انا شخصيا أنه سيسمح بالتكامل من دون مركزية مفرطة.
أربع وعشرون :- رأي الشخصي
أقترح اعتماد مفهوم واضح يمكن تسميته ب((هندسة التشغيل البيئي للأهوار). وهو منهج يدمج بين الهيدروليك، والهيدرولوجي والبيئة. والبيانات، والتشغيل، والمجتمع.
وهدفه ليس فقط نقل الماء بل تحقيق وظيفة بيئية قابلة للقياس بأقل كمية ممكنة من الماء وبأعلى كفاءة ممكنة. وهذا في رأيي هو الاتجاه الذي يجب أن ننتقل إليه
خمس وعشرون :-كيف نطبق الفلسفة الجديدة
عندما يصبح تقرير التشغيل يقول مثلا إننا حافظنا على عدد من الممرات ،ورفعنا المنسوب في منطقة التكاثر وكذلك خفضنا الملوحة
وحافظنا على منطقة جاموس وقد استخدمنا كمية أقل بسبب تحسين التوزيع. عندها نكون قد تجاوزنا التقرير التقليدي الذي يذكر التصريف فقط ونكون طبقنا الفلسفة الجديدة
ست وعشرون :-كل متر مكعب يجب أن يكون له هدف
في زمن الوفرة قد نطلق المياه من دون تدقيق كبير، أما في زمن الشحة فيجب أن نعرف وظيفة كل إطلاق فهل هو للتخفيف ام لرفع المنسوب أو لتجديد الماء أو غايته دعم التكاثر ،فهذا يجعل القرار أكثر كفاءة.
سبع وعشرون :-الهندسة يجب أن تتعلم وتتكيف
أحد أهم عناصر الفلسفة الجديدة هو التعلم فإذا لم تنجح الخطة نغيرها فمثلا إذا أعطى ممر نتيجة أفضل نعتمدها وإذا ظهر أثر سلبي يجب أن نصححه. أي أن النظام الهندسي نفسه يصبح تكيفيا.
ثمان وعشرون :-الأهوار ليست مجموعة مشاريع مستقلة.
كل قناة أو سدة أو منشأة يجب أن تنظر إليها كجزء من منظومة وهذا يمنع التناقض بين مشروع وآخر. فالإدارة أهم من الإنشاء أحيانا، والعراق يمتلك خبرة طويلة في بناء المنشأت. ولكن التحدي الأكبر اليوم هو تشغيلها بكفاءة في بيئة متغيرة.
لذلك فقد يكون أفضل استثمارات المستقبل ليست إنشاء مشاريع جديدة فقط، بل تدريب أو صيانه وجمع بيانات ونظام تشغيل ونمذجة .
الخلاصة
إن إعادة إحياء الأهوار تحتاج إلى هندسة ولكنها تحتاج إلى هندسة مختلفة عن التفكير التقليدي الذي يركز على إيصال المياه فقط نحن اليوم
نحتاج إلى هندسة تقيس النتيجة ، وتدير المنسوب وتقاوم الملوحة وتحافظ على الاتصال وتستعد لمواجهة الجفاف وتستخدم التكنولوجيا الحديثة وتتشارك مع المجتمع وتتعلم من النتائج.
وهذه الفلسفة لا تقلل من دور المهندس بل توسع دوره.
فالمهندس في الأهوار لا يصمم قناة فقط بل هو يشارك في تصميم شروط استمرار الحياة داخل النظام البيئي.
وعندما نصل إلى هذه المرحلة يصبح السؤال بعد كل إطلاق لكميات مياه هو
ليس كم كمية ماء أرسلنا بل هو ما الوظيفة التي حققها هذه الكمية من الماء.
وهذا هو التحول الذي أرى أنه يجب أن يشكل أساس الجيل الجديد من مشاريع إحياء الأهوار العراقية.
المهندس الاستشاري
عبد الكريم سلومي الربيعي
13-9-2026
#عبد_الكريم_حسن_سلومي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟