أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - احمد جليل العتابي - اوكرانيا لا تنتظر النصر بل تصنع شروطه















المزيد.....

اوكرانيا لا تنتظر النصر بل تصنع شروطه


احمد جليل العتابي

الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 14:31
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


قراءة في التحولات الأخيرة في الحرب الروسية الأوكرانية
8 ايلول

في مقالاتي السابقة عن الحرب الروسية الأوكرانية كنت قد أشرت إلى أن المعركة لم تعد مجرد مواجهة بين جيشين على خط تماس طويل وأن مستقبل الحرب سيتحدد بقدرة كل طرف على تطوير أدواته العسكرية واستنزاف خصمه ونقل المعركة من أرضه إلى عمقه

واليوم تبدو هذه القراءة أكثر وضوحا من أي وقت مضى

فأوكرانيا التي دخلت الحرب وهي تواجه قوة عسكرية أكبر منها بكثير أصبحت بعد سنوات من القتال تمتلك خبرة ميدانية وتكنولوجيا عسكرية وقدرة متزايدة على الضرب في العمق الروسي وهي عناصر غيرت طبيعة الصراع بصورة جوهرية

آخر التطورات تؤكد أن روسيا ما زالت قادرة على شن هجمات واسعة لكنها في الوقت نفسه تواجه جيشا أوكرانيا أكثر قدرة على امتصاص الهجوم وإفشاله ثم الرد في المكان الذي يسبب لموسكو أكبر قدر من الألم

وخلال يوم واحد شهدت الجبهة 244 مواجهة بحسب هيئة الأركان الأوكرانية مع استمرار الضغط الروسي خصوصا في محاور بوكروفسك وكونستانتينيفكا وغوليايبولي فيما تمكنت القوات الأوكرانية من صد هجمات روسية متعددة

والأهم من أرقام الاشتباكات هو طبيعة الخسائر التي تقول هيئة الأركان الأوكرانية إن القوات الروسية تكبدتها خلال يوم واحد والتي بلغت 1410 عسكريين إضافة إلى عشرات القطع المدفعية ومئات المركبات وأكثر من 1500 طائرة مسيرة

وهنا يجب التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها بيانات صادرة عن الجانب الأوكراني وليست حصيلة مستقلة نهائية لكنها في الوقت نفسه تعكس طبيعة حرب الاستنزاف التي أصبحت روسيا تدفع فيها ثمنا مرتفعا مقابل تحقيق مكاسب ميدانية محدودة

أما التطور الأخطر بالنسبة لموسكو فهو أن أوكرانيا لم تعد تكتفي بالدفاع عن مدنها وجبهتها

لقد أصبحت تضرب العمق الروسي

الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة وصلت إلى منشآت صناعية ونفطية وعسكرية داخل روسيا وأصبح واضحا أن الجغرافيا الروسية الواسعة التي كانت تمثل ميزة استراتيجية بدأت تتحول تدريجيا إلى عبء عندما يصبح كل موقع صناعي أو عسكري أو منشأة للطاقة هدفا محتملا

وفي الساعات الأخيرة ظهرت تقارير عن اندلاع حريق في مصفاة ساراتوف النفطية الروسية بعد هجوم بمسيرات أوكرانية وهي منشأة سبق أن تعرضت لهجمات مماثلة

هذه ليست مجرد ضربات انتقامية

إنها جزء من استراتيجية أوسع تقوم على ضرب قدرة روسيا على إنتاج الطاقة ونقلها واستخدام بنيتها الصناعية لخدمة الحرب

وهنا يظهر أحد أهم أوجه التفوق الأوكراني الجديد

أوكرانيا لا تحتاج إلى امتلاك حجم روسيا حتى تستطيع التأثير فيها

يكفيها أن تمتلك وسائل دقيقة ورخيصة نسبيا تستطيع الوصول إلى أهداف استراتيجية بعيدة

وهذا هو جوهر الحرب الحديثة

الجودة والمرونة والابتكار يمكن أن تعادل جزءا كبيرا من فارق الحجم

وفي المقابل عادت روسيا اليوم إلى قصف كييف بعد انتهاء توقف مؤقت تزامن مع زيارة المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر

الهجوم الروسي الأخير على العاصمة أسفر بحسب التقارير الأولية عن مقتل شخصين وإصابة آخرين وتسبب بأضرار واسعة في مبان سكنية ومنشآت مدنية

وهذا التطور يحمل دلالة سياسية وعسكرية في الوقت نفسه

فروسيا تستطيع الاستمرار في القصف لكنها بذلك تقدم دليلا إضافيا على أن الضغط العسكري الروسي لم يتحول إلى قدرة على فرض تسوية سياسية بشروط موسكو

وفي المقابل فإن استمرار أوكرانيا في ضرب العمق الروسي يعني أن معادلة الردع تغيرت

لم تعد موسكو قادرة على افتراض أن القصف على المدن الأوكرانية سيبقى بلا تكلفة داخل الأراضي الروسية

وهنا نصل إلى النقطة التي أراها الأهم في هذه المرحلة

التفوق الأوكراني لا يعني أن أوكرانيا أصبحت أقوى من روسيا في كل المجالات

هذا استنتاج غير دقيق

لكن التفوق الأوكراني أصبح واضحا في مجموعة من المجالات الحاسمة مثل استخدام الطائرات المسيرة والابتكار العسكري والضربات بعيدة المدى والقدرة على استهداف نقاط الضعف الروسية والاستفادة من المعلومات والاستخبارات والتكيف السريع مع طبيعة الحرب

كما أن الجيش الأوكراني أثبت قدرة عالية على التعلم من المعارك السابقة

كلما طورت روسيا سلاحا أو تكتيكا جديدا حاولت أوكرانيا تطوير وسيلة مضادة

وكلما حاولت موسكو تحويل تفوقها العددي إلى تقدم ميداني وجدت أمامها دفاعا أكثر مرونة وقدرة على استنزاف القوات المهاجمة

ولهذا فإن السؤال لم يعد هل تستطيع روسيا الاستمرار في الحرب

بل أصبح السؤال إلى أي مدى تستطيع روسيا الاستمرار في دفع ثمنها

هذه نقطة جوهرية

فروسيا تمتلك الموارد البشرية والصناعية والاقتصادية التي تسمح لها بمواصلة الحرب لكن استمرار الحرب لا يعني بالضرورة الاقتراب من النصر

يمكن لدولة أن تستمر في القتال سنوات طويلة وفي الوقت نفسه تقترب من خسارة أهدافها السياسية

وهذا ما يجعل الحرب الحالية مختلفة عن الصورة التقليدية للحروب

أوكرانيا لا تسعى فقط إلى استعادة الأرض

إنها تسعى إلى جعل تكلفة استمرار الاحتلال أعلى من قدرة روسيا على تحقيق أهدافها

ومن هنا يمكن فهم الضربات الأوكرانية في العمق الروسي والضغط على المنشآت النفطية والعسكرية ومحاولات تعطيل خطوط الإمداد

إنها حرب على القدرة وليس فقط على الجغرافيا

وفي هذه اللحظة تحديدا يبدو أن المبادرة الأوكرانية تتسع

روسيا ما زالت تهاجم

لكن أوكرانيا أصبحت تختار أين ومتى وكيف ترد

روسيا تستطيع إطلاق الصواريخ والمسيرات على المدن الأوكرانية

لكن أوكرانيا تستطيع في المقابل نقل الحرب إلى قواعد ومنشآت ومصانع ومصافي داخل روسيا

وهذه المعادلة الجديدة هي التي يجب أن تحظى بالاهتمام عند قراءة المرحلة المقبلة

أما سياسيا فإن عودة الحديث عن المفاوضات لا تعني أن الحرب انتهت

بل ربما تعني أن القوة العسكرية بدأت تفرض نفسها على طاولة السياسة

فالسلام الحقيقي لا يولد من الأمنيات وإنما من ميزان قوى يجعل التسوية أكثر عقلانية من الاستمرار في الحرب

ومن هنا فإن أوكرانيا تدخل المرحلة المقبلة وهي تمتلك أوراقا أقوى مما كانت تمتلكه في بداية الحرب

جيش اكتسب خبرة هائلة

مجتمع أثبت قدرة استثنائية على الصمود

صناعة دفاعية تتطور بسرعة

تكنولوجيا مسيرات أصبحت عاملا أساسيا في الحرب

قدرة متزايدة على الضرب في العمق الروسي

ودعم غربي سياسي وعسكري ما زال يمثل عاملا حاسما

لهذا أعود إلى الفكرة التي شكلت جوهر مقالاتي السابقة

أوكرانيا لم تعد الدولة التي تنتظر أن تنقذها الظروف

لقد أصبحت دولة تصنع الظروف

وإذا استمرت الاتجاهات الحالية فإن الأشهر المقبلة قد تكون أكثر أهمية من السنوات الماضية

لأن الحرب تقترب من مرحلة تصبح فيها القدرة على المحافظة على المبادرة أهم من القدرة على احتلال بضعة كيلومترات إضافية

وقد يكون التاريخ في النهاية أكثر إنصافا مما تبدو عليه خرائط المعارك اليومية

فالحروب لا تحسم دائما بعدد المدن التي تم احتلالها

بل بالقدرة على كسر إرادة الخصم وإجباره على إعادة حساباته

وأوكرانيا اليوم تثبت مرة أخرى أنها لم تعد تقاتل فقط من أجل البقاء

بل تقاتل من أجل أن تفرض نفسها رقما صعبا في النظام الأوروبي الجديد

وهذا هو التحول الأكبر الذي كنت قد أشرت إليه في مقالاتي السابقة

من أوكرانيا التي تدافع عن نفسها

إلى أوكرانيا التي تصنع مستقبلها بنفسها



#احمد_جليل_العتابي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أوكرانيا تدخل مرحلة جديدة وروسيا بدأت تدفع ثمن الحرب
- أوكرانيا تنهض من تحت النار وتصنع مستقبل أوروب
- رئاسة الوزراء بين خيار الدولة ومخاطر المغامرة
- حين تكون الدولة أنت… لماذا تحمل سلاحًا خارجها؟
- الفصائل العراقية من التشكل العقائدي إلى اختبار الدولة
- العراق من دولة نفط إلى لاعب إقليمي للطاقة
- العراق… مركز التوازن القادم
- من يزرع تنظيماً يحصد انتصارا
- بريطانيا وصناعة العراق الحديث
- قمة بغداد مهرجان الخنوع وتبذير المال العام
- عبيد السلطة وخونة الشعب
- موسم النصب السياسي يعود من جديد
- سماسرة الدم
- خور عبدالله بين الحق والعقل…
- مقترح الكفيل
- التنصت على النواب وخطوة سحب الثقة من السوداني
- مستشارو الرئيس بين الواقع والعبثية
- -تسريبات نور زهير: شركاء الفساد في مواجهة الخوف والفضيحة-
- تأسيس نقابة الجودة والاعتماد المؤسسي: خطوة نحو مستقبل أكثر ت ...
- حلم العراق : رؤية لمستقبل نقي ومزدهر


المزيد.....




- -الطيّار متمرّس-.. فقدان عائلة بعد اختفاء طائرة صغيرة قبالة ...
- بيان لقادة المعارضة الإسرائيلية يطالب بكشف ما عرفه نتنياهو ق ...
- كيف يستعد الرئيس الصيني للقاء دونالد ترامب؟ - مقال في الواشن ...
- صواريخ ومسيّرات تضرب السعودية وتوقع عشرات الإصابات.. و-التحا ...
- غواصون وروبوتات ومتفجرات.. هكذا لاحقت قوات النخبة الأميركية ...
- إندونيسيا.. استئناف حركة الطيران تدريجياً في مطار جاكرتا الر ...
- صواريخ إيران تغيّر حسابات البنتاغون.. واشنطن تدرس -تقليص- وج ...
- أرقام صادمة من كوبا.. تقرير: 94% من السكان يعيشون تحت وطأة ا ...
- شاهد.. صيادون يرصدون لحظة ثوران البركان الإندونيسي مع تساقط ...
- وزير خارجية سلوفاكيا يدعو لوقف -الهجمات الهجينة- وفتح حوار م ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - احمد جليل العتابي - اوكرانيا لا تنتظر النصر بل تصنع شروطه