أنس نادر
(Anas Nader)
الحوار المتمدن-العدد: 8474 - 2025 / 9 / 23 - 00:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ الأيام الأولى للثورة السورية، رفعت معظم القوى السياسية والعسكرية، ومعها قطاعات واسعة من المجتمع ـمطلب التدخل الدولي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. الهدف كان واضحاً: إيقاف نظام استخدم القتل والتجويع كأدوات للحكم. لم يخرج عن هذا الإجماع سوى قلة من النخب الثقافية وهيئة التنسيق. ومع مرور الوقت، تحولت سوريا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، فيما دفعت مدنها الكلفة الأكبر.
وحين برز الحراك السلمي في السويداء مطالباً بالانتقال السياسي، بدا الأمر، على الأقل في بدايته، محاولة لإعادة إحياء أهداف الثورة الأولى. لكن سرعان ما وُصمت تلك الأصوات بأنها "عملاء للخارج"، فقط لأنها دعت إلى وقف المجزرة. والسؤال هنا: هل السويداء فعلاً هي التي تستدعي التدخل الخارجي؟ أم أن ما يفتح الباب لذلك هو تصاعد التعبئة الطائفية والقبلية والمناطقية التي تمزق النسيج الاجتماعي قبل أن تهدد الدولة ككيان سياسي؟
هذا يقودنا إلى سؤال أوسع: هل يمكن لشخصية مثل الشرع أن تُقدَّم كرمز لـ"الإسلام المعتدل"، تسعى لبناء تحالف إقليمي تدعمه السعودية وتركيا وقطر والأردن؟
المعطيات لا تعطي هذا الانطباع.
فالشرع لا يملك البنية المؤسسية ولا الأدوات العسكرية اللازمة لإدارة مرحلة انتقالية مستقرة. وما نُسب إليه من "إنجازات" خلال الأشهر الماضية ترافق مع تصاعد خطاب طائفي غير مسبوق، وأحداث دامية طالت شرائح مختلفة من المجتمع السوري، ما عمّق الانقسامات بدلاً من معالجتها. كما أن انفتاحه على تفاهمات إقليمية ودولية مثيرة للجدل يزيد من الشكوك حول طبيعة الدور الذي يجري تحضيره له.
المشكلة الأعمق أن هذا المسار يهدد بتحويل المظلومية السنية العامة ــ التي امتدت لعقود من التهميش والدمار والتهجير ــ من هوية وطنية ــ إسلامية ثقافية جامعة، إلى مجرد إطار طائفي ضيق. الهوية الإسلامية في سوريا لم تكن يوماً حكراً على مذهب بعينه؛ بل شكّلت فضاءً حضارياً واسعاً صاغ ملامح البلاد عبر القرون: من أحياء دمشق القديمة ومآذنها، إلى أسواق حلب وخاناتها، وصولاً إلى الذاكرة الثقافية العربية المشتركة المتجذرة في اللغة والدين.
المطلوب اليوم ليس تحويل هذا الإرث المشترك إلى أداة صراع، بل استعادته كمظلة حضارية وثقافية قادرة على استيعاب كل المكونات. ذلك وحده ما يمكن أن يواجه مشاريع التفتيت، ويمهّد لبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المصالحة والاعتراف المتبادل، لا على الإقصاء والانتقام.
#أنس_نادر (هاشتاغ)
Anas_Nader#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟