أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - ياسين لمقدم - صدى الحافة: حين تتهاوى أحلام العائلة في قعر الهاوية:














المزيد.....

صدى الحافة: حين تتهاوى أحلام العائلة في قعر الهاوية:


ياسين لمقدم

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 12:02
المحور: المجتمع المدني
    


في عصرٍ توارت فيه المعاني الحقيقية للوجود خلف صخب الأشياء وسطوة المادة، لم تكن الحادثة مجرد خبرٍ عابرٍ يُطالع في زحام الصحف أو يُمرر باستهانة على شاشات الهواتف التي صُرعت من أجلها الأرواح، بل كانت زلزالاً معنوياً هزّ وجدان الإنسانية، ومرآةً داكنة لصدعٍ خفي ينخر في أعماق العصر الحديث، حيث تقف الرغبات العابرة في كفة، ودفء الحياة في كفة أخرى، لتنتهي المعادلة ببساطة موجعة ومفجعة على جرف "خافديا دونغار"، حيث تلتقي قسوة الجبال بصمت السماء.
بدأت الحكاية بشرارة طائشة، مراهقٌ أرهقته أحلام الجيل وتطلعاته المحاصرة بشاشات براقة، وأبوان يقفان على ضفاف العجز أمام قسوة واقعٍ لا يرحم. وعندما اصطدمت الأمنيات بجدار الرفض، تحول الغضب الصامت إلى لغة موتٍ معلنة. خطوات قليلة نحو حافة الجرف كفت لتتحول الطفولة والمراهقة إلى ورقة ضغط أخيرة في معركة عبثية لا غالب فيها ولا مغلوب. وثلاث ساعات كاملة من الترقب الثقيل، وقف فيها عمدة المدينة وقائد شرطتها ورئيس الدفاع المدني في خط المواجهة الأول، يتبادلون الكلمات المحذرة والتوسلات مع الشاب، في محاولة يائسة لثنيه عن حافة الهاوية وإقناعه بأن الحياة أغلى من كل هاتف، لكن نداءات السلطات وعجز الكلمات اصطدمت بجدار العناد الأعمى.
ولم تكن نداءات السلط وحدها هي التي تحطمت على صخرة الصد، فقد تكسرت قبلها كل توسلات الأب المبحوحة، وانهيارات الأم المتتالية على عشب الأرض، وهي تمرغ وجهها في التراب استرحاماً واستعطافاً لولدها أن يعود. لم تنفع دموع الثدي ولا رجاءات القلب المكلوم في إيقاف زحف المراهقة نحو الهاوية، وكأن قلب الشاب قد أُغلق بمفتاح القسوة والذهول.
وفي تلك اللحظات المشحونة، كانت تراجيديا المكان تُوثق بعدسات "هاتف الموت"، ذلك الجهاز الذكي ذاته الذي أُريقت على أطرافه دموع التمرد، عاد ليقف في أيدي المتفرجين شاهداً وناقلاً للمأساة بكل أحجامها ومقاساتها. صورٌ منقولة من موقع الحدث تتناقلها الشاشات الباردة بلا رادع. لقطات مقربة تلتقط ارتجاف الشاب على شفا الهاوية، وعدسات واسعة ترصد تجمع البشر وهم عاجزون أمام العبث. كأن العالم تحول إلى متفرجٍ بليد، يستهلك الموت بضغطة زر، ويراقب انهيار الروح في بث حي ومباشر يفقد المأساة جلالها ويحولها إلى سخرية قدرية مرة.
لم تكن الرياح في قعر الهاوية تعزف لحناً يرحم المتوسلين، وحين أدرك الأب أن كل محاولات الإنقاذ الرسمية والشعبية تقف عاجزة أمام جنون اللحظة، دفعته غريزة الأبوة المذعورة ليتقدم بخطوات مهتزة نحو ابنه، ممدود اليدين لانتزاعه من فك المجهول. وفي غفلة من الزمن، زلّت القدم وتهاوى الاثنان معاً في فراغ مخيف، كأوراق خريفية صفراء تذروها ريح القدر بلا رحمة، لتتحول ساعات التفاوض الطويلة إلى ذكرى مريرة لفشل الذراع الرسمية والإنسانية في منع ما كتبه العناد.
وفي تلك الفسحة الضيقة الممتدة بين صخب الحياة وسكون العدم، حيث يتوقف الزمن وينكمش الدهر كله في أجزاء من ثانية، عاش كل منهم عالماً كاملاً من الوعي والذهول في المسافة الفاصلة بين الجرف والقاع. ففي ذهن الابن، تهاوى العالم المادي برمته، ومحا الفراغ كل غضب أو رغبة صاخبة، ليحل محلها شعورٌ مرعب بالندم وتأنيب الضمير. وتمنّى لو أن كل ما في الأرض من أجهزة زائلة تبدل بلمسة يد دافئة من أبيه. أما الأب، فلم يكن يرى في تلك المسافة شيئاً من خوف الموت على نفسه، بل انحصر عالمه كله في محاولة يائسة للإمساك بكبده وضمه إلى صدره حتى في الهواء، ليكون الهاجس الأخير في صدره هو الفداء المطلق.
هنا، تقف الروح عاجزة أمام الفصل الأكثر قسوة، لحظة سقوط الأم. ففي الأعلى، لم تكن المسافة بينها وبين القاع أطول من أن تحصى بالثواني، وفي ذهنها برق شريط الذاكرة كله: ضحكاته، تعب الزوج، ودفء العتبات التي جمعتهم، لتدرك أن العالم قد انتهى بالنسبة لها وأن البقاء وحيدة هو الجحيم الأبدي. لم يكن قرار القفز نزوة يأس، بل كان تسليماً بأن البقاء على حافة الجرف وحيدةً هو الموت الأبطأ، فاختارت ألا تنتظر طويلاً، وتبعتهما في قفزة أخيرة نحو السكون الأبدي، لتلتحق بقلبيها اللذين سبقاها إلى القاع، مسدلةً الستار على حكاية عائلة تلاشت في لحظة عصف بها العناد والذهول، بعد أن عجزت الدولة ورجالها عن حماية ما تبقى من دفء عائلتها، وكأن الفواجع الحقيقية لا تُقاس بحجم الكارثة في نشرات الأخبار، بل بعمق الجرح الذي تتركه في ضمير العالم.
تظل هذه الحكاية جرحًا غائرًا في ذاكرة الإنسانية، وتذكرةً قاسية بأن الأشياء مهما تأنقت وتضخمت تظل أرخص بكثير من دمعة طفل أو نبضة قلب. فما أهون المادة حين ترخص الأرواح، وما أقسى أن ترتفع جدران الوهم بين القلوب، لتسقط معها كل هيبة للسلطة والإنقاذ أمام صخرة صامتة لا ترحم، وحين يكون الحنين أقوى حتى من غريزة البقاء.



#ياسين_لمقدم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحلامكم تحت وسادتي
- ضفاف المتوسط: بين صخب الجوار ورهانات المصير المشترك
- أمواج الابتزاز على تخوم المجهول: حين تنقلب هندسة الحدود إلى ...
- بين ضفتين: في فلسفة العبور ووجع المسافة
- أبيلاردو دي لا إسبلا: تحول المشهد السياسي في كولومبيا وإعادة ...
- احتفالات «الخروج المشرف»: المبالغة الإعلامية قزّمت طموح الكر ...
- تصريح مدرب المنتخب الفرنسي بخصوص ضربة الجزاء...
- لماذا لن نصدق وعد الحكومة بالرجوع لتوقيت غرينيتش؟
- مسافرٌ في صمت الكلمات
- هروب…
- الدرب الطويل
- بوسيدون- في مقهى الحافة
- بعثرة الألوان
- المسافر على جبل الجليد…
- مؤامرة الكلاب...
- ليل الرجوع…
- الفريق...
- لماذا نشيخ؟...
- المشي على رِجل واحدة...
- طريق المساء...


المزيد.....




- الأمم المتحدة: سوء التغذية يتفاقم بين أطفال غزة جراء هجمات إ ...
- تصعيد في الضفة: اعتقال 17 فلسطينياً وهجمات للمستوطنين تستهدف ...
- الأمم المتحدة: حماية دولية للفلسطينيين
- توغل إسرائيلي في درعا.. وأهالي المعتقلين لدى الاحتلال يطالبو ...
- إعدام الكتب لاحتكار العقول.. لماذا تدمر أمازون وأنثروبيك ثرو ...
- مستشفى تونسي يستقبل 19 جثة لمهاجرين انتشلت من البحر
- يسجل دون أن يرى.. -زيدان- كرة القدم للمكفوفين يكشف سر تألقه ...
- إصدار الحكم بحق مفتي سوريا السابق أحمد حسون: السجن المؤبد بت ...
- خلال لقائه مع مؤسسات المجتمع المدني...الحمد الله يؤكد إجراء ...
-  رئيس”بحوث الصحراء” يشارك في اجتماعات اتفاقية الأمم المتحدة ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - ياسين لمقدم - صدى الحافة: حين تتهاوى أحلام العائلة في قعر الهاوية: