أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قحطان الفرج الله - حوار) حين يتحول الخيال إلى لغة ، قراءة نقدية في لوحة للفنان وضاح مهدي















المزيد.....

حوار) حين يتحول الخيال إلى لغة ، قراءة نقدية في لوحة للفنان وضاح مهدي


قحطان الفرج الله

الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 20:11
المحور: الادب والفن
    


(حوار) حين يتحول الخيال إلى لغة ، قراءة نقدية في لوحة للفنان وضاح مهدي

لا تبدو لوحة (حوار) للفنان وضاح مهدي معنية بأن تحكي لنا حكاية مكتملة، بقدر ما تستدرجنا إلى لحظة معلّقة بين الكلام والصمت، بين حضور الجسد وانسحابه، وبين ما نراه وما نتخيله. إنها لوحة لا تمنح معناها دفعة واحدة؛ بل تتركه يتشكل تدريجيًا من خلال شبكة من العلاقات اللونية والخطية والتجريدية، وكأن الحوار الذي يقترحه العنوان لا يجري بين شخصين بالضرورة، وإنما بين الشكل وظله، والمرئي والمخفي، والإنسان وذاته، اختار وضاح مهدي لهذا الحوار، الذي لا يقوم في جوهره إلا بين طرفين، أن يفتح فلسفته على احتمالات أوسع؛ فالحوار قد يكون بين الإنسان وجليسه، أو بين الإنسان وأفكاره، وقد يكون كذلك بين الإنسان ونفسه وخياله، ذلك الكائن المراوغ الذي لا يستقر في مكان، ولا يعترف بحدود الواقع.
من هنا أجد اختيار الطائر في هذه اللوحة اختيارًا عبقريًا، لأنه يبدو لي الطرف الأكثر ملاءمة لهذا الحوار الخفي. فنحن كثيرًا ما نحاور أولئك الذين يطيرون من خيالاتنا، أولئك الذين يسبحون في أفق بلا حدود ولا موانع، ثم نمنحهم لحظةً استثنائية من التجسد؛ فيسكنون أمامنا، جالسين بهدوء، كما لو أن الخيال نفسه قد قرر أن يمنحنا جسدًا كي نصغي إليه.
الطائر هنا ليس مجرد مفردة تشكيلية أو عنصر مكمل للتكوين؛ إنه احتمال للتحليق، وإشارة إلى ذلك الجزء من الإنسان الذي يرفض أن يستقر داخل حدود الواقع. وهو، في الوقت نفسه، كائن شديد الحساسية؛ يكفي أن تعكر حركة واحدة صفو هذا النقاء الحواري حتى يعلو ويغادر. وكأن وضاح يقول لنا إن بعض الحوارات لا تُحتفظ بها بالقوة، بل بالهدوء؛ وإن الخيال، مثل الطائر، لا يقبل الأسر، وإنما يحضر حين يشعر بالأمان، ويرحل عند أول حركة تعكر صفوه.
في مركز العمل يستقر الشكل الإنساني في حالة من التأمل أو الإصغاء، غير أن الفنان لا يسمح لهذا الشكل بأن يتحول إلى شخصية واقعية ذات ملامح محددة. فالوجه، على الرغم من وضوح حضوره، يتفكك إلى مساحات لونية وخطوط متقاطعة، والجسد بدوره يتحول إلى كتلة شبه تجريدية تتداخل فيها الانحناءات مع المساحات البيضاء والرمادية. وهنا تكمن إحدى جماليات العمل: الفنان لا يرسم الإنسان بقدر ما يرسم الحالة التي يعيشها الإنسان، واللون في «حوار» ليس زينة للموضوع، وإنما هو أحد أطراف الحوار الأساسية. فالأبيض والرمادي يهيمنان على المشهد، ويمنحانه حالة من الهدوء والتأمل، بينما تأتي درجات البني والأوكر والذهبي الترابي لتمنح السطح إحساسًا بالدفء والقدم والذاكرة. وفي مقابل هذه الأرضية الترابية تظهر مساحات زرقاء باردة، تكاد تكون شظايا من ضوء أو هواء، فتخلق توترًا خفيًا بين الدفء والبرودة، بين المادي والروحي.
أما البنفسجي والداكن في مناطق الرأس والظل، فيؤديان وظيفة أكثر عمقًا؛ إذ لا يبدوان مجرد ألوان تظليل، بل يتحولان إلى مناطق كثافة نفسية. كأن اللون الداكن هنا هو ما لم يُقَل، أو الجانب الذي يحتفظ به الإنسان في داخله ولا يستطيع الإفصاح عنه. وهكذا يصبح اللون شريكًا في الحوار لا خلفية له. ويشتغل وضاح مهدي على الخط بطريقة لافتة. فالخطوط السوداء أو الداكنة لا تأتي دائمًا لتحديد الأجساد والأشياء، بل تبدو أحيانًا وكأنها آثار حركة أو بقايا ذاكرة. بعضها يحيط بالشكل، وبعضها يخترقه، وبعضها يمتد إلى خارج المنطق التشريحي للجسد، فتتحول الخطوط من وظيفة الوصف إلى وظيفة التعبير. إنها لا تقول: «هذا هو الشكل»، وإنما تسأل: «ماذا بقي من الشكل بعد أن مرّ به الشعور؟».
ومن هنا تتضح قيمة التجريد في العمل. فالتجريد عند الفنان ليس قطيعة مع الإنسان، وإنما هو طريقة للوصول إلى ما وراء الإنسان الظاهر. ثمة أجزاء يمكن التعرف إليها، وأجزاء أخرى تتوارى داخل التكوين، الأمر الذي يجعل العين تتحرك باستمرار بين التعيين والتخمين. نحن لا نرى صورة مكتملة، بل نشارك في استكمالها.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن الحوار في اللوحة يمكن قراءته بوصفه حوارًا بين الجسد والفضاء المحيط به. فالشكل الإنساني لا يبدو منفصلًا عن الخلفية؛ الحدود بينهما رخوة، والمساحات تتسرب من أحدهما إلى الآخر. وهذا التداخل يمنح العمل حساسية خاصة، لأن الشخصية لا تبدو جالسة داخل مكان فحسب، بل كأنها جزء من المكان، أو أن المكان نفسه قد تسلل إلى داخلها.
حتى الورق ذو الحواف غير المنتظمة يكتسب أهمية جمالية في هذه القراءة. فالحافة البيضاء الخشنة لا تبدو مجرد إطار مادي للعمل، وإنما تشارك في تكوينه، وتمنحه إحساسًا بأنه قطعة من أثر قديم أو صفحة من ذاكرة لم تكتمل. وبذلك يصبح سطح اللوحة نفسه جزءًا من خطابها: شيء ممزق الحواف، لكنه محتفظ بجوهره.
إن براعة وضاح مهدي هنا تكمن في أنه لا يرفع صوته التشكيلي؛ لا يعتمد على الصدمة اللونية أو ازدحام التفاصيل، وإنما يبني جمالياته على الاقتصاد، والكثافة، والترك المقصود لمساحات من الغموض. وهذا الغموض ليس نقصًا في المعنى، بل هو المساحة التي يدخل منها المتلقي إلى العمل. لذلك يمكن النظر إلى «حوار» بوصفها لوحة عن الإصغاء أكثر مما هي لوحة عن الكلام. فالوجه مائل، والجسد ساكن، والخطوط متوترة، والألوان هامسة، والطائر حاضر في لحظة تشبه الهدنة بين التحليق والاستقرار؛ وكل شيء فيها يوحي بأن ثمة شيئًا يجري، لكنه لا يُقال بصورة مباشرة، إنه حوار لا يحتاج إلى فم حوار بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان وخياله، وبين الجسد وذاكرته، وبين الضوء والعتمة، وبين اللون حين يكون لونًا واللون حين يتحول إلى شعور. بل ربما هو حوار بين ما نريد أن نقوله وما نعجز عن قوله.
وقد تبدو هذه القراءة أكثر خصوصية بالنسبة لي، لأن هذه اللوحة وصلتني هدية من الصديق الفنان وضاح مهدي؛ ولذلك لا أجد حرجًا في أن أقول، بعيدًا عن المجاملة التي قد تفرضها الصداقة، إنني لا أبالغ حين أعدّ «حوار» واحدة من أجمل لوحاته، من بين لوحاته الباهرة الكثيرة. فالهدية هنا لم تكن لوحة معلقة على جدار، وإنما كانت مساحة للتأمل، ونافذة صغيرة يطل منها الخيال على نفسه، وربما لهذا السبب تحديدًا ظل عنوانها يشتغل في داخلي بعد النظر إليها: «حوار» حوار لا ينتهي حين نصمت، بل يبدأ.
وحوار لا يحتاج إلى كلمات، لأن وضاح مهدي ترك للون والخط والجسد والطائر أن يقولوا ما تعجز اللغة أحيانًا عن قوله، إنها لوحة عن لحظة نادرة يصبح فيها الخيال طائرًا، ويصبح الإنسان منصتًا، ويصبح الصمت نفسه لغة.



#قحطان_الفرج_الله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- (صدام نريده… السيد خلّ يتكتر)
- الكاردنال ساكو بين تطبيعٍ يعيد الاعتبار، وتطبيعٍ يشرعن الجري ...
- نغم حزين على وتر جاحد نظرة تأملية في نص لأكرم الوتري…
- مهدي العلاق… حين تصير الذاكرة وطنًا يكتبنا…
- في بيت آل الجمال… الله وقبول الاختلاف.
- الله والشرير مسألة الشر بين العقل والعاطفة: قراءة في كتاب ال ...
- العزوف الشيعي والانقياد السني… قراءة في المزاج الاجتماعي الج ...
- الاقتصاد الإبداعي في العراق بين التقدير والاختزال: قراءة نقد ...
- الحلاج ، سؤال لا يموت…. بين الفلسفة والتصوف.
- ذاكرة الخصم أقوى من وعي الحليف… قراءة في عقل الرئيس رفسنجاني ...
- والآن… ماذا بعد أن سقطت ورقة التوت؟!
- ( إيمان) يفرض بسلطة القانون
- حديث راهي جدًا….
- تفاهة اليقين: والخوف من السؤال: لماذا يعادي بعض رجال الدين ا ...
- (اللام الشمسية ) في سياسة حماية الطفولة
- ولاد الشمس: ذكاء الموضوع وعبقرية الأداء
- بين وهم التنمية البشرية والعنف الديني
- مقهى الوجودية
- تجليات معاصرة لشخصية عتمان (ابن الحبلة)
- الفكر الإنساني والأدب قراءة في كتاب د. سليمان العطار (عقلان ...


المزيد.....




- بعد مسيرة فنية حافلة.. وفاة الفنان المصري الكبير محمد التاجي ...
- حميد دباشي يفكك -المركزية الأوروبية- ما بعد الوحشية: غزة وال ...
- -بلادك تحترق وأنت تقيم الحفلات-.. الشاب خالد يواجه انتقادات ...
- هل حفرت أمريكا -ممرا سريا- في هرمز؟ وثائق وبيانات تفنّد الرو ...
- وزير التعليم يشهد توقيع بروتوكول تعاون مع معهد جوته ودار “هو ...
- -معايا ماستر-.. كلمة باللغة الإنجليزية تضع وزير النقل المصري ...
- أغنية من ألبوم كاظم الساهر تختفي بعد طرحها بأيام.. ما القصة؟ ...
- الأربعاء.. ثماني جامعات فلسطينية تلتقي على خشبة القصبة في مه ...
- تالا صندوقة: فنانة مقدسية تعيد إحياء الذاكرة الفلسطينية عبر ...
- حكايات بين الصفحات.. حين تحتفظ الكتب المستعملة بآثار قرائها ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قحطان الفرج الله - حوار) حين يتحول الخيال إلى لغة ، قراءة نقدية في لوحة للفنان وضاح مهدي