عائد زقوت
الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 09:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الكوارث الكبرى لا تنفجر فجأة، حتى وإن بدت كذلك. فهي تبدأ قبل لحظة الانفجار، حين تتراكم شروطها، وتظهر إشاراتها، وتتقاطع نوايا الفاعلين مع إخفاقات المؤسسات؛ ويكون لاتخاذ القرارات ــ أو عدمها ــ أثرٌ في تحديد إن كانت النار ستشتعل أم ستُخمد.
أعاد تحقيق نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في الثامن من سبتمبر 2026 إلى الواجهة الأسئلة المحيطة بما حدث في السابع من أكتوبر 2023؛ فلم يكن مجرد هجوم عسكري واسع، بل كارثة سياسية وأمنية وإنسانية غيّرت مسار المنطقة، وفتحت أبوابًا لتحولات لم تكن ممكنة بالسهولة نفسها قبل وقوعه.
وخلف هذا السؤال السياسي، تقف حياة فُقدت، ومدن دُمّرت، ومستقبل معلّق لشعوب المنطقة. لذلك، فإنّ فهمه لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: مَن نفّذ الهجوم؟ بل يمتد إلى ما سبقه وما تلاه؛ إلى البيئة التي أنتجته، والمعرفة التي أحاطت به، والقرارات التي كان يمكن أن تمنعه، ثم إلى القوى التي امتلكت القدرة على توظيف نتائجه وإعادة تشكيل الواقع على أساسها، الأمر الذي يطرح سؤالًا منطقيًا: مَن صنع السابع من أكتوبر؟
ليس المقصود بالضرورة البحث عن مؤامرة مكتملة الأركان، أو افتراض أنّ أطرافًا متناقضة اجتمعت لتخطيطه. فثمة فارق بين أن يصنع طرفٌ الحدث مباشرة، وبين أن يعرف أن خصمه يتحرك نحوه، ثم يتعامل مع هذه المعرفة بطريقة تسمح للكارثة بأن تصبح ممكنة أو مُرجَحة، قبل أن يوظف نتائجها.
وهذا الفارق هو جوهر السؤال: هل نحن أمام حدث صنعه فاعل واحد، أم أمام نتيجة لتقاطع نوايا متعددة، وإخفاقات متراكمة، وقرارات لم تمنع وقوعه، ثم جرى توظيف نتائجه لإعادة تشكيل الواقع السياسي؟
حماس خصمًا ليس مجهولًا
لم تكن حماس خصمًا مجهولًا لإسرائيل. فمنذ إنشائها، ومن ثم سيطرتها على قطاع غزة، كانت ولا تزال موضوعًا دائمًا للرصد والدراسة الاستخبارية والعسكرية والسياسية، وكانت بنيتها وقدراتها وخطابها وأهدافها موضع متابعة مستمرة.
ولم يكن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الراحل يحيى السنوار يُخفي تصوره لاحتمال الذهاب إلى مواجهة كبرى. ففي تصريحات سبقت الكارثة بسنوات، تحدث عن حرب إقليمية يمكن أن تغيّر شكل الشرق الأوسط، وحذّر من انفجار واسع إذا بقيت أوضاع غزة من دون معالجة. وفي خطاب عام 2022، تحدث عن حرب دينية إقليمية تأكل الأخضر واليابس.
لا تُثبت هذه التصريحات أنه كان يعلن مسبقًا عن العملية التي وقعت لاحقًا، لكنها تكشف أنّ فكرة المواجهة الكبرى، وربطها بتغيير البيئة الإقليمية، كانت حاضرة في تفكيره قبل الكارثة بسنوات.
غير أنّ دور الاستخبارات لا يُقاس فقط بقدرتها على معرفة الخطة والتوقيت، بل بقدرتها على قراءة نوايا الخصم، واستعداده للمخاطرة، والظروف التي قد تدفعه إلى الانتقال من التهديد إلى الفعل؛ وبالتالي، فإنّ عدم معرفة التفاصيل لا يعني بالضرورة عدم معرفة الاتجاه.
تحذير من قلب النار
لا تقف المؤشرات عند ما كان معروفًا عن حماس وخططها. فقد ظهرت، قبل الهجوم، إشارات وتحركات غير عادية، إلى جانب معلومات ووثائق لاحقة أظهرت أنّ الحركة كانت تمتلك خططًا لعمليات اقتحام وأَسر قبل وقت طويل من الحدث.
ومن أبرز هذه الوثائق وثيقة استخبارية أعدّتها وحدة 8200 في فرقة غزة بعنوان "التدريب المتكامل على تنفيذ الغارة"، وتضمنت، بحسب الوثيقة، تفاصيل عن تدريبات حماس على اقتحام مواقع عسكرية وبلدات إسرائيلية، وخطف جنود ومدنيين، واحتجاز رهائن في قطاع غزة، مع تقدير لعدد قد يصل إلى نحو 200–250 رهينة.
وقد كشفت هيئة البث الإسرائيلية "كان 11" عن الوثيقة في يونيو 2024، بعد أن حصلت عليها من مصادر أمنية لم تُكشف هويتها. وكانت الوثيقة قد ظهرت إلى العلن في التاسع عشر من سبتمبر 2023، أي قبل الهجوم بأقل من ثلاثة أسابيع؛ وهو ما يثير سؤالًا لا يقل أهمية عن مضمونها نفسه: كيف قُرئت هذه المعلومات في حينها، ومن تلقاها، وما مدى جدية التعامل معها؟
لكن المسألة تصبح أكثر حساسية وحسمًا عندما ننتقل من المؤشرات الداخلية إلى التحذيرات الخارجية؛ فبحسب تحقيق "هآرتس" تلقى بنيامين نتنياهو اتصالًا من رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد قبل الهجوم بنحو عشرة أيام، محذرًا من عملية كبيرة يعدّ لها السنوار. ووفق الرواية، لم يكن الشيخ محمد بن زايد، مصدر المعلومة، بل ناقلًا لتحذير وصل إليه بعد أن طلب السنوار، عبر وسيط فلسطيني، نقل رسالة إلى إسرائيل عن "زلزال" أو "مفاجأة كبيرة" أو "عملية مرعبة" محتملة إذا لم يتحقق تقدم في مسار الاتصالات والمفاوضات الجارية بشأن الأسرى الأربعة المحتجزين قبل الهجوم، وحصار غزة.
وتقول الرواية إنّ نتنياهو لم ينقل التحذير إلى رؤساء الأجهزة الأمنية، بينما نفى مكتبه الواقعة نفيًا قاطعًا، كما لم تؤكد الإمارات الرواية ولم تنفها.
وتظل هذه الرواية، رغم خطورتها، غير محسومة حتى الآن. لكن إذا ثبتت، فإنها تنقل السؤال من مجرد وجود مؤشرات قابلة للتأويل إلى سؤال أكثر صعوبة: كيف استُثمرت تلك المعلومات، وماذا بُني عليها؟
فشل المسؤولية ومسؤولية الفشل
قد يكون ما حدث فشلًا استخباريًا، أو سوءًا في تقدير نوايا حماس وقدرتها، أو اعتقادًا بأنّ الحركة مردوعة ولا تريد حربًا شاملة. وكلها احتمالات مشروعة.
لكن ثمة احتمالًا أكثر حساسية: أن تكون درجة المعرفة بالخطر أكبر مما ظهر لاحقًا، وأن تكون القرارات التي اتُّخذت أو لم تُتخذ قد ساهمت في إبقاء الطريق مفتوحًا أمام الحدث.
وهنا يجب التمييز بين صناعة الحدث، وهي التخطيط المباشر له وتنفيذه؛ وصناعة شروطه، أي القرارات أو الامتناعات التي تجعل وقوعه ممكنًا أو مُرجَحًا أو مؤكدًا.
غير أنّ عدم المنع لا يكفي وحده للقول بصناعة الحدث؛ فهناك فارق بين العجز عن المنع، والفشل فيه، والتسامح مع احتمال وقوع الحدث، وتمكينه عمدًا.
ولا يمكن الانتقال إلى المستوى الأخير إلا إذا ثبت اجتماع ثلاثة عناصر: معرفة ذات درجة عالية من اليقين، وقدرة فعلية على التدخل، وقرار واعٍ بعدم التدخل لأنّ نتائج الحدث تخدم هدفًا استراتيجيًا؛ عندها فقط يصبح عدم الفعل جزءًا من الفعل.
ولهذا فإنّ السؤال الحاسم ليس فقط: هل استفادت إسرائيل من الكارثة؟ بل: هل كانت الاستفادة المتوقعة منها حاضرة في القرار الذي سبق وقوعها؟
وهنا ينتقل البحث من تحليل الفشل إلى مساءلة المسؤولية.
من يرسم مآلات الحدث؟
لكن معرفة إسرائيل بخصمها، أو حتى معرفة حماس بما تريد فعله، لا تكفي وحدها لتفسير ما حدث وما ترتب عليه. فقد وقع الحدث داخل بيئة فلسطينية منقسمة، وإقليم يعيد ترتيب تحالفاته، ومسار تطبيع عربي إسرائيلي، ودور أميركي مركزي، وصراع إقليمي على النفوذ، وأزمة عميقة في النظام السياسي الفلسطيني. لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا أرادت حماس؟
بل ينبغي أن نسأل: ما البيئة التي تحركت فيها؟ ومَن كان قادرًا على التأثير فيها؟ ومَن امتلك القدرة على تحويل نتائج الحدث إلى واقع سياسي جديد؟
فهناك فارق بين من يستطيع إطلاق الشرارة، ومَن يستطيع التحكم في الحريق.
قد تكون حماس قد أرادت تغيير قواعد الاشتباك، أو كسر الحصار، أو إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام. لكن النتيجة لم تكن مِلكًا لها وحدها؛ فالنوايا تصنع الفعل، لكن البيئة تصنع النتائج، والقوة تحدد إلى حد كبير مَن يستطيع تحويل النتائج إلى واقع سياسي جديد.
ومن هنا، فإنّ توظيف حماس لا يعني أنها كانت تعمل لحساب خصمها، ولا يفترض وجود تواطؤ بينهما. قد يتحرك الفاعل لتحقيق غايته، ثم يجد خصمه في نتائج حركته فرصة استراتيجية لم يكن قادرًا على إنتاجها في الظروف العادية.
كيف وُظِّفت الكارثة استراتيجيًا؟
هنا نصل بالتحليل إلى المنعطف الأهم؛ فقد يكون الحدث قد بدأ بوصفه مشروعًا لأحد أطراف الصراع، لكنه لم يبقَ مِلكًا لصاحبه لحظة تحولت نتائجه إلى مادة لإعادة تشكيل البيئة السياسية.
ومن هذه اللحظة، يصبح السؤال أقل تعلقًا بمن أطلق الشرارة، وأكثر تعلقًا بمن امتلك القدرة على التحكم في اتجاه الحريق؛ ففي التاسع من أكتوبر، وبعد بدء الرد الإسرائيلي، قال نتنياهو إنّ ما ستفعله إسرائيل "سيغير الشرق الأوسط". لا تثبت هذه العبارة وجود خطة مسبقة ولا تنفيها، لكنها تكشف أنّ القيادة الإسرائيلية قرأت الحدث، منذ أيامه الأولى، باعتباره نافذة لتحول يتجاوز مجرد استعادة الردع.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال فقط: كيف تنتهي الحرب؟ بل أصبح: مَن يحكم غزة؟ ما مصير سلاح حماس؟ ما طبيعة العلاقة بين غزة وإسرائيل؟ وما مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، بما فيه السلطة الفلسطينية؟
وهنا لا يعود التوظيف مجرد الاستفادة من النتائج، بل يصبح تحويلًا لها إلى أدوات لإنتاج واقع جديد: إعادة ترتيب موازين القوة، وإعادة تعريف قواعد الحكم والأمن، وفرض أسئلة سياسية لم تكن مطروحة بالصيغة نفسها قبل الكارثة.
وهذا يوجب الفصل بين السؤالين: مَن صنع الحدث؟ ومَن صنع الواقع الذي جاء بعده؟ فإذا كان السؤال الأول يقود إلى ما سبق الكارثة، فإنّ السؤال الثاني يقود إلى ما قد يُبنى فوق أنقاضها.
يتبع في الحلقة الثانية: مَن يصنع ما بعدها؟
#عائد_زقوت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟