أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة العاشرة














المزيد.....

سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة العاشرة


مهند كاظم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 14:25
المحور: قضايا ثقافية
    


العطر... حين تتذكرنا الرائحة

العطر شيء غريب في حياتنا؛ نضعه على أجسادنا ونحن نعتقد أننا نرتدي رائحة جميلة، ثم نخرج من المكان وننسى الأمر، بينما قد تبقى الرائحة خلفنا لدقائق، وربما لساعات، وقد يحدث أن تبقى في ذاكرة شخص آخر لسنوات طويلة. نحن نرى الملابس، ونحفظ الوجوه، ونتذكر الأصوات، لكن العطر لا يحتاج إلى كل ذلك كي يعيد إلينا إنساناً غاب منذ زمن. يكفي أحياناً أن تمر رائحة مألوفة من جانبنا حتى نتوقف للحظة، ونشعر أن شيئاً من الماضي قد عاد فجأة، من دون موعد.
قد نشم عطراً في مكان مزدحم، فنلتفت بلا شعور، لا لأن الرائحة جميلة فقط، وإنما لأنها تشبه شخصاً ما. شخصاً ربما لم نره منذ سنوات، أو شخصاً كنا نظن أننا تجاوزنا ذكراه. الغريب أننا قد لا نتذكر تفاصيل كثيرة عنه؛ ربما نسينا لون ملابسه في آخر لقاء، أو المكان الذي جلسنا فيه، أو حتى الكلمات التي قيلت بيننا، لكننا نتذكر عطره. وكأن الذاكرة لا تحتفظ دائماً بما نعتقد أنه مهم، وإنما تحتفظ أحياناً بأشياء صغيرة لا نمنحها قيمة في لحظتها.
العطر لا يملك صورة، ولذلك لا يفرض علينا كيف نتذكر صاحبه. يترك للذاكرة أن تكمل الحكاية بطريقتها. قد تعيد إلينا وجه إنسان نحبه، أو شارعاً مشينا فيه ذات مساء، أو بيتاً كنا نزوره كثيراً، أو مناسبة مرت وانتهت، ثم ظننا أنها ذهبت إلى الأبد. وفجأة تأتي الرائحة، فتفتح باباً لم نكن نعرف أنه ما زال موجوداً.
وربما أجمل ما في العطر أنه لا يُرى. نحن نرى الزهرة، ونرى الزجاجة، ونرى قطرات العطر على اليد، لكننا لا نرى الشيء الذي سيغادرنا بعد لحظات ويبدأ رحلته الخاصة في المكان. يدخل إلى الغرفة قبل صاحبه أحياناً، ويبقى فيها بعد مغادرته، وكأنه لا يريد أن يقول إنني هنا، بل يكتفي بأن يجعلنا نشعر أن أحداً مر من هنا.
ولعلنا لهذا نختار عطورنا بعناية أكثر مما نعتقد. فبعض الناس يرتبطون بعطر معين سنوات طويلة، حتى يصبح جزءاً من صورتهم في ذاكرة الآخرين. وقد يحدث أن نسمع اسم العطر بعد سنوات فنقول فوراً: هذا عطر فلان. ليس لأن العطر يحمل اسمه، وإنما لأن الإنسان ترك جزءاً من حضوره فيه.
لكن العطر لا يحمل دائماً ذكريات جميلة. أحياناً تكون الرائحة مرتبطة بلحظة مؤلمة، أو بمكان لم نعد نحب العودة إليه، أو بشخص انتهت علاقتنا به وبقيت رائحته في زاوية من الذاكرة. وهنا نكتشف أن الرائحة لا تعرف إن كانت الذكرى سعيدة أم حزينة، هي فقط تفتح الباب، ونحن من يجد خلفه ما تركناه هناك.
وقد يكون أكثر ما يدهشنا أن الإنسان يستطيع أن يغيب، لكن بعض الأشياء الصغيرة منه ترفض الغياب الكامل. قد تبقى صورة في هاتف قديم، رسالة لم نحذفها، صوت في تسجيل أو مكان اعتدنا أن نجلس فيه، وقد تبقى رائحة عطر لم يعد صاحبه موجوداً في حياتنا. أشياء صغيرة، لكنها أحياناً أقوى من النسيان.
ربما لهذا السبب لا أظن أن أجمل عطر هو دائماً ذلك الذي يعجب الناس عندما نمر بينهم، بل ربما أجمل عطر هو الذي يصبح مرتبطاً بنا دون أن نشعر. عطر يقال عنه بعد غيابنا: "هذه الرائحة تشبهه." عندها لا يكون العطر مجرد زجاجة على رف، ولا مجرد رائحة جميلة نضعها قبل الخروج، وإنما يصبح شيئاً من حضورنا الذي تركناه في ذاكرة الآخرين.
العطر أيضاً يعلّمنا شيئاً لا ننتبه إليه كثيراً؛ أن الأثر لا يحتاج إلى ضجيج. هناك أشياء كبيرة تمر في حياتنا ولا تترك وراءها شيئاً، وهناك أشياء صغيرة جداً، لا تكاد تُرى، لكنها تبقى طويلاً. ربما لأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بحجم الشيء، وإنما بما يوقظه في داخلنا.
لذلك، عندما تمر بك يوماً رائحة عطر قديمة وتشعر أنك عدت فجأة إلى زمن بعيد، لا تستغرب. ربما لم تعد أنت إلى الماضي، وربما الماضي هو الذي وجد طريقه إليك. لحظة واحدة فقط، ورائحة لا تُرى، تكفي لأن تعيد وجهاً، ومكاناً، ووقتاً، وربما شعوراً كنت تظن أنك نسيته.
نحن نضع العطر على أجسادنا ثم نمضي، ولا نعرف أين سيصل، من سيتذكره، و كم من الوقت سيبقى. وربما هذه هي حكايته الأجمل، أنه لا يعدنا بالبقاء، لكنه يترك أثراً. يغادر صاحبه، ويختفي شيئاً فشيئاً من المكان، لكنه قد يبقى في قلب شخص آخر أطول مما توقع.
ربما لا يكون السؤال عن العطر الذي نختاره، إنما عن الأثر الذي نتركه نحن بعد أن نغادر. فكما أن الرائحة الجميلة لا تحتاج إلى أن تُرى لكي تُحس، كذلك الإنسان لا يحتاج دائماً إلى أن يكون حاضراً لكي يُفتقد.
فبعض الناس يرحلون من أمام أعيننا، لكن رائحتهم تبقى في الذاكرة، كأن الغياب لم يستطع أن يأخذ كل شيء.



#مهند_كاظم_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة التاسعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الثامنة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ...الحلقة السابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة السادسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الخامسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الرابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها / الحلقة الثالثة
- سلسلة اشياء لم ننتبه اليها
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها
- التحول الرقمي وأثره في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية دراسة تح ...
- الخسارات التي لا تعزى
- النوم والدماغ والسهر
- عقل الصف وذكاء التقنية
- أبطال بلا تصفيق
- حين يصبح المريض رقما!!!
- تقنية النانو تكنولوجي
- التقاعد الوظيفي
- ثقافة الانجاز الوهمي
- لماذا يحن الناس الى الماضي رغم صعوبته
- هل ما زال للكتاب مكان في حياتنا؟


المزيد.....




- تكريم مؤثر لدوللي بارتون وكاثرين أوهارا في حفل جوائز -إيمي- ...
- -لحظات مرعبة-.. هبوط اضطراري لطائرة إيرانية في مشهد بسبب تلف ...
- الاشتباه بمتطوع في الإطفاء بالتخطيط لتفجير مزرعة خوادم تابعة ...
- الدفاعات الجوية الروسية تدمر 22 مسيرة أوكرانية
- السفير الأمريكي يزور جنوب لبنان ويؤكد دعم واشنطن للحكومة وال ...
- النيابة العامة طلبت توجيه الاتهام للرئيس اللبناني السابق ميش ...
- روسيا تعلن إصابة سفن وقطار شحن في موانئ تستخدمها قوات كييف
- مينديل: استمرار حرب الاستنزاف -انتحار وطني- لأوكرانيا
- زاخاروفا: روسيا سترد بالشكل المناسب على أي نشر محتمل لأسلحة ...
- علاج طبيعي للإمساك


المزيد.....

- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة العاشرة