أنس نادر
(Anas Nader)
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 23:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تكن مأساة الدروز في سوريا وليدة لحظة واحدة، كما أن الخوف الذي تعيشه السويداء اليوم لا يمكن اختزاله في حادثة عابرة أو خلاف سياسي قابل للتجاوز. فما تعرض له أهل المحافظة من قتل وتهجير وانتهاك للكرامة، وما سبقه من تراكم طويل لانعدام الثقة، يجعل من حقهم البحث عن صيغة تضمن أمنهم وكرامتهم ومستقبل أبنائهم. لكن الخطر يبدأ حين تتحول المظلومية من قضية عادلة تبحث عن الإنصاف إلى أداة لإعادة صياغة هوية مجتمع بأكمله، أو حين يصبح الجرح الذي أصاب الدروز مدخلاً لإخراجهم من تاريخهم السوري والعربي، أو لتحويلهم إلى طرف في صراع إقليمي أكبر من مصالحهم ووجودهم. ومن هنا يأتي السؤال الذي يبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل بقي الدروز ضحية لما ألمّ بهم، أم أن هناك من يدفع بهم، عن قصد أو من حيث لا يدري، ليصبحوا قرباناً في الجغرافيا السياسية للمنطقة؟
لقد تحوّل الدروز في سوريا من ضحية لتطرف الدولة وتعصبها، إلى قربان نتيجة استثمار هذا الحيف الذي ألمّ بهم في أجندات خارجية، تُخرجهم من تاريخهم وموروثهم الثقافي وانتمائهم القومي والوطني، بل تذهب إلى أبعد من ذلك بالادعاء أنهم جزء من تاريخ دولة ملطخة يداها وتاريخها بالدماء، وقامت أصلاً على العداء التاريخي والسياسي والعقائدي مع جميع الدول العربية. فما ذنب الدروز أن يُعلَن أنهم جزء لا يتجزأ، عقائدياً وتاريخياً، من هذا الإثم والتاريخ العدائي الذي هم منه براء كل البراءة؟ وما ذنبهم أن تُستثمر النكبة التي ألمّت بهم والمجزرة التي تعرضوا لها، للدعوة إلى الانفصال التاريخي عن بلدهم الأم، والادعاء أنهم لا ينتمون إليه تاريخياً ودينياً، وهم العرب الأقحاح من قيسية ويمانية وقبائل تنوخية عريقة، ونشأت عقيدتهم في العهد الفاطمي على يد الحاكم بأمر الله الذي يعود بنسبه أرومة وجذوة النشوء الاسلامي؟
لماذا تُوجَّه مظلومية الدروز المحقّة نحو التشكيك بأصولهم وانتمائهم وعقيدتهم في الانتماء الوطني والسلمي والأهلي، وهو الموروث الثقافي الذي دفع ثمنه آلاف الشهداء، وتاريخ من البطولات موثّق بتاريخ لا يستطيع أحد التشكيك به؟ فهذه مسلّمات وطنية أرسى دعائمها سلطان الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى، وهو من الشخصيات التاريخية النادرة جداً التي جلست في بيتها حين استقلت سوريا، بينما جلس السياسيون في قصورها. ويكاد يكون الشخص الوحيد الذي لم يستطع حافظ الأسد تلطيخ سمعته وتاريخه، وذلك لعزوفه عن المطالبة بالسلطة، وتأسيسه موروثاً بطولياً مشرفاً لهذه الطائفة قائماً على التعايش السلمي والاندماج. فما الغاية غير المفهومة إطلاقاً من العبث بهذا التاريخ! وتشويه هذا الموروث، وتزوير الأصل والنشأة وحتى العقيدة؟ ولماذا الإصرار على إقحام هذه الطائفة، بتاريخها وعقيدتها وأصولها، في غايات سياسية آنية قد تتغير في أي لحظة؟
إن المجزرة غير المبررة التي تعرّض لها الدروز تجعلنا نفهم أن العودة إلى النظام القائم خط أحمر لا يمكن التنازل عنه، وأن توجّه القوى الاجتماعية والدينية والشعبية في السويداء يشدّ باتجاه هذا الرفض بسبب كسر حاجز الثقة والتجييش الطائفي الذي حصل ضد أبناء المحافظة. لكن استغلال جراح العامة واستثمار هذه الكارثة سياسياً للانفصال عن الدولة، وتشويه صورة الإسلام بشكل عام، والتنصل من الانتماء التاريخي والثقافي لهذه الأرض ولهذا الشعب، موضوع مختلف تماماً. فالخليج كله إسلام، وكذلك ماليزيا وإندونيسيا وأذربيجان وجزر المالديف، وكثير من الدول والمدن التي أصبحت منارات ووجهات سياحية معروفة لكل العالم، جميعها إسلام. واختزال هذا الفصيل الجهادي المتطرف للحضارة والأمة الإسلامية يفتقر بشدة إلى المصداقية والواقعية، ويظهر مدى تشدد الغاية السياسية في استثمار الحيف الإنساني الذي وقع على هذه الطائفة. كما أن رد الجميل لإسرائيل بهذه التبعية المهينة، والتعري التاريخي الكامل من أجل حماية متوهَّمة حصلت لغايات وظروف سياسية معينة، أمر يترك الدروز في كل العالم بلا قضية ولا هوية ولا عقيدة، ويصنّفهم كجماعة تتلوّن براغماتياً بما لا يليق بهم بحسب الظروف السياسية. فما الغاية من تحويل الدروز من طائفة مندمجة مع كافة فئات الشعب السوري، إلى فصيل ديني شبيه بحزب الله، كذراع ميليشيوي مسلح من أذرع إيران في المنطقة، مع تبديل الزعامات والقوة المشغِّلة لهم، ليصبحوا لاحقاً أداة حادة في خاصرة شعب ووطن؟
كما أن التصريحات بأن الدروز كانوا على تواصل مع إسرائيل حتى قبل سقوط النظام، تضع الحراك الثوري في السويداء - الذي حوّل ساحة الكرامة إلى أيقونة ثورية وحضارية - موضع شك ذي بعد سياسي غير بريء، وتثير التساؤل عن غاية المعنيين بهذا الأمر، وتحمّلهم مسؤولية التصعيد الذي حصل ضد أهالي المحافظة والذي ذهب ضحيته آلاف الأبرياء. وهذا يبدو، بشكل منقطع النظير، غير ذي صلة برغبة الشارع في السويداء، بدليل الحشود الغفيرة التي كانت تملأ الساحات، مع وجود نخب من المثقفين والوطنيين الذين غُيّبت أصواتهم وصورهم وحضورهم الآن عن المشهد الثقافي والسياسي، بسبب سياسات الرجل الواحد والصوت الواحد والرأي الواحد، من دون أي عملية إصلاح في المنظومة الدينية والعشائرية الوراثية الرجعية، أو تأسيس مجلس من الحكماء والمثقفين من انتماءات مختلفة لتداول الرأي - وهذا لا يليق بثقافة وتاريخ أهل هذه المحافظة. وبدلاً من ذلك، تم تعزيز القوة الفصائلية التي أصبحت تُجبر الناس بقوة السلاح على خدمة أجندة سياسية لا تعني أهل المحافظة لا من قريب ولا من بعيد، ولا تصب في مصالحهم الآنية أو المستقبلية.
لماذا على الدروز الآن أن يدفعوا فاتورة عزوفهم السلمي عن معارك الدم، بطريقة غير محقة، ومن دون هدف أو غاية أو قضية تخدم مصالحهم وقضية وجودهم، بل لمجرد تمهيد لأجندة سياسية بغيضة لا تنتمي إليها المحافظة، لا بالعقيدة ولا بالتاريخ ولا بالمصالح الوجودية على المدى البعيد، بل زُجّ بهم في صراع لا يتجاوز دورهم فيه أن يكونوا أكثر من قرباناً وأضحية؟
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: إذا كانت العودة إلى النظام الحالي أو التفاهم معه خطاً أحمر، وكذلك الانفصال عن الدولة خطاً أحمر بالمثل - لأن لا أحد يستطيع التفاوض نيابة عن أصحاب الدم والحق، وهم الناس الذين هُدمت بيوتهم وقُتل أهلهم وتشرد أبناؤهم، ولا سبيل للتعايش مع فصيل جهادي متطرف يحكم بلداً - والخط الأحمر الآخر هو الانصياع والتغرير الكامل أمام مصالح قومية وأمنية لدولة لا تمتّ لهم بصلة، وليس للدروز أي مصلحة في أن يكونوا جزءاً من تاريخ مزوَّر قائم على انسلاخ كامل من الجذور والأصول والموروث الثقافي الأصيل لهذه المنطقة - إذاً ما الحل؟ وما الذي يستطيع الدروز فعله بشكل واقعي وموضوعي، مع الحفاظ على توازن هذه المعادلة الصعبة التي وُضعوا فيها؟
أولاً، فيما يخص الدولة السورية، وهي الأساس في حل المشاكل الداخلية والاقتصادية والمعيشية ذات الأولوية القصوى: إن محافظة السويداء جزء أصيل من التراب السوري، ولا يمكن الانفصال عنه تحت أي ظرف سياسي عابر، كما أن أبناء هذه المحافظة جزء ومكوّن أصيل، ثقافياً وعقائدياً وتاريخياً، من أبناء المنطقة. مع حق أهالي المحافظة في الاحتفاظ بالرفض الكامل لهذه الحكومة المتطرفة، واعتبارها حكومة لا تمثل سوريا ولا السوريين، والمطالبة بحكومة لا مركزية من أبناء المحافظة لإدارة شؤونها، والاتفاق على بنود واضحة لإعادة المهجّرين وترميم البيوت وتنظيم علاقات التبادل الاقتصادي والتجاري، ريثما يؤول الأمر إلى حكومة منتخبة.
ثانياً، إسرائيل، وهي دولة جوار، ونسبة الدروز فيها أقل من 2%، أي أقل من نصف نسبة الدروز في سوريا. وتلتزم السويداء بعلاقات الدولة السورية معها، وهي في الواقع ليست أقل هوادة بكثير من علاقة المحافظة معها. وما تزال السويداء حلقة وصل وربط للمصالح بين الطرفين، وتستطيع تحقيق مصالحها لحاجة جميع الأطراف إليها، بما لا يخلّ بالاتفاقات الأمنية واحترام الدولة السورية، كقضية قومية ووطنية بعيداً عن المتغيرات السياسية.
إن حاجة الأطراف إلى السويداء قد تساهم في استقرار المنطقة وتكون صمام أمان لها، ويمكن أن تكون هناك دول ضامنة لأي اتفاقات على هذا المستوى، لحماية أهل المحافظة من أي انزلاق جديد نحو العنف قد يحاول البعض التحريض عليه، واستغلال حالة عدم الاستقرار والنفور بين أبناء المحافظة والحكومة المؤقتة أو بعض فئات الشعب السوري.
وأخيرا يصح القول، انه ربما لا يملك الدروز اليوم ترف اختيار الطريق السهل، لأن كل الطرق التي تبدو سهلة في لحظات الخوف قد تتحول لاحقاً إلى أثمان باهظة. فلا العودة إلى منظومة فقدت الثقة بها يمكن أن تكون حلاً، ولا الانفصال عن سوريا يمكن أن يكون ضمانة لمستقبلهم، ولا الارتهان لقوة خارجية يمكن أن يصنع لهم أمناً دائماً، ولا تحويلهم إلى فصيل مسلح أو ورقة في صراع إقليمي يمكن أن يحفظ لهم المكانة التي صنعها تاريخهم.
الحل، وإن بدا أكثر صعوبة، ربما يكون في التمسك بالثوابت التي لا تتغير بتغير الحكومات والتحالفات: السويداء جزء من سوريا، والدروز جزء أصيل من تاريخ هذه الأرض ومجتمعها، ومن حق أهل المحافظة في الوقت نفسه أن يرفضوا أي سلطة لا تحميهم ولا تمثلهم، وأن يطالبوا بصيغة جديدة للدولة تضمن لهم الأمن والكرامة واللامركزية وإدارة شؤونهم، بعيداً عن الاستبداد والتطرف والفصائلية والتبعية.
ولعل أهم ما ينبغي أن يدركه الدروز في هذه اللحظة أن حماية وجودهم لا تبدأ بالبحث عن هوية بديلة، وإنما بالحفاظ على هويتهم التي صنعوها بأنفسهم، وبإعادة بناء مجتمعهم من الداخل، وبمنع احتكار القرار باسم الدين أو العائلة أو السلاح، وباستعادة صوت المثقفين وأهل الرأي والحكماء وكل من يرى في السويداء وطناً ومجتمعاً لا ساحة نفوذ.
كما أن على السوريين، في المقابل، أن يفهموا أن مطالبة أهل السويداء بالأمان والعدالة واللامركزية ليست مؤامرة على وحدة البلاد، كما أن رفضهم لسلطة متطرفة لا يعني رفضهم لسوريا أو لشعبها أو لتاريخهم فيها. إن وحدة الوطن لا تُفرض على الناس بالخوف، وإنما تُبنى بالثقة والعدالة والمواطنة.
وفي النهاية، ربما تكون المسألة أبسط مما تبدو، رغم كل تعقيداتها: الدروز لا يحتاجون إلى وطن بديل، كما لا يحتاجون إلى وصي على وطنهم. يحتاجون إلى سوريا مختلفة؛ سوريا لا تعاقبهم على خصوصيتهم، ولا تطلب منهم التخلي عن تاريخهم كي تثبت وطنيتهم، ولا تتركهم في الوقت نفسه أسرى لفصيل أو زعيم أو قوة خارجية.
فإذا كان الدم الذي سال في السويداء قد جعل العودة إلى الماضي مستحيلة، فلا ينبغي أن يجعل المستقبل رهينة للماضي.
وإذا كانت المأساة قد كسرت الثقة، فالمطلوب ليس كسر الوطن معها.
بل إعادة بناء الثقة والوطن معاً.
فالدروز ليسوا بحاجة إلى أن يصبحوا أقل سورية كي يكونوا أكثر أمناً، ولا إلى أن يصبحوا تابعين لأحد كي يكون لهم مستقبل. حاجتهم الحقيقية هي أن يكونوا أحراراً في وطنهم، شركاء فيه، وأصحاب قرار في مصيرهم.
وهذا، في النهاية، هو الفارق بين أن تكون ضحيةً لمأساة وأن تتحول إلى قربانٍ لمشروع لا يشبهك.
#أنس_نادر (هاشتاغ)
Anas_Nader#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟