أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد السامرائي - مسلسل المحافظة 15 حين يتحول الفن إلى وثيقة ضد النسيان .















المزيد.....

مسلسل المحافظة 15 حين يتحول الفن إلى وثيقة ضد النسيان .


عماد السامرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 16:25
المحور: الادب والفن
    


يبقى الفن رسالة إنسانية حيوية على أختلاف أنواعه وأشكاله، تتجدد كلما تجدد الإنسان واسئلته،وكلما كانت هذه الرسالة حقيقية كلما كان دورها أكثر فاعلية في تطوير المجتمع ورقيّه الثقافي والفكري،وعلى سبيل المثال لا الحصر بقية تجربة الروائي والمسرحي النرويجي عالقةً بذهني منذ أيام الجامعة، فكانت رواية بيت الدمية من ابرز الشواهد والنماذج الفنية التي جسدت قدرة الفن على نقد الواقع وكشف البنى الفكرية والقيمية السائدة حيث استطاع هذا الفنان من ان يوظف العمل المسرحي لان يكون أداةً للتساؤلات والمراجعات عندما سلّط الضوء على قضايا مختلفة مثل الحرية الفردية ومكانة المرأة داخل المجتمع وان هذه التجربة لم تكن تجربة استثنائية أو معزولة في تاريخ الفن قطعاً فبالتأكيد قد سبقتها وتلتها تجارب عديدة أكدت الوظيفة الحضارية للفن باعتباره خطاباً انسانياً متجدد يسهم في تنمية الوعي النقدي وتحفيز الحوار حول قضايا المجتمع.
مسلسل المحافظة 15، منذ الحلقة الأولى يفرض هذا المسلسل نفسه، وأستطيع أن أصفه بالعمل الذي استطاع ان يتجاوز حدود الترفيه الدرامي عندما أتخذ طريق القراءة النقدية للواقع السياسي والاجتماعي المعقد، فالعمل لم يتناول رواية حكاية أسير لبناني قبع في غيابة السجون السورية فحسب،بل تناول هذه الحكاية لكي تكون مدخلاً يسلّط الضوء لفهم مرحلة تأريخيّة كاملة للمنطقة وما تركتهُ من آثار على الأنسان والمجتمع،وأثبت هذا العمل قدرته على الجمع ما بين الجماليات الفنية والرسالة الفكرية، فالمشاهد لم تُبنى كأنها مجرد خلفية للأحداث،بل كانت وسيلة لتشكيل الوعي لدى المتلقي كي يستطيع اعادة النظر في الكثير من المسلمات المتعلقه بالسلطة والعدالة والذاكرة الجماعية، وهنا يظهر الدور الحقيقي لأي عمل فني كونه لم يقدم لنا تلك الإجابات الجاهزة بقدر ما يسعى لأن يدفع المتلقي إلى طرح جميع الاسئلة المؤجلة.
عند تفكيك أدوات العمل المستخدمة نجد أن الرمزية كانت حاضر من الوهلة الأولى وتحديداً من العنوان، ويمكننا اعتبارها من أساسيات البناء الدرامي، ونجد ان المكان لم يكن مجرد موقع جغرافي بل كان عبارة عن مساحة اختزنت تاريخاً من القهر والصراعات والتدخلات. فالعنوان ربما كان اذاً رسالة رمزيه إلى ان لبنان كانت تعامل وكأنها امتداداً للمجال السياسي أو الأمني السوري، بمعنى أنها محافظة إضافية خارج الحدود الرسمية، والقراءة الرمزية الاخرى ربما تكون هي محافظة المعتقلين والمفقودين التي تكون كفضاء رمزي افتراضي يجمع ضحايا القمع ومن جنسيات مختلفة.
المسلسل لبناني سوري مشترك يتناول تحديداً قضية الاسرى اللبنانيين الذين افنوا سنوات شبابهم في غياهب السجون السورية وهذه القضية مرتبطة ارتباطًا تاريخياً بالعلاقة المعقده بين البلدين كمرحلة من مراحل النفوذ السوري واذي يتحرك العمل داخل هذا الإطار .
أسم البطل هو فؤاد كامل وبالتأكيد يحمل دلالة رمزية ( فؤاد) باللغة العربية كلمة لها معنى يرتبط بالقلب،الوجدان،الذاكرة والشعور الإنساني العميق و ( كامل) الذي يرمز إلى الاكتمال والنضج من خلال الهوية المستقرة، فنجد من خلال الأحداث ان هذه الرمزية عندما اصدمت بالمفارقة الدرامية، تحطم كل ذلك الاكتمال داخل أسوار السجن حيث دخل فواد كامل كإنسان كاملاً باحلامه وعلاقاته ومستقبله فخرج منه وهو فاقداً لذاته بعد ان مر عبر رحلة تدمير الإنسان من الداخل قبل تدميره جسدياً من الخارج . وهنا تزداد أهمية هذه القراءة عندما ندرك أن خسائر البطل لم تكن مادية فقط بل ذهبت إلى ابعد من ذلك ونستطيع تسميتها خسائر وجودية، حيث خسر شبابه وعائلته وحبيبته، تلك الخسائر التي تمثل الهوية الأنسانية الزمن، الانتماء والحب، إذاً مأساة فؤاد ليست مأساة فردية بل هي صورة مكثفة لمأساة جيل كامل ضيعت هذه الظروف سنواته بين السجون والحروب والاغتيالات والأزمات.
استخدم العمل السجن بوصفه رمزاً يتجاوز جدران المعتقل ، فالسجن لم يكن هنا مكاناً مغلقاً فقط بقدر ماهو نموذجاً مصغراً لعلاقة السلطة بالمجتمع فالمعتقل الذي يشبه فيه الميتُ الحيٌ بلا صوت عندما يصبح استعارة عن مجتمعات تعيش القهر نفسه وإن اختلفت اشكاله،ولهذا تبدو الحدود بين السجن الكبير والسجن الصغير شبه معدومه فالمواطن خارج الزنزانة قد يكون أيضاً عاجزاً ومهمشاً بالقدر نفسه الذي يعانيه السجين داخلها.
الجانب السردي في العمل يتحرك باستمرار بين الماضي والحاضر وهذه أيضاً رمزية اخرى تميز بها العمل ويكاد يكون المستقبل متخفياً أو غائباً بالكامل ليخبرنا لسان حال العمل بأن المجتمعات التي لم تُنجز العدالة ولم تستطيع مواجهة تاريخها تصبح محكومة بالبقاء داخل دائرة الزمن المغلق, وهذا بحد ذاته تعليل لعدم ظهور المستقبل كمشروعاً ممكناً بل يظهر كضحية جديده للماضي.ولكي لاتبتعد عن جزئية السردية في العمل، نجد ايضاً ان المسلسل قد نجح في عملية الربط بين الخاص والعام، فالعلاقة العاطفية التي تسير بشكل متذبذب في حياة البطل لم تستخدم بشكل عنصر رومانسي تقليديين استخدمت مركزية لتلك الحياة الجميلة سُرقت من البطل،فالحبيبة هنا مثلت برمزية عالية لتعبر عن الزمن المفقود والفرص الضائعة والحياة الطبيعية التي حُرم منها البطل، لذلك فان فقدانها يوازي رمزية فقدان الحرية نفسها. اما العلاقات الاجتماعية في داخل ذلك العالم الذي يصوره المسلسل نجدها بدت بصورتها عبارة عن انعكاساً للعلاقات السياسية، فكما تبُنى التحالفات السياسية على المصالح وموازين القوه، تُبنى كذلك كثير من العلاقات الأنسانية داخل هذا الواقع على المنفعة والخوف والحاجة، ومن خلال هذه المقاربة فان لسان حال العمل يطرح تساؤلاً مؤلماً، ماذا يحدث للمجتمع عندما تتسرب قيم السلطة إلى تفاصيل الحياة اليومية ؟ إذاً فان محصلة تلك الإشارات السياسية التي زرعها العمل من خلال احداثه تتجلى بوضوح لتكون رأياً أو قناعة على أن القضية لم تقتصر كونها قضية معتقل واحد فحسب،بل تتجاوز ذلك على أنها قضية أنظمة ومؤسسات أستطاعت أن تنتج واقعاً اصبحت فيه الحقيقة والعدالة مؤجلتان لتكون بالضرورة المحاسبة على كل هذه الأفعال مؤجلة، لذلك تتردد من خلال سياق الحوالة اسئلة اكثر من الإجابات وكأن الدراما تحاول إعادة فتح الملفات التي أغلقتها السياسة أو اصرت على غلقها ان صح في ذلك التعبير هنا.
خلاصة القول تُعد القيمة الحقيقية لهذا العمل أنه لا يروي حكاية من الماضي فقط بل انه أراد ان يكشف عن الكيفية التي يستمر فيها الماضي التي تتشكل منه صورة الحاضر وكونه عمل عن الذاكرة بقدر ما هو عمل عن السياسة، وعن الإنسان بقدر ما هو عمل عن السلطة. وعليه يمكن النظر إليه بوصفه محاولة فنية لاستعادة أصوات الذين تَمّ إسكاتهم.



#عماد_السامرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكتاب والحياة علاقة التكامل لا الصراع
- العزلة بين اختيار النمو ومرارة التهميش
- قراءة معاصرة للوحة “الصرخة” تتجاوز الوصف التقليدي نحو المعنى ...
- جزيرة إبستين: حين تُفرغ الرغبة من معناها وتستدعي الوحشية
- ألإنتخابات العراقية 2025… صناديق تلد ما زُرِع فيها
- لماذا يعيد العراق تدوير الفشل؟
- لا… لأني أَنا منطق الرفض النبيل في مقولة [ مثلي لا يبايعُ مث ...
- قَبْلَ أن تضع الحرب أوزارها … وسائل الإعلام الرسمي ومواقع ال ...
- العلم، المعرفة والإبداع: ثالوثُ الحضارة والمستقبل الذي لم يَ ...
- نقص القيم وفائض الطقوس،ماهي إلا أزمة اخلاقية داخل المجتمع ال ...
- جريمة العصر الناعمه… (تهميش وتسطيح الوعي)
- زمن الاستهلاك… أو عندما يتحول الإنسان إلى سلعة …
- رحلة البحث عن الذات …قراءة نقدية لرواية موسم الهجرة من بغداد ...
- “القوة تُفسد الأخلاق، هل هما أضداد أم يمكن لهما ان يتعايشان ...
- إنكار الواقع وتطبيق نظرية الحصان الميت, سياسة لا تبني دولة.
- استخدام الدراما الفنية في إثارة الفتن، جدلية الشخصيات التاري ...
- رجل الفودغا: قراءة نقدية
- إذا فسدت البيئة، فلا بد للإنسان أن يحتمي بعقله…
- الصحافة الصفراء في الإعلام العربي: قراءة في مقابلة قناة العر ...
- تلاعب السلطة الإعلامية بالعقول وصناعة( الوعي المعلّب)


المزيد.....




- بعد أحداث 11 سبتمبر.. لم تعد أفلام نيويورك كما كانت من قبل
- وزير الزراعة والممثل الإقليمي لـ «الفاو» يشهدان توقيع مشروعي ...
- -أجبرنا على تخطي كل شيء-.. ريهام عبدالغفور تعبر عن اشتياقها ...
- قصة حب كادت ألا تحصل.. جزيرة يونانية تجمع قلبين في قصة تشبه ...
- أمسية أردنية خاصة في موسكو لتعزيز التعاون الثقافي والسياحي م ...
- أنقذا مخطوطات غزة من الإبادة.. فلسطينيان يفوزان بجائزة اليون ...
- زاخاروفا: موسكو وواشنطن لديهما ما يتحدثان عنه والأهم ترجمة ا ...
- بينيلوبي كروز وخافيير بارديم يدافعان عن مواقفهما السياسية في ...
- -القتل بدوام كامل- تفوز بجائزة خيري شلبي للعمل الروائي الأول ...
- بصمة -التبريزي- في الأناضول: كشف أثري يعيد رسم خريطة الفن ال ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد السامرائي - مسلسل المحافظة 15 حين يتحول الفن إلى وثيقة ضد النسيان .