عبد الكريم حسن سلومي
الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 17:52
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
تمهيد
عندما نتحدث عن إدارة مياه الأهوار يتركز النقاش غالبا على كمية المياه المطلقة إليها ونسأل بعدها كم متر مكعب وصل وكم هو التصريف وكم المساحة التي غمرت ، ولكن في بيئة شديدة الانبساط مثل الأهوار هناك متغير آخر لا يقل أهمية عن كمية المياه وربما يكون أكثر حساسية في بعض المواقع وهو المنسوب المائي.
فالفرق بين منسوب وآخر قد يبدو صغيرا بالأرقام لكنه على الأرض يمكن أن يعني غمر مساحة واسعة أو جفافها وقد يعني فتح ممر مائي أو انقطاعه أو نجاح موسم تكاثر أو فشله.
ولهذا فإن إدارة الأهوار لا ينبغي أن تبنى على التصريف وحده.
بل على:-((التصريف + المنسوب + العمق + مدة الاستمرار)).
أولا :-لماذا المنسوب مهم
الأهوار ليست خزانات عميقة بل هي مسطحات ضحلة واسعة ولذلك تستجيب بسرعة للتغير في المنسوب. لذلك فأن ارتفاع بسيط قد يؤدي إلى:
(اتصال منطقتين وزيادة العمق مع غمر مناطق نباتية وتوسيع موائل الأسماك والطيور مع تسهيل حركة الجاموس). بينما انخفاض بسيط قد يؤدي إلى العكس تماما. ومن هنا فإن المنسوب ليس مجرد رقم يسجل في محطة. بل هو مفتاح لتوزيع الوظائف البيئية داخل الهور.
ثانيا:-الكمية نفسها قد تعطي نتائج مختلفة
يمكن إطلاق الكمية نفسها من المياه في حالتين مختلفتين لكن النتيجة لا تكون واحدة. فإذا كانت الممرات مفتوحة والمنشأت تعمل جيدا، أما إذا كانت هناك اختناقات أو تسربات أو توزيع غير مناسب فقد لا يتحقق المنسوب المطلوب رغم وصول الكمية نفسها. لذلك فالسؤال ليس كم أطلقنا بل إلى أي منسوب أوصلتنا هذه الإطلاقات.
ثالثا:-المنسوب يحدد العمق
إن المياه الأعمق نسبيا توفر ملجأ أفضل للأسماك خلال موجات الحر. أما المياه شديدة الضحالة فتسخن سريعا وتفقد جزءا أكبر منها بالتبخر وتصبح أكثر عرضة لارتفاع الملوحة. لذلك لا ينبغي أن يكون هدف الإدارة زيادة المساحة وحدها فقط بل الحفاظ على توزيع مناسب للأعماق.
رابعا:-المنسوب والاتصال الهيدرولوجي
في بعض أجزاء الأهوار لا يحتاج إلى قناة جديدة لكي تعيد الاتصال. ولكن قد يكفي أن يرتفع المنسوب إلى حد معين حتى يعبر الماء عتبة أو ممر منخفض.
وبالعكس عندما ينخفض المنسوب قد ينقطع الاتصال بين منطقتين رغم بقاء الماء في كل منهما. وهنا يظهر لنا مفهوم مهم وهو (منسوب الاتصال الحرج).
أي أن المنسوب الذي إذا نزل الماء تحته يبدأ النظام بالتجزؤ وهذا المنسوب يجب أن يكون معروف في المواقع الحساسة. فالأسماك تقرأ المنسوب بطريقتها والسمكة لا تعرف حجم الإطلاق السنوي ولكنها تعرف هل تستطيع الوصول إلى منطقة التكاثر أم لا. فإذا انخفض المنسوب وانقطع الممر تتعطل الحركة. وبذلك قد تفقد الأسماك مناطق التفريخ أو اللجوء. ولهذا فإن حماية الثروة السمكية تتطلب معرفة المناسيب الحرجة في المواسم الحساسة. وكذلك الطيور أيضا تتأثر فبعض الطيور تحتاج إلى مياه ضحلة. وأخرى تستفيد من المياه المفتوحة الأعمق ،والمنسوب هو الذي يعيد تشكيل هذه الفسيفساء. فإذا ارتفع أكثر من اللازم قد تختفي بعض المناطق الضحلة، وإذا انخفض بشدة قد تجف مناطق أخرى.
إذن فالهدف ليس أعلى منسوب ممكن بل هو المنسوب المناسب في الوقت المناسب.
والنباتات لها حدود أيضا فالقصب والبردي والنباتات المائية تتأثر بالعمق وطول مدة الغمر والملوحة. لذلك فأن تغير المنسوب بصورة حادة أو مستمرة يمكن أن يعيد توزيع الغطاء النباتي ،ولهذا فإن إدارة النبات لا تنفصل عن إدارة المياه.
خامسا:-الجاموس والمنسوب
الجاموس يحتاج إلى مساحات مائية تسمح له بالسباحة والتبريد. ولكن في سنوات الشحة قد تبقى بعض المناطق مغمورة لكنها ضحلة جدا. وهنا يصبح للمنسوب مؤشرا اجتماعي أيضا فإذا نزل تحت حد معين تبدأ القطعان بالانتقال.
سادسا:-مستويات التشغيل
نحتاج على الأقل إلى أربعة مستويات للتشغيل وأقترح أن تكون لكل منطقة حساسة أربعة مستويات واضحة
1-المنسوب الأمثل:-وهو النطاق الأفضل للوظائف البيئية في الظروف الطبيعية.
2-المنسوب المقبول:-يمكن للنظام أن يعمل عنده من دون ضرر كبير.
3-منسوب التحذير:-عند الوصول إليه تبدأ إجراءات تصحيحية وبسرعة
4-المنسوب الحرج:-إذا نزل الماء تحت هذا المنسوب يصبح خطر فقدان الاتصال أو الموائل أو الوظائف الأساسية مرتفع.
هذا النظام بكل صراحة وعلمية يجعل القرار استباقي فلا ننتظر الوصول إلى الحرج، فإذا تحركنا عند المنسوب الحرج فقط فقد يكون الوقت متأخر لذلك يجب أن تبدأ الإدارة عند مستوى التحذير. مثل
(تعديل تشغيل المغذي وتقليل خسائر التوزيع ، مع إعطاء أولوية لموقع حساس وفتح الممرات ونزيد من القياسات). وهذا هو جوهر الإدارة الوقائية.
سابعا:-القياس يجب أن يكون داخل الهور
إذا كانت محطات القياس عند المغذيات فقط فإننا سنعرف ما دخل ولا نعرف ماذا حدث بعد الدخول ،لذلك نحتاج إلى شبكة محطات منسوب داخلية موزعة بحسب الوحدات الهيدرولوجية ومناطق الاتصال والمناطق في الاطراف ومناطق النواة البيئية وكذلك مناطق الجاموس ومواقع التكاثر ومن ثم تجمع البيانات في منصة واحدة.
ثامنا:-المجسات أو الحساسات التقنية
المنسوب يمكن أن يتغير بسرعة ولا تكفي القياسات المتباعدة في بعض المواقع بينما المجسات الآلية تسمح بمتابعة شبه مستمرة ويمكن أن ترسل إنذار عند الاقتراب من مستوى التحذير. وهنا تصبح التكنولوجيا جزء مباشر من التشغيل.
تاسعا:-المنسوب يجب أن يرتبط بالتصريف
لا يكفي أن نعرف أن المنسوب انخفض ولكننا نحتاج إلى معرفة السبب، فهل انخفض التصريف أم زاد التبخر أو قد يكون هنالك انسداد سبب الانقطاع وربما حدث تسرب في مكان ما او قد يكون تشغيل احد المنشأت تغير فعلا .وعند ذلك نربط بيانات التصريف والمنسوب ثم نستطيع تفسير النظام بصورة أفضل.
عاشرا:-المنسوب والتبخر
في الصيف مثلا حتى لو بقي التصريف ثابت فقد ينخفض المنسوب بسبب ارتفاع التبخر. ولهذا فإن التشغيل الصيفي لا ينبغي أن يكون نسخة من التشغيل الشتوي.
لذا نحتاج إلى خطط موسمية مختلفة ، فمنسوب واحد لا يناسب كل الهور لأنه لكل منطقة خصائص مختلفة.فالمياه المفتوحة ليست مثل مناطق القصب وكذلك مناطق التكاثر ليست مثل مناطق التصريف ونتيجة لكل ذلك لا يمكن ان نقبل برقم موحد للهـور كله ،بل إلى خريطة أهداف للمناسيب.
أحد عشر :-خريطة المناسيب البيئية
لذلك أقترح أن يتم إعداد خريطة رقمية تبين لكل وحدة
(ما هو المنسوب الأمثل والمقبول وما هو المنسوب التحذيري والحرج)
ويجب ربط هذه الخريطة مع:
(الغطاء النباتي والأسماك والطيور والجاموس وكذلك مع الملوحة والاتصال الهيدرولوجي ).وهكذا يمكن للإدارة أن ترى الخطر بالموقع، أي أن المنسوب البيئي يجب أن يكون نتيجة عمل متعدد التخصصات ولا يمكن تخمينه فو يتطلب
(بيانات تاريخية ومسوحات طبوغرافية مع تنفيذ نماذج هيدروليكية ورصد بيئي معززا بخبرة ميدانية ودراسات الأنواع والموائل وكذلك مع اختبارات ومراجعة مستمرة).
اثنا عشر :- النماذج الهيدروليكية ضرورية
وجود النماذج يمكن أن يجيب عن أسئلة مثل
*إذا رفعنا التصريف بهذا المقدار أين سيزداد المنسوب
*كم يحتاج الموقع للوصول إلى منسوب الاتصال وأي ممر يجب تأهيله
*ماذا يحدث إذا انخفض التصريف 20% مثلا
فكل هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بدقة بالخبرة وحدها ولكن النماذج ستعطينا أجوبة جيدة
ثالث عشر :- كيفية إدارة المناسيب في سنة الشحة
في الظروف الطبيعية قد يكون هدفنا نطاق واسع ولكن في الشحة فيجب تحديد الأولويات.
فيجب أن نحافظ أولا على:
((الممرات الحيوية ومناطق اللجوء السمكي وكذلك المياه الأفضل نوعية مع مواقع الجاموس الأساسية والموائل الأعلى قيمة)).وهكذا يصبح المنسوب أداة لتوزيع الخطر.
رابع عشر :-هل السداد مفيدة
أحيانا يتم استخدم السداد لرفع المياه في منطقة معينة ولكن إذا صممت أو شغلت بشكل غير مناسب فقد تسبب ركود وانقطاع للاتصال واختلاف كبير بالنوعية مع احتجاز ملوثات . لذلك فإن أي تدخل لرفع المنسوب يجب تقييمه ضمن النظام كله.
خامس عشر :-حجز الماء
قد يكون الهدف رفع المنسوب لكن المياه يجب أن تتجدد، فالمنسوب المرتفع مع الركود ليس بالضرورة أفضل من منسوب أقل مع حركة جيدة. لهذا يجب أن نجمع دائما بين المنسوب والتجدد.
سادس عشر :-الملوحة والمنسوب
عندما ينخفض العمق وتزداد خسائر التبخر يمكن أن ترتفع الملوحة. وبالتالي يصبح الحفاظ على منسوب مناسب وسيلة غير مباشرة لمقاومة التملح إلى جانب زيادة المياه العذبة وتحسين الحركة.
سابع عشر :-المنسوب ونوعية المياه
إذا انخفض المنسوب بشدة يقل حجم الماء المتاح لتخفيف الملوثات وترتفع الحرارة وقد ينخفض الأوكسجين. لذلك يمكن لمنسوب التحذير أن يكون يعطينا إنذار مبكر لتدهور النوعية.
ثامن عشر :- ما هو العمل إذا لم تتوفر مياه إضافية
إذا لم نستطع زيادة الإطلاق فيمكن أحيانا أن نحسن التوزيع ونزيل الاختناقات وتقليل التسرب وتعديل البوابات وتغير وقت الاطلاق وحماية منطقة صغيره . فهذه هي أهمية الإدارة الدقيقة ،أي أن كل مشكلة منسوب لا تحتاج بالضرورة إلى ماء جديد. فأحيانا نحتاج إلى هندسة أفضل.
تاسع عشر:-التشغيل اليومي
في النظام الهندسي والمثالي المتطور والحديث تصل بيانات المناسيب مباشرة إلى غرفة الإدارة ويظهر على الشاشة في غرف السيطرة المركزية الالكترونية اللون
*الأخضر: طبيعي.
*الأصفر: تحذير.
*الأحمر: حرج.
ثم تكون هناك إجراءات محددة لكل حالة. وهذه ليست فكرة معقدة تقنيا اليوم ولكن المشكلة هي في بناء النظام المؤسسي الذي يستخدم البيانات فعلا.
عشرين:-رأي الشخصي
من خبرتي في تشغيل مشاريع الري أرى أنه من الأخطاء الشائعة هو الاكتفاء بمتابعة التصريف عند المصدر فقط ولكن ننسى المهم وهو ما تحقق في النهاية. وفي الأهوار النتيجة يمكن التعبير عنها بالمنسوب والعمق والاتصال والنوعية. لذلك أقترح أن يتحول التقرير اليومي أو الأسبوعي من إننا أطلقنا كذا متر مكعب في الثانية ليصبح إننا اطلقنا كذا كمية فحققنا هذا المنسوب وهذه الوظيفية وحافظنا على هذا الاتصال .أذا فهذا هو قياس الأداء الحقيقي.
واحد وعشرين :-مؤشر نجاح التشغيل
يمكن بناء مؤشر نستطيع منه معرفة نجاح التشغيل لدينا من عدمه وهذا المؤشر يجب ان يضم:
* نسبة المواقع ضمن المنسوب الأمثل.
* نسبة المواقع فوق الحرج.
* مدة استمرار المنسوب.
* عدد الممرات المتصلة.
* تطور الملوحة.
* حالة المراكز البيئية المهمة او ما تسمى بالنواة .
وعندها يمكن تقييم أي خطة تشغيل بطريقة كمية.
اثنان وعشرون :-عندما تكون المياه محدودة
عندما تكون المياه محدودة فإن القدرة على تحقيق الهدف بأقل كمية ممكنة تصبح مهمة جدا وهذه الفكرة مهمة للأمن المائي وكذلك إدارة المناسيب الدقيقة يمكن أن تزيد كفاءة استخدام المياه البيئية.
وهذا يعني أن الهندسة الجيدة نفسها تساعد على توفير الماء. فالمنسوب يجب أن يدخل التشريع والتعليمات وإذا كانت هناك مناطق ذات قيمة بيئية عالية فيمكن تثبيت حدود تشغيلية رسمية لها، ولكن ليس بالضرورة أن تكون أرقام جامدة لكل الظروف بل كحدود تسترشد بها الإدارة. وهكذا تتحول الحماية من توصية عامة إلى معيار تشغيل.
ثلاث وعشرون:-المجتمع يستطيع المساعدة
السكان المحليون يلاحظون تغير المنسوب بسرعة فلذلك يمكن تدريبهم على استخدام مقاييس بسيطة أو تطبيقات لإرسال القراءات والملاحظات، وهذا يوسع شبكة الرصد بتكلفة محدودة.
أربع وعشرون :-المسح الطبوغرافي
كل هذه الإدارة تحتاج إلى قاعدة ارتفاعات دقيقة ،فمثلا في أرض مستوية جدا فرق سنتيمترات قد يكون مهما بالتشغيل لذلك يجب تحديث المسوحات باستخدام: تقنيات حديثه مثل
* GPS عالي الدقة والمسح الأرضي.
* تقنيات أخرى حديثة ومتطورة عند توافرها.
* نماذج الارتفاع الرقمية.
فمن دون طبوغرافيا جيدة تكون النمذجة أقل دقة.
الخلاصة
نعم إننا نرى أن كمية المياه مهمة لكنها ليست اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الهور.
فالهور يتحدث أيضا بلغة المنسوب والعمق والاتصال والمدة ،فالفرق الصغير في الارتفاع قد يحدد مصير مساحة كبيرة من الموائل.
ولهذا فإن الإدارة الحديثة للأهوار يجب أن تنتقل من مفهم كم (أطلقنا) إلى مفهوم (ما المنسوب الذي حققناه وماذا حافظنا عليه بهذا المنسوب).
فعندما نعرف المناسيب الأمثل والمقبولة والتحذيرية والحرجة ونقيسها بصورة مستمرة ونربطها بالتصاريف والملوحة والموائل تصبح الإدارة أكثر دقة وأقل هدرا.
وفي زمن الشحة هذه الدقة ليست هي ترف ولكنها ضرورة للتشغيل والادارة الكفؤة الناجحة
لأننا قد لا نستطيع دائما الحصول على مياه أكثر، لكننا نستطيع أن نجعل المياه التي نملكها تعمل بصورة أفضل. وهذا هو جوهر الإدارة الهندسية الحديثة للأهوار العراقية.
#عبد_الكريم_حسن_سلومي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟