أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ياسين لمقدم - صدى الضفتين: تهافت الخطاب وبراغماتية المصالح في ميزان الجوار















المزيد.....

صدى الضفتين: تهافت الخطاب وبراغماتية المصالح في ميزان الجوار


ياسين لمقدم

الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 00:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تتقاذف أمواج الجوار بين المغرب وإسبانيا على صفيح ساخن من التجاذبات الحزبية والمزايدات السياسية الداخلية، حيث تستعر في مدريد رغبات الاستعراض الانتخابي، وتُستغل الملفات الحدودية وأزمات التدفق البشري كأوراق ضغط واهية في صراع الأجنحة بين يمين صاخب يعزف على أوتار القومية الضيقة، ويسار يسعى للتمسك بمقاعد الحكم وتدبير التوازنات المتقلبة. وفي خضم هذا الصخب العبثي، تتساقط أوراق التخبط الدبلوماسي والأمني الإسباني تباعاً، إذ تتلاحق التحركات الميدانية عند تخوم الثغور المحتلة، بدءاً بزيارة رئيس أركان القوات الإسبانية، مروراً بالاستفزازات العسكرية المتمثلة في تحركات وتناوب الحاميات على صخرة "جزيرة النكور" قبالة شواطئ الحسيمة، وصولاً إلى طقوس التلويح بزيارات رسمية رفيعة المستوى للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية.

ولم يتوقف حدود هذا العبث عند ركح السياسة، بل امتد ليلامس حدود التجييش البغيض ومحاولات جر صراع الجوار نحو مستنقع الغرائز الطائفية، مستلهمة روح التحريض الرعناء الصادرة عن بعض الأصوات الكهنوتية المتطرفة -كذلك القس الإسباني الذي تجرد من أبسط قواعد الحكمة ليدعو علانية إلى غزو المغرب وتنصيره وقصف عاصمته- في تناقض صارخ مع شعارات الحداثة والعلمانية التي ترفعها الدوائر الأوروبية. وهي رقصة بهلوانية متخبطة تحاول من خلالها مدريد إخماد ثائرة معارضة محتدمة وشارع محلي غاضب يكيل الاتهامات بالتقصير لحكومة بيدرو سانشيز، متناسيةً بغباوة ما تستبطنه تلك الرمزية الاستفزازية من انتهاك سافر لسيادة الرباط وجرح لحساسية بالغة لا تحتمل العبث ولا تقبل المساومة.

وعلى منبر البرلمان الإسباني، حيث تتكسر عواصف المزايدات على صخرة المؤسسات، أطل بيدرو سانشيز ليشهر سيف الرفض القاطع في وجه أي حوار أو تفاوض يمس سيادة الثغور المستلبة، محاولاً بسياج "الأوربة" أن يرمم جداراً سياسياً مهترئاً وأن يسكت ألسنة اليمين المتربصة بسلطته. وفي هذا السياق المأزوم، خرج وزير الخارجية الإسباني بتصريحات كشفت حجم الضغط الذي تعانيه الدبلوماسية الإسبانية، مسلطاً الضوء على اتصالاته المباشرة بنظيره المغربي ناصر بوريطة للاستفسار واحتواء تداعيات أزمات الحدود والتدفقات الأخيرة، في محاولة بائسة لنسب تفسيرات ظرفية للمواقف المغربية وربطها بالسياق الانتخابي الداخلي. غير أن تلويح حكومته بعبارة "توافر الظروف المناسبة" لم يكن سوى خيط متهالك من الأعذار، وشفرة دبلوماسية يستترون خلفها هرباً من لظى تصعيد مدمر تدرك مدريد جيداً عقاربه اللادغة التي لا تحرق سوى أصابع صانعيها. وفي المقابل، يقف المغرب على تخوم هذا اللجاج السياسي متمنعاً بثوب الهيبة والوقار، إذ يترفع الميزان الوطني عن الانزلاق في مستنقع الابتزاز الانتخابي، مؤمناً بأن جلال القضايا السيادية لا يُطرح في مزادات الساسة، بل يحرسها منطق الدولة العريق وعقيدة دبلوماسية صامتة تمتح من طول البال وعمق التاريخ، وتترك لصخب الضفة الأخرى أن يتبدد أمام صخرة الثبات والرزانة.

ولا تكاد صفحة التوترات تَهْدَأ حتى تطفو على السطح حسابات إقليمية أخرى، كمحاولات إعادة ترتيب الأوراق الدبلوماسية وجسور الوصل مع الجار الشرقي عبر الزيارة المرتقبة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى مدريد في مسعى لرأب الصدع القديم وتأمين المصالح الطاقية، مما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى صمود الموقف الإسباني التاريخي الذي أقر عام 2022 بمغربية الصحراء واعتبر مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية للحل. غير أن بوصلة مدريد الرسمية تظل، رغم هذه المنعطفات، محكومةً بمعادلة توازن دقيقة ومضنية تُعرف بسياسة "مسك العصا من الوسط"، تحاول من خلالها ترميم صداقاتها الطاقية والسياسية مع الجزائر دون أن تضحي بمكاسبها الاستراتيجية الكبرى مع المغرب، مدركةً تمام الإدراك أن التلاعب بالخطوط الحمراء يرتطم دوماً بصخرة صلبة من الواقعية السياسية التي تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ.

وحين نمعن النظر في ميزان الواقع والاقتصاد، تسقط الصور النمطية لتفسح المجال لقراءة موضوعية تعترف بالتفاوت والتبادل معاً، فإسبانيا تملك بنية صناعية واقتصادية ضخمة ومندمجة بقوة داخل الاتحاد الأوروبي بميزانيات دفاعية ومقدرات مالية واسعة. بينما يواصل المغرب فرض نفسه كقوة إقليمية صاعدة تثبتها لغة الأرقام الرسمية التي أبان فيها الميزان التجاري بين الجارين عن فائض تاريخي لصالح الرباط تجاوز 3 مليارات أورو، مدفوعاً بصعود صادرات ذات قيمة مضافة عالية كالسيارات، والطائرات، وقطع غيار الأجهزة الكهرومنزلية، في مقابل تدفق طاقي استراتيجي يؤمنه الجانب الإسباني عبر إمدادات الغاز الطبيعي المسال المعالج والربط الكهربائي العابر للمتوسط.

وعلى الصعيد العسكري والاستراتيجي، تقدم مؤشرات القدرات العسكرية لوحة متوازنة من التكامل وتوزع نقاط القوة. فإسبانيا تسجل تفوقاً نوعياً ملحوظاً في مجالات القوة الجوية والبحرية، مستفيدة من أسراب متطورة ومنظومات بحرية متقدمة وغواصات وعضوية حلف الأطلسي. وفي المقابل، يعتمد الجيش المغربي على كتلة بشرية واسعة وجاهزية برية معتبرة ترتكز على ترسانة ثقيلة ومنظومات مدفعية متقدمة، فضلاً عن خبرة ميدانية متراكمة. غير أن المعادلة الأمنية الحقيقية تتجاوز تفوق الأسلحة البحتة إلى حقيقة التشابك الجيوسياسي، إذ تدرك مدريد أن استقرارها الجنوبي ومحاربة شبكات الجريمة العابرة للحدود والهجرة تعتمد بشكل حاسم على كفاءة الشراكة الأمنية والاستخباراتية مع المغرب.

وحين نتساءل عما إذا كان اليمين الإسباني أو اليسار هو الأصلح للمغرب، نكتشف بعمق أن الدبلوماسية المغربية لا تراهن على لون سياسي بعينه، فالتجارب التاريخية تثبت أن الحكومات اليمينية، على صخب خطابها ومزايداتها، كانت تبرز براغماتية مفرطة حين تصل إلى سدة الحكم وتصطدم بمصالحها العليا. وبالمثل، فإن التيارات اليسارية وإن حملت لواء الانفتاح والتسوية التاريخية، تظل عرضة لابتزاز الأجنحة الراديكالية والمنظمات الحقوقية. ومن هنا، تغدو فكرة الاستعانة أو الاحتماء بـ "طرف ثالث" لرأب الصدع بين الجارين أمراً مستبعداً تماماً ومجافياً لطبيعة الروابط القائمة، فالعلاقة الممتدة عبر ضفتي المتوسط أكبر بكثير من أن تُدار بوسطاء تقليديين، بل هي علاقة محكومة بمنطق التشابك الحيوي والبراغماتية المتبادلة التي تدفع بالطرفين دائماً للالتفاف حول حافة الهاوية والعودة السريعة إلى طاولة الحوار المباشر والصامت.

وخلاصة القول، إن شِراك الجوار الأبدي بين ضفتي المتوسط ليست عرضة للانهيار أمام ريح المزايدات أو عواصف التحولات الظرفية، فالتاريخ والجغرافيا يفرضان قدراً حتمياً من التداخل الذي ينصهر فيه السياسي والاقتصادي والأمني في بوثقة واحدة. وبينما تستمر مدريد في مكابرتها السياسية تارة وتوازناتها الحذرة تارة أخرى، يظل المغرب، بثوابته الراسخة ووعيه الاستراتيجي الواثق، سيدَ الساحة في إدارة دفة مصالحه العليا، ليثبت يوماً بعد يوم أن مستقبل هذه العلاقة لا تصنعه خطابات الانفعال الانتخابي، بل تحرسه صلابة المصالح الحيوية وحكمة البراغماتية الصامتة.



#ياسين_لمقدم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النخب الحزبية في المغرب: مسار مأزوم بين شعارات التأسيس ومستن ...
- صدى الحافة: حين تتهاوى أحلام العائلة في قعر الهاوية:
- أحلامكم تحت وسادتي
- ضفاف المتوسط: بين صخب الجوار ورهانات المصير المشترك
- أمواج الابتزاز على تخوم المجهول: حين تنقلب هندسة الحدود إلى ...
- بين ضفتين: في فلسفة العبور ووجع المسافة
- أبيلاردو دي لا إسبلا: تحول المشهد السياسي في كولومبيا وإعادة ...
- احتفالات «الخروج المشرف»: المبالغة الإعلامية قزّمت طموح الكر ...
- تصريح مدرب المنتخب الفرنسي بخصوص ضربة الجزاء...
- لماذا لن نصدق وعد الحكومة بالرجوع لتوقيت غرينيتش؟
- مسافرٌ في صمت الكلمات
- هروب…
- الدرب الطويل
- بوسيدون- في مقهى الحافة
- بعثرة الألوان
- المسافر على جبل الجليد…
- مؤامرة الكلاب...
- ليل الرجوع…
- الفريق...
- لماذا نشيخ؟...


المزيد.....




- -عندما أقول شيئاً فأنا أعنيه-.. ترامب يرد على التشكيك في وعد ...
- العالم قد يكون أمام المزيد من رفع أسعار الفائدة للسيطرة على ...
- تأجيل -محادثات روما- بين إسرائيل ولبنان.. ومصدران يكشفان لـC ...
- فورين أفيرز: كيف أدى 11 سبتمبر إلى تفكك الديمقراطية الأمريكي ...
- تأجيل الجولة المقبلة من المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية إلى ...
- هجمات متبادلة بين روسيا وأوكرانيا وبوتين يجدد انتقاده لتوسع ...
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مسؤولين: إيران حصلت على صور أقمار ...
- كاتب إسرائيلي: حمير يقودون الإسرائيليين إلى الهلاك
- نيبينزيا: مكافحة الإرهاب يجب ألا تكون رهينة للصراع الجيوسياس ...
- روسيا.. حادث سير مروع يسفر عن مقتل 13 شخصا والسلطات تفتح تحق ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ياسين لمقدم - صدى الضفتين: تهافت الخطاب وبراغماتية المصالح في ميزان الجوار