قحطان الفرج الله
الحوار المتمدن-العدد: 8431 - 2025 / 8 / 11 - 14:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تبدو ملامح السلوك السياسي في العراق، ولا سيما بين ما يسمى سياسيًا (المكوّنَيْن الشيعي والسني)، انعكاساً لبنية اجتماعية وثقافية متوارثة، أكثر مما هي نتاج أحداث آنية أو ظرفية. فالمزاج الشيعي، بحكم تاريخه المديد مع السلطة، ما يزال يحمل نزعة تمردية عميقة، ترفض الانقياد لأي سلطة مهما تشابهت الأسماء والشعارات. هذه الروح المتمردة، التي تشكلت عبر قرون من المعارضة السياسية والاضطهاد، جعلت القبول بأي زعيم أو سلطة شيعية أمراً محفوفاً بالتشكيك، إن لم يكن ممهوراً برغبة في النقد والتحطيم.
تجلّى ذلك في المشهد الذي رافق مسيرة عمار الحكيم إلى كربلاء، حيث قوبل بالسباب والاعتراض والشتائم، رغم ما يتمتع به من نفوذ سياسي، وثراء كبير، وسمعة دينية موروثة، وجمهور حزبي منظم. فالمجتمع الشيعي، حتى في ظل وجود زعيم يملك المال والقاعدة، يبقى مستعداً لمواجهته ومحاسبته، وهو ما يحدّ من حضوره الجماهيري وفرصه الانتخابية.
في المقابل، يظهر المزاج السني مختلفاً جذرياً، إذ يميل إلى الاقتراب من السلطة، بل وإظهار الولاء للمتسلط القوي، ما دام يمتلك النفوذ والقدرة على الحماية أو المنفعة. المثال الأبرز على ذلك ما شهده رئيس البرلمان السابق، الذي أُقيل بتهم تتعلق بالتزوير، من استقبال حافل وحمل على الأعناق في مناطق سنية متعددة، رغم ما يحيط بشخصه من جدل. إن التشابه بين الشخصيتين من حيث الثروة الكبيرة!!! والنفوذ السياسي، واختلاف رد الفعل الشعبي تجاههما، يكشف عن فجوة جوهرية في الثقافة السياسية (للمكوّنين)!!!. فالجمهور الشيعي ميّال إلى كسر هيبة السلطة إذا انتمت لصفه، والجمهور السني ميّال إلى التمسك بالسلطان إذا بدا قوياً قادراً على فرض هيبته، هذه المفارقة لا تُفسَّر فقط بالسياسة، بل بالجذور الاجتماعية والتاريخية لكل مكوّن، ما يجعل أي مشروع وطني ملزمًا بفهم هذه النفسية الجمعية، إذا أراد أن يتجاوز حدود الولاءات التقليدية إلى أفق سياسي أوسع ، المستقبل الاجتماعي للعراق لن يستقيم ما لم يواجه أهله حقيقة ازدواج الشخصية التي تتجاذبهم بين التمرد الأعمى والطاعة العمياء. فالأمم لا تنهض إذا بقيت أسيرة ماضيها، ولا تتحرر إذا استبدلت سلطاناً بآخر وهي تحمل في داخلها روح العبودية أو روح المشاكسة التي تهدم ولا تبني….
#قحطان_الفرج_الله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟