أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عماد السامرائي - الكتاب والحياة علاقة التكامل لا الصراع














المزيد.....

الكتاب والحياة علاقة التكامل لا الصراع


عماد السامرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 12:08
المحور: قضايا ثقافية
    


تمنح القراءة الإنسان عينًا إضافية يرى بها العالم بعمقٍ أكبر، لكن الواقع وحده هو من يعلّمه كيف يستخدم هذه العين. فالتجربة العملية، كالسفر والعمل والفشل والحوار والاختلاط بالمجتمع، ليست أقل قيمة من القراءة، بل هي امتدادٌ لها ومكمّلة لمعانيها. وكثيرًا ما يصحح الواقع ما تبنّته الكتب، كما أن الكتب بدورها تفسّر ظواهر وأحداثًا يعجز الواقع أحيانًا عن فهمها أو توضيحها.ومن هنا يمكن القول إن القراءة وحدها لا تكفي لصناعة وعيٍ حيّ إذا بقيت الأفكار حبيسة داخل الكتب، معزولة عن التجربة الإنسانية والواقع الاجتماعي المتغيّر بطبيعته. ونلمس ذلك عند بعض الأشخاص الذين يمتلكون ثراءً فكريًا ومعرفيًا كبيرًا، لكنهم في تعاملهم مع الحياة اليومية يبدون أسرى للنصوص أكثر من كونهم منفتحين على الإنسان وتعقيداته. وهكذا يتكوّن جدارٌ خفي يفصل بين الثقافة والواقع، فيتحول الكتاب من أداة للفهم إلى مساحة انعزال عن الحياة.بين رفوف الكتب يبدو العالم أكثر ترتيبًا وقابلية للفهم. الكلمات مصطفّة بعناية، كأنها جنود تحمل معانيها بثبات، وتمنح القارئ شعورًا بأن الحياة يمكن إخضاعها لمنطق النصوص والنظريات. غير أن الواقع لا يسير دائمًا وفق ما تقوله الكتب، بل يفاجئ الإنسان بتناقضاته وتحولاته، ويكسر أحيانًا تماسك النظريات التي بدت أثناء القراءة مقنعة ومتكاملة.
ومن هنا ينشأ ذلك الجدار غير المرئي بين بعض المثقفين والواقع الاجتماعي؛ جدار يمكن تلمّسه من خلال طريقة الحديث، والأحكام السريعة على الناس، ومحاولة تفسير الحياة وكأنها فصل طويل من كتاب قديم. فعندما تبقى المعرفة حبيسة الورق، تتحول أحيانًا إلى عزلة أنيقة يتضخم فيها الوعي النظري، مقابل ضعف القدرة على فهم الإنسان الحقيقي بما يحمله من تناقض وضعف وتعقيد.
ولا خلاف في أن القراءة تمنح العقل اتساعًا وعمقًا فكريًا وثقافيًا كبيرًا، فهي تفتح نوافذ على التاريخ والفلسفة والتجارب البشرية، وتجعل الإنسان أكثر قدرة على الفهم وأقل ضيقًا بالأفكار المختلفة. لكن المعرفة، مهما بلغت، تبقى ناقصة ما لم تختبرها الحياة. فالأفكار التي لا تحتك بالواقع تظل جميلة في شكلها، لكنها عاجزة عن الحركة والتأثير.
ولكي نكون أكثر دقة، لا بد من إدخال عنصر الزمن في هذه المعادلة؛ فالزمن بطبيعته متغيّر، وتتغير معه حاجات الإنسان وتساؤلاته وأساليب عيشه. وما كان صالحًا لعصرٍ مضى قد يحتاج اليوم إلى إعادة فهم، لا إلى تكرار أعمى. وكذلك الحال مع الموروث الفكري، إذ ينبغي مناقشته وفهمه في سياقه، لا تقديسه دون تفكير. وفي المقابل، ليست الحداثة صحيحة لمجرد أنها جديدة، فالحكمة الحقيقية تكمن في التمييز بين ما يبقى صالحًا من جوهر الفكرة وما يجب أن يتبدل تبعًا لتحولات الحياة.
وخلاصة القول، إن أجمل ما يمكن أن تصنعه القراءة بالقارئ الناضج هو أن تجعله أكثر قربًا من الواقع لا أكثر ابتعادًا عنه، وأكثر فهمًا للناس لا أكثر تعاليًا عليهم. فالقارئ الحقيقي لا يكتفي بالاقتباسات والنظريات، بل يرى في تجربة العامل البسيط درسًا يستحق التأمل، وفي الشارع نصًا آخر للحياة، وفي الحوار مع المختلف فرصة لمراجعة قناعاته.فالحياة ليست مكتبة مغلقة، بل كتاب مفتوح لا تنتهي صفحاته عند الوصول إلى الغلاف الأخير. وعندما تتصالح المعرفة مع التجربة، ويتصافح الفكر مع الحياة، يولد ذلك الوعي العميق الذي لا تصنعه الكتب وحدها، ولا تمنحه الحياة وحدها، بل يتكوّن من اللقاء الصادق بينهما.



#عماد_السامرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العزلة بين اختيار النمو ومرارة التهميش
- قراءة معاصرة للوحة “الصرخة” تتجاوز الوصف التقليدي نحو المعنى ...
- جزيرة إبستين: حين تُفرغ الرغبة من معناها وتستدعي الوحشية
- ألإنتخابات العراقية 2025… صناديق تلد ما زُرِع فيها
- لماذا يعيد العراق تدوير الفشل؟
- لا… لأني أَنا منطق الرفض النبيل في مقولة [ مثلي لا يبايعُ مث ...
- قَبْلَ أن تضع الحرب أوزارها … وسائل الإعلام الرسمي ومواقع ال ...
- العلم، المعرفة والإبداع: ثالوثُ الحضارة والمستقبل الذي لم يَ ...
- نقص القيم وفائض الطقوس،ماهي إلا أزمة اخلاقية داخل المجتمع ال ...
- جريمة العصر الناعمه… (تهميش وتسطيح الوعي)
- زمن الاستهلاك… أو عندما يتحول الإنسان إلى سلعة …
- رحلة البحث عن الذات …قراءة نقدية لرواية موسم الهجرة من بغداد ...
- “القوة تُفسد الأخلاق، هل هما أضداد أم يمكن لهما ان يتعايشان ...
- إنكار الواقع وتطبيق نظرية الحصان الميت, سياسة لا تبني دولة.
- استخدام الدراما الفنية في إثارة الفتن، جدلية الشخصيات التاري ...
- رجل الفودغا: قراءة نقدية
- إذا فسدت البيئة، فلا بد للإنسان أن يحتمي بعقله…
- الصحافة الصفراء في الإعلام العربي: قراءة في مقابلة قناة العر ...
- تلاعب السلطة الإعلامية بالعقول وصناعة( الوعي المعلّب)
- النقد والانطباع, اختلافه وتأثير المزاج في تقييم الأعمال الفن ...


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عماد السامرائي - الكتاب والحياة علاقة التكامل لا الصراع