احمد جليل العتابي
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 15:37
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية تقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تتقدمها دبابة أو بعدد المدن التي تسقط على خطوط التماس
هناك حرب أخرى تجري بعيداً عن الخنادق
حرب عنوانها من يستطيع أن يجعل أرض خصمه كلها جزءاً من المعادلة
وفي هذه النقطة تحديداً تبدو أوكرانيا وكأنها دخلت مرحلة جديدة
خلال الأيام الأخيرة وصلت المسيّرات الأوكرانية إلى أهداف داخل الأراضي الروسية على مسافة تجاوزت ثلاثة آلاف كيلومتر من الحدود الأوكرانية واستهدفت منشآت للطاقة في منطقة يامال نينيتس في القطب الروسي
وهنا لا تكمن أهمية الضربة في المنشأة التي أصيبت فقط
الأهم هو الرسالة العسكرية والسياسية التي تحملها
روسيا بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها على فكرة أن لديها عمقاً جغرافياً هائلاً تستطيع من خلاله نقل مراكز إنتاجها وطاقةها وقواعدها ومخازنها بعيداً عن مدى الأسلحة الأوكرانية
لكن ماذا يحدث عندما يصبح هذا العمق نفسه قابلاً للاستهداف
هنا تتغير المعادلة
في السنوات الأولى للحرب كان المواطن الروسي في موسكو أو سيبيريا أو المناطق البعيدة عن أوكرانيا يستطيع أن يشعر بأن الحرب تجري في مكان بعيد
أما اليوم فالصورة تتغير تدريجياً
أوكرانيا تحاول نقل جزء من كلفة الحرب إلى الداخل الروسي
والهدف الاستراتيجي واضح
إذا أرادت موسكو أن تجعل أوكرانيا تعيش تحت ضغط الحرب فإن كييف تريد أن تقول إن روسيا أيضاً لن تستطيع أن تعيش وكأن الحرب بعيدة عنها
المسافة أصبحت سلاحاً
ربما كان أهم تطور في الحرب الحديثة هو أن المسافة لم تعد تمنح الحماية التي كانت تمنحها في السابق
المسيّرة الرخيصة نسبياً تستطيع أن تعبر آلاف الكيلومترات
والذكاء الاصطناعي وأنظمة الملاحة والاستطلاع والاتصالات تجعل من الممكن تنفيذ عمليات كانت تحتاج في الماضي إلى طائرات بعيدة المدى أو صواريخ باهظة التكلفة
وهذا يمنح أوكرانيا ميزة مختلفة
فهي لا تحتاج إلى امتلاك سلاح نووي حتى تجعل روسيا تعيد حساباتها
يكفي أن تجعل منشأة نفطية أو غازية أو عسكرية في أقصى الشرق الروسي تشعر بأنها ليست بعيدة عن الحرب
وهذا بالضبط ما يجعل ضرب منشآت الطاقة في يامال مهماً
فالمنطقة تقع في قلب البنية الطاقية الروسية والضربة وصلت إلى مسافة هائلة داخل الأراضي الروسية
روسيا أمام مشكلة أكبر من المسيّرات
المشكلة بالنسبة إلى موسكو ليست في عدد المسيّرات التي تطلقها أوكرانيا فقط
المشكلة هي كم عدد الأهداف التي يجب على روسيا حمايتها
دولة بحجم روسيا تمتلك آلاف المنشآت الحيوية
مصافي نفط
محطات غاز
موانئ
مطارات
مخازن
مصانع عسكرية
شبكات كهرباء
خطوط سكك حديد
مراكز قيادة
ومن المستحيل عملياً إنشاء مظلة دفاع جوي كاملة فوق كل هذه المنشآت
وهنا يتحول التفوق الجغرافي الروسي إلى عبء
كلما اتسعت مساحة روسيا اتسعت معها قائمة الأهداف التي يتعين عليها حمايتها
بينما تستطيع أوكرانيا اختيار هدف واحد عالي القيمة وإنفاق موارد أقل نسبياً للوصول إليه
إنها معادلة الكلفة مقابل الحماية
الحرب تدخل عصر الروبوت
وفي الوقت نفسه لا تتوقف أوكرانيا عند تطوير المسيّرات الجوية
فهي توسع استخدام المركبات البرية غير المأهولة والروبوتات القتالية بما يسمح بتنفيذ مهام خطرة وتقليل تعرض الجنود للنيران المباشرة
وهذا التطور له معنى استراتيجي كبير
لأن أوكرانيا تعاني من مشكلة لا يمكن تجاهلها
البشر محدودون لكن الآلات يمكن إنتاجها بأعداد متزايدة
ومن هنا يصبح السؤال في الحرب الحديثة ليس فقط كم جندياً تستطيع الدولة إرسالهم إلى الجبهة
بل كم منظومة غير مأهولة تستطيع إنتاجها خلال شهر
وكم منها تستطيع تطويره بسرعة
ومن يستطيع دمج الذكاء الاصطناعي والاستطلاع والمسيّرات والروبوتات في منظومة قتالية واحدة
هذه حرب مختلفة تماماً عن حرب الدبابات التقليدية
وماذا عن روسيا
روسيا لا تزال قوة عسكرية ضخمة
ولا ينبغي أن يقع أي تحليل جاد في وهم أن موسكو أصبحت عاجزة
روسيا ما زالت قادرة على شن هجمات جوية وصاروخية واسعة وما زالت تمتلك عمقاً بشرياً وصناعياً وموارد طاقة هائلة
لكن المشكلة الروسية أصبحت أكثر تعقيداً
كلما طال أمد الحرب أصبحت حماية الداخل الروسي من الضربات بعيدة المدى أكثر أهمية
وفي الوقت نفسه تستمر موسكو في محاولة الضغط على أوكرانيا اقتصادياً وعسكرياً خصوصاً عبر ضرب البنية التحتية والطاقة
أي أن الطرفين يحاولان الآن ضرب قدرة الآخر على الاستمرار وليس فقط السيطرة على الأرض
وهنا تبدأ المرحلة الأخطر
الأجانب في الجبهة الروسية
هناك جانب آخر من الحرب يكشف حجم الاستنزاف
روسيا تعتمد بصورة متزايدة على تجنيد أجانب للقتال في صفوف قواتها
وقد ظهرت تقارير عن تجنيد مواطنين من دول مختلفة وإرسالهم إلى الجبهة
وهذه القضية تستحق التوقف
فحين تصبح دولة كبرى بحاجة إلى البحث عن مقاتلين من خارج حدودها فإن ذلك لا يعني بالضرورة انهيار جيشها لكنه يكشف أن الحرب أصبحت حرب استنزاف بشرية ضخمة
والأكثر خطورة أن بعض هؤلاء الأجانب قد يدخلون الحرب وهم لا يدركون بصورة كاملة طبيعة المهمة التي تنتظرهم
فتتحول الحرب بالنسبة لهم إلى طريق لا عودة منه
أوروبا لم تعد مجرد متفرج
وفي الجانب الآخر تستمر أوروبا في البحث عن طريقة لإبقاء أوكرانيا قادرة على الصمود
لكن أوروبا نفسها تواجه مشكلة التمويل
التكاليف ترتفع والحاجة الأوكرانية إلى الدفاع الجوي والمسيّرات والذخائر والتمويل المدني تتزايد
ومع ذلك فإن أوروبا تدرك حقيقة أساسية
إذا سقطت أوكرانيا أو أجبرت على قبول اتفاق يضعف أمنها بصورة كبيرة فلن تنتهي المشكلة الأوروبية بل قد تبدأ مرحلة جديدة منها
ولهذا يستمر الدعم الأوروبي رغم كل الخلافات
كوشنر وويتكوف والسلام الذي لم يولد بعد
وفي الوقت نفسه هناك مسار آخر يتحرك خلف الجبهة
المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر تحركا بين موسكو وكييف في محاولة لدفع مسار المفاوضات
لكن وجود المفاوضات لا يعني قرب السلام
أحياناً تبدأ المفاوضات لأن الحرب وصلت إلى مرحلة يصبح فيها الطرفان بحاجة إلى معرفة حدود القوة لدى الآخر
روسيا تريد اتفاقاً يحافظ على مكاسبها ويعترف بها
وأوكرانيا تريد سلاماً لا يتحول إلى هدنة مؤقتة تسمح لروسيا بإعادة بناء قوتها ثم العودة إلى الحرب
والولايات المتحدة تريد إنهاء الحرب لكنها تريد في الوقت نفسه الحفاظ على نفوذها في أوروبا ومنع انهيار أوكرانيا
لذلك تبدو المعادلة معقدة للغاية
السؤال الحقيقي
السؤال لم يعد هل تستطيع أوكرانيا استعادة كل أراضيها عسكرياً
السؤال الأكثر واقعية أصبح هل تستطيع أوكرانيا أن تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة على روسيا من تقديم تنازلات في المفاوضات
إذا كان الجواب نعم فإن الضربات العميقة تصبح جزءاً من استراتيجية تفاوضية
كل منشأة روسية بعيدة عن الجبهة تصبح رسالة
كل مصفاة تتوقف تصبح ورقة
كل منشأة غاز تتعرض للخطر تصبح ضغطاً
كل مدينة روسية تسمع صفارات الإنذار تصبح تذكيراً بأن الحرب لم تعد بعيدة
وهنا بالضبط تكمن أهمية وصول المسيّرات الأوكرانية إلى عمق يتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر
أوكرانيا لا تحاول فقط كسب الأرض
أوكرانيا اليوم تخوض حرباً متعددة الطبقات
حرب على الجبهة
حرب في الجو
حرب بالمسيّرات
حرب اقتصادية
حرب تكنولوجية
وحرب دبلوماسية
والأهم أنها تحاول تحويل ميزتها التكنولوجية إلى قدرة استراتيجية تعوض جزءاً من الفارق الهائل في الموارد التقليدية
وهذا لا يعني أن النصر الأوكراني أصبح مضموناً
لكنه يعني شيئاً أكثر أهمية
روسيا لم تعد قادرة على افتراض أن العمق الروسي محصن
وهذا تغيير استراتيجي حقيقي
المرحلة المقبلة
إذا استمرت أوكرانيا في تطوير المسيّرات بعيدة المدى والروبوتات البرية والاستخبارات والاستطلاع وإذا استمرت أوروبا في تمويلها وتسليحها فقد نشهد خلال المرحلة المقبلة حرباً مختلفة تماماً
حرباً لا تكون فيها الجبهة الشرقية في دونيتسك هي المكان الوحيد الذي تحسم فيه النتائج
قد تصبح مصافي النفط في الداخل الروسي ومنشآت الغاز والموانئ ومراكز الصناعة العسكرية وشبكات النقل والطاقة جزءاً من الجبهة نفسها
وعندها سيكون على موسكو أن تدافع عن آلاف الأهداف في بلد يمتد عبر قارتين
وهنا تظهر المفارقة التاريخية
روسيا التي استفادت طوال قرون من اتساع أراضيها وعمقها الجغرافي قد تجد نفسها في عصر المسيّرات أمام مشكلة لم تكن موجودة في الحروب السابقة
كلما كان العمق أكبر كان عدد الأهداف التي يجب حمايتها أكبر
ولهذا فإن ما نشهده الآن ليس مجرد تصعيد جديد
إنه بداية مرحلة جديدة من الحرب
مرحلة بدأت فيها أوكرانيا تقول لروسيا
لم تعد الجبهة هي حدود الحرب
والسؤال الذي سيجيب عنه الشتاء المقبل ليس فقط من يسيطر على قرية أو مدينة
بل من يستطيع أن يصمد عندما تصبح كل نقطة استراتيجية في بلاده جزءاً من المعركة
وإذا استمرت المعادلة الحالية فقد لا يكون أخطر ما تخشاه موسكو هو فقدان موقع على الجبهة
بل أن تستيقظ يوماً لتكتشف أن العمق الذي كانت تعتمد عليه لحمايتها لم يعد موجوداً.
#احمد_جليل_العتابي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟