ياسين لمقدم
الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 00:38
المحور:
الادب والفن
في تلك البقعة النائية من الذاكرة، حيث يتوقف الزمن عن الجريان ليكتفي بالجلوس على رصيف الانتظار، وُلدت أسطورة “الزائر الأبدي”. هناك، في قرية نسيتها الخرائط وتفنن الواقع في إهمالها، حيث تتشح البيوت المبنية من طوب رمادي غير مصبوغ بأحزان السكون، وتنسج الشمس خيوطها المذهبة فوق أسطح متآكلة وكأن الزمن هناك قد ضل طريقه واختار أن يستريح للأبد فوق أكوام القش، لم يكن السكان يعتمدون على التقاويم الميلادية أو الهجرية لعدّ الأيام، بل كانوا يضبطون دقات قلوبهم على إيقاعٍ كونيّ واحد: إيقاع المذنب السياسي الذي لا يعبر سماءهم المجدبة إلا مرة واحدة كل خمس سنوات.
هذا المذنب الذي أطلقوا عليه سراً لقب “الهلال النووي”، فهو لا يلوح في الأفق إلا ليضيء ليلة واحدة بوخزات الوعود البراقة، ثم يغوص في غياهب المجرات السياسية البعيدة، مخلفاً وراءه صحراء قاحلة من الحفر العميقة التي تتوسط الشوارع.
طوال ألف وثمان مائة وعشرين يوماً من العتمة والنسيان، لم يكن العجوز “عم صالح” وجيرانه يرون من ملامح “صاحب السعادة” سوى ذلك الوميض العابر لسيارات فارهة تلمع على الطريق السيار البعيد الذي يفصله عن قريتهم أفق شاسع من التراب والنسيان، لتذكرهم تلك السيارات من بعيد بأن هناك عالماً آخر ينبض بالرفاهية خارج أسوار بؤسهم.
لكن، ما إن تلوح السنة الخامسة في الأفق كبشير سحرٍ قديم، حتى تدب الحياة في عظام القرية الرمادية مع إطلالة فصل الخريف. ذلك الفصل البائس الذي تُصفر فيه الأوراق وتتساقط لتتعرى الأشجار تماماً، وكأن الطبيعة نفسها قد اختارت هذا الموسم الرمادي لتؤكد أن أوراق الوعود الانتخابية لن تكون أحسن حالاً من أوراق الشجر الذابلة، إيذاناً ببدء موسم تساقط الأكاذيب ونفض الغبار عن الخيبات القديمة. وها هو “صاحب السعادة” يطل أخيرًا، ليهبط من عليائه في وضح النهار، متمنطقاً ببدلة إيطالية ناصعة البياض تتحدى طين القرية، وشعره المُصَفَّف بعناية فائقة –والذي استزرعه حديثاً في إحدى مصحات تركيا ليعود به إيهاماً بالشباب والنضارة– يصارع نسيم الخريف المتمرد، متهادياً في مشيته وسط زقاق القرية الضيق، لترسم خيلاء مشهده ظلالاً كئيبة على وجوه مذهولة.
وقف في وسط ساحة القرية، فوق منصة أُقيمت خصيصاً على حافة السوق الأسبوعي المترب، وفتح ذراعيه الباسطتين كمن يعانق العالم بأسره بعد غيابٍ استمر لقرون. وبينما تتسابق الأكف المنهكة لتلامس يده تبركاً أو ترحيباً، كان يمر عليها كريح عابرة فيسقطها بلا مبالاة وكأنها أوراق شجر يابسة لا تستحق الوقوف عندها. ولم يكن الحضور البشري وحده هو الشاهد على تلك المعجزة، فقد حضر الخطاب طابور كامل من حيوانات القرية، وفي صدارتها الحمير العتيقة التي تمثل فلسفة قائمة بذاتها في تلك القرية. فهي ليست مجرد دواب انتُهكت طاقاتُها تحت وطأة السنين والأحمال، بل هي من حكماء القرية الصامتين الذين حفظوا عن ظهر قلب وعود المنتخبين المتعاقبين أكثر من أصحابها البشر. بعيونها المتعبة وآذانها المرتخية، كانت تدرك بالفطرة أن أصوات نهيقها الخاشع لم تكن أقل صدقاً من خطابات صاحب السعادة الطنانة، فصارت تشارك أهل القرية وقار الوقوف في الطوابير، وتتقاسم معهم اليأس ذاته بنظرات متبادلة تفضح عبث الانتظار، بينما جمّعت الدجاجات صفوفها الأمامية لتصفق بأجنحتها ذهولاً بالوعود البراقة، وجلست كلاب السوق الهزيلة على حواف المنصة تنبح بإيقاع منتظم وكأنها تؤدي جوقة الكورال الخلفية لحملته الانتخابية، آملة أن يسقط صاحب السعادة بعض العظام من زوادته!
وسط هذا الحشد العجيب من البشر والبهائم، أطلق صاحب السعادة تنهيدةً شاعرية تقطر رقةً وعذوبة، هزت أركان السكون الكوني، منطلقاً من خطابه الطنان بصوتٍ يذوب حناناً:
“أيها المواطن العظيم… يا ابن بلدتي وجلدتي ويا نبض فؤادي ومهجتي ! لقد قطعت البحار والمحيطات، وعبرت صحاري الحنين الحارقة، وها أنا أعود إليكم والشوق يكاد يمزق أضلعي… هل عساكم نسيتموني؟ كلا والله، فأنتم تسكنون العيون مسكن الدم في العروق، وما جئتكم اليوم طامعاً في كرسي أو جاه، بل جئت حاملاً قلبي على كفي لأضعه بين أيديكم!”.
كانت الكلمات تسيل من شفتيه كقطرات الندى على أوراق شقائق النعمان الحمراء، تمزج بين رقة الشعر الأندلسي وشجاعة الفاتحين الأسطوريين.
في عبثية المشهد وقف “العم صالح” في الصف الخلفي، يفرك كفيه ببعضهما باهتمام بالغ، ثم التفت إلى جاره هامساً بسخرية ممزوجة بمرارة الإجلال:
“يا سبحان المغير! ها هو يطل علينا كالبدر الكامل بعد محاقٍ طويل، يوزع الابتسامات وكأنها مجوهرات نادرة… خمس سنوات ونحن ننادي اسمه في صدى الجبال الصماء فلا يجيبنا سوى رَجْع أصواتنا، واليوم يهبط علينا كالوحي ليخبرنا بأن أحلامنا كانت تنام تحت وسادته؟ والله إن إبليس ليقف احتراماً أمام هذا الفن الرفيع في الاختفاء والظهور!”.
لم يتوقف صاحب السعادة عند حدود العاطفة، بل أخذ ينسج للناس قصائد نثرية من الأسفلت والرخام، فوعدهم بجسرٍ من ذهب خالص يصل عُزلتهم بنور المدن الكبرى، وبمستشفياتٍ يولد فيها الفقير أميراً، وبمدارس تخرج العباقرة قبل أن يتعلموا حروف الهجاء. صفق الجمهور البشري والحيواني بحرارة بالغة، لا لأنهم صدقوا خرافة الجسر الذهبي، بل طرباً لنبرة صوته المخملية التي أنستهم لفترة وجيزة مرارة الخبز اليابس وطعم الأيام المالحة. لقد كان مهرجاناً درامياً متكاملاً، يُبكي الحجر، ويُضحك الثكالى، ويمحو بلمح البصر خمس سنوات من القحط.
ولإحكام فصول هذه المسرحية العبثية وإسباغ مسحة من البذخ الزائف على المشهد، ترجل صاحب السعادة عن المنصة ليصعد صهوة حصانٍ أبيض استعاره خصيصاً لهذه اللحظة. محاطاً بحراس يرتدون نظارات شمسية سوداء تحجب وجوههم بدأت قافلته تتحرك وسط دهشة القرية، بينما تتطاير قطع الحلوى الفاخرة من يده ليتلقفها أطفال القرية الذين تعلقوا بأهداب سرج الحصان كأنهم يمسكون بخيوط من ملاحم غابرة. بينما تتناثر قطع الحلوى في الهواء الرمادي الكئيب كنجوم منطفئة تضيء لوهلة وجوهاً أضناها اليأس طوال أدهار سرمدية، في حين كانت حمير السوق ترقب الموكب الاستعراضي بنظرات بلهاء متبادلة تغص بالسخرية المرة.
وفي ليلة الاقتراع المقدسة، غطت أصابع الناخبين بالحبر الأسود الذي بقي أثره أسبوعين كاملين كوشمٍ أبدي على جلودهم، فاز صاحب السعادة بالإجماع كالعادة وسط هتافات الزغاريد وطلقات البارود في الفضاء.
ولكن… ما إن أشرقت شمس اليوم التالي للاقتراع، حتى عاد السكون الأعظم إلى ربوع القرية.
بعد ايام معدودات حمل العم صالح عصاه العتيقة، واتجه مبكراً نحو الموقع الموعود لبناء الجسر الذهبي، فلم يجد سوى بركة ماء راكدة تحوم حولها الحشرات القبيحة، بينما عادت حمير السوق تقضم الشوك بيأس مألوف. عرّج بعدها بخطى متعبة على المقر الانتخابي المكترى حديثاً لبضعة أيام -كما روى من بعد سمسار القرية-، فوجد الباب مغلقاً بإحكام متوشحاً بقفلٍ حديدي صدئ، ولافتة بيضاء صغيرة كُتِب عليها بخط باهت:
“صاحب السعادة في مهمة تاريخية كبرى لخدمة الوطن في الفضاء الخارجي… نلقاكم بعد خمس سنوات بإذن الله !”.
ابتسم العم صالح بأسى عميق، وهز رأسه ببُطء شديد، ثم رفع عينيه إلى السماء الصافية وأطلق تنهيدته اليائسة:
“آااه… يا رفيق الغيوم ويا بريق السراب، يا من تخطو على جمر وعودنا ثم تطير بلا أجنحة، سلامٌ على عمرٍ ينقضي بين محاق الخيبة وبدر الكذب، وسلامٌ على أملٍ يولد كل خمس سنوات… ليموت مع أول صياح للديك في صباح اليوم التالي !”
كاتب من المغرب
#ياسين_لمقدم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟