أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ثامر عباس - صراع الثقافة والإيديولوجيا في المجتمعات الشمولية















المزيد.....

صراع الثقافة والإيديولوجيا في المجتمعات الشمولية


ثامر عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 20:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


صراع الثقافة والايديولوجيا في المجتمعات الشمولية
لعل من جملة المفارقات السوسيولوجية التي شغلت الفكر الانساني على مدى تاريخه المديد ؛ هي ان كلا مفهومي (الثقافة) ونظيره (الايديولوجيا) ينتميان إلى ذات الأرومات والمنظومات الفكرية التي ينتجها العقل الجمعي للمجتمع ، والتي أوجب هذا العقل التعاطي معها كبنى مؤسسة لنشاطه ، ومعايير ضابطة لعلاقاته ، ومثابات موجّه لاهتماماته . ولكن - وهنا المفارقة - منذ اللحظة التي انسلخ فيها ذاناك المفهومين عن حاضنتهما المجتمعية وتحررا من شرانقهما التكوينية ، حتى انخرطا في سلسلة من عمليات (قطيعة) جذرية ونهائية عن بعضهما البعض ، واستحالا ، من ثم ، الى نقائض متعارضة وأقطاب متناهضة لا يجتمعا إلاّ ليختلفا مجددا”حول مسائل تتعلق بالأحقية الشرعية في السيطرة على مؤسسات الدولة ، والافضلية المناقبية بالهيمنة على مكونات المجتمع . والحال ما الأسباب - يا ترى - لحصول مثل هذا الانقلاب في الأدوار ، وما الدوافع لحدوث مثل هذا التحول في الوظائف ؟! .
وقبل ان ننخرط بالأجابة عن مثل هذه الأسئلة الإشكالية ، حري بنا أن نفهم أولا”ما الشيء الذي يجعل (الثقافة) تختلف عن (الايديولوجيا) ، مثلما أن هذه الأخيرة تتعارض مع الثانية ، هذا في حين ان كليهما ينتميان - بالتعريف - الى عالم الفكر وينبثقان عن بنى الوعي ؟! . بداية لعلنا لا نخطئ أو نجانب الصواب حين نزعم ان كلا المفهومين لا يحملان بذاتهما أية دلالات أو ثيمات معينة ، يمكن الاحتكام اليها والاسترشاد بها في تقييم هذا أو ذاك سلبا”أو إيجابا”. وانما الذي ينبغي أن يعتمد في هذا المجال هو الركون طبيعة (الدور) الذي يلعبانه ، وماهية (الوظيفة) التي يمارسانها ، سواء أكان ذلك على صعيد مؤسسات الدولة الحاكمة او مكونات المجتمع المحكوم .
والحال ، ان تحديد (الدور) وتعيين (الوظيفة) لا يرتبط بالمفاهيم أو المصطلحات المعبرة عن هذه الظاهرة الاجتماعية أو تلك ، عن هذه والوقائعة الانسانية أو تلك ، من حيث ان هذه الأخيرة هي نتاج مشروط بمجموعة من المعطيات الموضوعية والخصوصيات الذاتية منها ؛ طبيعة المجتمع المنتج للأفكار والتصورات ، ومستوى الوعي الذي تجسده المكونات والجماعات ، وأنماط الثقافات الفرعية التي تستوحيها الاصوليات والعصبيات ، والسياقات التاريخية التي تؤطر حراك الكيانات والمؤسسات . أي بمعنى أن هناك شبكة معقدة من البنى والأطر والانساق والسياقات المتفاعلة والمتخادمة ، هي من يعطي المعنى ويضفي الدلالة على تلك المفاهيم والمصطلحات المعبرة بدورها عن تلك الأدوار والوظائف .
ولأن من طبيعة المجتمعات البشرية انها ليست على وتيرة واحدة من التكوين التاريخي والتطور الحضاري والبناء الاجتاعي والمستوى الاقتصادي ، بحيث يمكن تعميم نمط السيرورات والديناميات والعلاقات التي تنخرط فيها وتخضع لها ، وانما الأكيد ان لكل مجتمع من تلك المجتمعات خصائص فريدة وسمات مميزة ، تعكس الحدود التي يختلف فيها عن غيره والمدى الذي يبتعد فيه عن سواه ؛ إن من حيث طبيعة النظام السياسي - القانوني الذي يحكم ، أو من حيث نسق النظام العرفي - القيمي الذي يسود . لا بل ان هناك انقسامات عديدة واختلافات متنوعة داخل المجتمع الواحد نفسه ، حيث لكل جماعة أو مكون ذاكرات تاريخية ، ومنظومات ثقافية ، وايقونات رمزية ، وتراتبيات طبقية ، وتطلعات سياسية . وهو الأمر الذي يفسّر لنا سر ديمومة المشاكل واستمرار الاشكاليات التي تعاني من وطأتها الغالبية العظمى من المجتمعات البشرية ، سواء على مستوى الحقب التاريخية القديمة أم على صعيد الحقب الحديثة والمعاصرة .
ورغم ان هذه الوقائع السيويولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية التي تكاد أن ترقى الى مصاف العنصر (العضوي) في تكوين تلك المجتمعات والخاصية (الجينية) في جبلتها السلالية ، أضحت بمثابة (القاسم المشترك) الذي يسم تلك المجتمعات بميسمه ويدمغها بطابعه ، إلاّ أن هناك البعض من هذه المجتمعات التي تسمي نفسها (ديمقراطية) استطاعت - لأسباب ذاتية وموضوعية - أن تخفف من غلواء تلك الانقسامات والاختلافات بين جماعاتها العرقية ومكوناتها الثقافية ، ليس بناء على خيارات عقلانية مدروسة ، وانما بناء على ضرورات سياسية مقصودة . وذلك عبر جعل (إيديولوجيا) الجماعة / المجموعة الحاكمة تتوافق مع نسق الثقافة العامة ونمط القيم السائدة في المجتمع الكلي ، بحيث تتجنب قدر الإمكان - عبر شتى الطرق الناعمة والوسائل الخشنة - حدوث تعارض أو تناقض ما بين هذه وتلك ، والحيلولة دون وقوع التصادم بينهما كلما استدعت الحاجة الضرورية ذلك . هذا بالاضافة قبولها إضطرارا”ببعض التضحيات الهامشية في مجالات الحقوق الاقتصادية والثقافية والدينية من جهة ، والتنازلات المحسوبة في مضامير المشاركة السياسية وتداول السلطة من جهة اخرى .
وهنا يقودنا هذا التحليل والاستنتاج المبتسر الى جذور ظاهرة باتت شائعة لدى مجتمعات ما يعرف ب(بلدان العالم الثالث) ، لاسيما تلك التي حبذت - بعد حصولها على الاستقلال عن المتروبول الاستعماري - النهج (الشمولي) في حكم الدولة وقيادة المجتمع ، حيث لا شيء يخرج عن قبضتها المركزية ، ولا شيء يقع خارج سلطتها الصارمة . تلك الظاهرة المتمثلة بصراع (ثقافة) المجتمع مع (إيديولوجيا) الدولة ، على خلفية تراكم التناقضات الاجتماعية المستعصية وتفاقم الصراعات السياسية المستديمة التي أضحت علامة فارقة في بنية تلك الأنظمة الحاكمة ، بعد أن أظهرت فشلها الذريع في تسوية الخلافات وحل الأزمات التي ما انفكت تتراكم وتتفاقم ، والتي كانت - ولا تزال - شعوب تلك البلدان تعاني وطأتها الاجتماعية والاقتصادية ، وتكابد تبعاتها الثقافية والنفسية .
ولكي تتمكن تلك الأنظمة الشمولية من فرض سلطتها السياسية ، وإحكام قبضتها الأمنية ، وتعزيز هيمنتها الرمزية ، ضمن فضاء مجالي تتقاسمه معها جماعات سوسيولوجية ومكونات انثروبولوجية أخرى غالبا”ما تكون مقصية ومهمشة ، على خلفية الإختلاف معها في الأهداف والمصالح ، والتعارض معها في التوجهات والتطلعات ، والتقاطع معها في الرؤى والتصورات . بحيث لا تبرح تقض مضاجعها وتقلق استقرارها وتهدد شرعيتها ، عبر تواتر التظاهرات واستمرار الاحتجاجات التي تصل في بعض الأحيان لحد المواجهات والصدامات العنيفة . وفي إطار هذه المعطيات والممارسات الدارمية فإن تلك الأنظمة (الشمولية) تبقى بحاجة دائمة إلى استخدام سلاح مجرب طالما أثبت نجاعته وبرهن فاعليته ، باللجوء الى تفكيك عرى وروابط تلك الجماعات والمكونات المعارضة ، بحيث تحول بينها وبين وصولها لأية صيغة من صيغ التوافق في المصالح والاتفاق في المواقف .
ولما كانت (الثقافة) تستهدف - ضمن طبيعتها النوعية وخصائصها الرمزية - بناء الشخصية الاجتماعية العابرة للثقافات الفرعية ، وتشييد الهوية الحضارية المتخطية للهويات التحتية ، ومن ثم غرس القيم والأعراف المعيارية في بنى الوعي الاجتماعي من مثل ؛ التلاقح الفكري والتسامح الديني والتناضح الثقافي ، وفقا”لمبادئ (الوطنية) العامة ومعايير (المواطنة) الشاملة ، التي من شانها تقييم الانسان ليس بناء على أصوله (الاثنية / العرقية) ، أو خلفياته ( القبلية / العشائرية) ، أو مرجعياته (الدينية / الطائفية)، والتي عادة ما تفضي الى تأزيم الخلافات وتأجيج الصراعات . وانما على أساس ولائه الوطني النابذ للتعصب ، وانتماؤه الإنساني الطارد للعنف . نقول لما كان حال الثقافة هو هكذا ، فإن المواجهة بينها وبين خصمها (الايديولوجيا) ستكون واقعا”حتميا”لا مناص منه ، من منطلق كون هذه الأخيرة لا تعكس المصالح العليا للمجتمع - كما تحاول نظيرتها (الثقافة) فعل ذلك - بقدر ما تمثل مصالح وأهداف وقيم الجماعة / الجماعات الحاكمة ، بصرف النظر عن توافقها أو تفارقها مع تلك التي تخص المجتمع العمومي .
وبقدر ما تميل الدولة الى الطابع (الشمولي) ، بقدر تستحيل أيديولوجيتها الى أفكار ورؤى وتصورات مدججة بالتعصب العنصري (الاقوامي) ، والعنف المذهبي (الطوائفي) . بحيث تبقى في حالة استنفار دائم لمطاردة كل ما له علاقة ب(الثقافة) العليا للمجتمع ، ومن ثم مصادرة كل ما تمثله من قيم انسانية نبيلة وما تعكسه من سلوك حضاري راق .



#ثامر_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على هامش معرض بغداد الدولي للكتاب : الأسئلة المعرفية والأصول ...
- ظاهرة التنوع المجتمعي : مرحلة عابرة أم ضرورة دائمة ؟!
- ثلاثيات التخلف العراقي وموانع التحوّل الى الحداثة
- العواقب الاجتماعية لانشطار الذاكرة التاريخية
- مباهاة الفاشلين : هل تغني مناقب الماضي لدرء مصائب الحاضر ونو ...
- الفضيلة (الغائبة) لدى الحزب الشيوعي العراقي !
- ركائز بناء الأمة : مقدمة في سوسيولوجيا الهوية العراقية
- حرية التعبير بين حدود القول وقيود الفعل
- النعرة (العراقية) لبعض المغتربين : هل هي تعبير عن (حنين) وطن ...
- الاندراس المبكر للعمارة العراقية : ظاهرة طبيعية أم ممارسة مف ...
- الايقونات والرمزيات السيميائية : متى تكون نافعة ومتى تكون ضا ...
- الوطنية (الظرفية) في المجتمعات المأزومة
- الحراك السياسي والانزياح الثقافي : قراءة في سيرورات المدى (ا ...
- الخصائص المعيارية للشخصية العراقية (القسم السادس والأخير) ال ...
- الخصائص المعيارية للخصية العراقية (القسم الخامس) الخاصية الم ...
- انكفاء الوعي النقدي : من النسق (الثقافي) الى النسق (الايديول ...
- الخصائص المعيارية للشخصية العراقية (القسم الرابع) الخاصية ال ...
- الخصائص المعيارية للشخصية العراقية (القسم الثالث) الخاصية ال ...
- الخصائص المعيارية للشخصية العراقية (القسم الثاني) الخاصية ال ...
- الخصائص المعيارية للشخصية العراقية : مدخل تمهيدي


المزيد.....




- شاهد.. دقيقة صمت خلال مراسم إحياء ذكرى هجمات 11 سبتمبر في ني ...
- الصراع يمتد من هرمز إلى باب المندب.. ماذا يعني خنق -شريان ال ...
- أول تعليق للخارجية الإيرانية على الاجتماع المرتقب مع دول خلي ...
- نتنياهو وكاتس ورسائل مرتفعات علي الطاهر
- لبنان.. ارتدادات تفجير علي الطاهر
- موسكو ونيودلهي.. شراكة راسخة ومتطورة
- مدينة كالي الكولومبية تحيي ذكرى ضحايا الزلزال بعد مرور شهر
- لبحث الملفات السياسية وجذب الاستثمارات.. الزيدي يبدأ جولة أو ...
- رئيس الموساد الجديد يعيد رسم المعركة مع إيران.. عمليات أسرع ...
- الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى من إيران إلى البحر الأحمر ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ثامر عباس - صراع الثقافة والإيديولوجيا في المجتمعات الشمولية