أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قحطان الفرج الله - (صدام نريده… السيد خلّ يتكتر)














المزيد.....

(صدام نريده… السيد خلّ يتكتر)


قحطان الفرج الله

الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 02:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هذه أهزوجةٌ استُقبلت بها قوات الحرس الجمهوري والجيش من شعبٍ مغلوبٍ على أمره، في تسعينيات القرن الماضي، بعد فشل الانتفاضة الشعبانية إبّان غزو الكويت. صدام، الذي ثارت عليه كل محافظات الجنوب، رافعةً شعار: (ماكو ولي إلا علي، ونريد قائد جعفري)، وأحرقت كثيرًا من مؤسسات الدولة ومدارسها بأيدٍ خفية وغير خفية بل جاهلة، عادت لتعبد الطريق للسلطة، وتخضع للخوف، وتسير في ركابه، وتلعق جراحها بعد أن بطش بها الدكتاتور، وزرع الأرض بالناس أحياءً في مقابر جماعية، في واحدة من أبشع مآسي التاريخ الحديث.
العراق المفلس الغارق في الفساد والفقر والجهل اليوم، يبحث تحت لهيب الشمس عن ذاته، يقف أمام سؤالٍ لا يبدو أن له جوابًا: أين استقر به المطاف بعد عشرين ونيف من السنين التي أعقبت الدكتاتور؟ تقاسمته الولاءات، وخذله الدين الذي انصهر في أتون الطائفية، بدلًا من أن يتألّق بوهج الطوائف وثراء تنوّعها. تحوّلت الاختلافات التي كان يمكن أن تكون مصدرًا للثراء إلى متاريس، وتحول التنوع الذي كان يمكن أن يكون قوةً إلى أسبابٍ للانقسام.
ولا يزال هذا الشعب يستقبل كل قادمٍ جديد بشعار: (علي وياك علي)، ويودّع المغادر بالشتائم والسباب. وعليٌّ براءٌ من كل هذه الشعارات البائسة التي تُرفع باسمه؛ وهو الذي كان اسمه، في الوعي الجمعي، رمزًا للعدل والكرامة والشجاعة، لا رايةً تُرفع لاستقبال حاكمٍ أو تبرير سلطة. ولا تستغرب؛ فشعار (علي وياك علي) نفسه كان يُستقبل به ابن الطاغية صدام في ملعب الشعب الدولي. وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلامًا: نحن لا نغيّر الشعارات، بل نغيّر أسماء من نهتف لهم، وكأن التاريخ لا يعلّمنا شيئًا. نرفع الشعار ذاته، ونبدّل الوجوه، ثم نعود لنكرر المشهد نفسه، وكأننا شعبٌ يعيش في عوّامة نسي حارسها أن يربطها بالمرسى.
كثيرا ما يطارد مخيلتي مشهد من رواية (ثرثرة فوق النيل) للعبقري نجيب محفوظ، واتوقف عنده طويلًا وهو المشهد الأخير من الرواية في العوّامة، حين أفلت حارسها حبلها، لتبدأ العوّامة بالانجراف، حاملةً أولئك الذين اختزل محفوظ من خلالهم صورةً ساخرةً ومؤلمةً لمجتمعٍ مأزوم.
محامٍ يستخدم القانون لتكييف الجريمة، وكاتبٌ مزيف يضلّل عقول الناس، وصحفيٌّ يأخذ أجرته لقاء بيع ضميره، وسيدةٌ تبحث عن عذر لخيانة زوجها، وأخرى تستجدي قوتها ببيع جسدها، وشابةٌ تمثّل أسوأ ما في ذاك وهذا الجيل؛ جيلٌ يعيش بلا ثقافةٍ حقيقية ولا قيمٍ قادرة على أن تمنحه معنى. وممثل حياته هي الدراما، لا ما يمثله في السينما.
وما بين عوّامة نجيب محفوظ وعراقنا اليوم، تتسع مساحة التأمل. كل هذا الصخب الاجتماعي يسير في عوّامةٍ أفلت حارسها حبلها، لتتلاطم بها الأمواج، والولاءات حاملةً كل هذا الصخب الذي لا يؤثر في في تغيير المجتمع بل في ضياعه أكثر فاكثر ، فهو في داخلها وعاجز عن تغيير حركتها.
إنهم مغيّبون في وسط الماء؛ لا ساحل لهم ولا مرسى، ولا يعرفون إلى أي جهةٍ تمضي بهم العوّامة. وربما تكمن المأساة في أن الإنسان حين يفقد القدرة على اختيار وجهته، يصبح جزءًا من حركة الموج، حتى وإن كان يظن أنه يسير بإرادته.
أنا، من جيل هذا الزمان الذي يزعم الثقافة، أعترف أننا عجزنا عن تغيير المجتمع، بل عجزنا حتى عن فهم أنفسنا، وعن فهم ما الذي يُراد منا. كنا نظن أن الثقافة قادرة على أن تغيّر العالم، ثم اكتشفنا، بعد كل هذه السنوات، أننا لم ننجح حتى في حماية أنفسنا من عالمٍ يتغيّر من حولنا.
العراق الذي يسير بلا هدى، من حربٍ إلى أحضان حربٍ أخرى، ومن جوعٍ إلى بطنٍ خاويةٍ أخرى، ومن دمٍ مهدورٍ إلى مذبحٍ يلوح في الأفق، سفينته لا تعرف السكون، وليس لها ميناء ولا مرسى. وكلما ظننا أننا بلغنا شاطئًا، اكتشفنا أننا لم نغادر الماء أصلًا. هرمنا، وابيضّت نواجذنا، وتعبت أرواحنا من انتظار المرسى، وما اهتدينا إلا إلى الموت الذي يشتهينا دومًا.
فما ألذّنا في فمه.



#قحطان_الفرج_الله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكاردنال ساكو بين تطبيعٍ يعيد الاعتبار، وتطبيعٍ يشرعن الجري ...
- نغم حزين على وتر جاحد نظرة تأملية في نص لأكرم الوتري…
- مهدي العلاق… حين تصير الذاكرة وطنًا يكتبنا…
- في بيت آل الجمال… الله وقبول الاختلاف.
- الله والشرير مسألة الشر بين العقل والعاطفة: قراءة في كتاب ال ...
- العزوف الشيعي والانقياد السني… قراءة في المزاج الاجتماعي الج ...
- الاقتصاد الإبداعي في العراق بين التقدير والاختزال: قراءة نقد ...
- الحلاج ، سؤال لا يموت…. بين الفلسفة والتصوف.
- ذاكرة الخصم أقوى من وعي الحليف… قراءة في عقل الرئيس رفسنجاني ...
- والآن… ماذا بعد أن سقطت ورقة التوت؟!
- ( إيمان) يفرض بسلطة القانون
- حديث راهي جدًا….
- تفاهة اليقين: والخوف من السؤال: لماذا يعادي بعض رجال الدين ا ...
- (اللام الشمسية ) في سياسة حماية الطفولة
- ولاد الشمس: ذكاء الموضوع وعبقرية الأداء
- بين وهم التنمية البشرية والعنف الديني
- مقهى الوجودية
- تجليات معاصرة لشخصية عتمان (ابن الحبلة)
- الفكر الإنساني والأدب قراءة في كتاب د. سليمان العطار (عقلان ...
- صقور الحاج فويلح


المزيد.....




- ظاهرة جوية نادرة بتايوان تثير تساؤلات خبراء الأرصاد.. إليكم ...
- موجة غضب وإدانة بعد تصريحات -مشينة- ضد المسلمين أطلقها قيادي ...
- القوات الإسرائيلية توسع توغلها جنوب لبنان وتقيم ساتراً ترابي ...
- السلطات العراقية تحقق مع 4 عناصر شرطة بتهمة الاعتداء الجنسي ...
- وفاة والد ميسي.. -الركيزة خلف مسيرة الأفضل في التاريخ-
- هل تهدد موجات الحر إمدادات الكهرباء في أوروبا؟
- مفاوضات روما بلا اختراق وسط تصعيد جنوبي
- يدين الحوثيين.. السعودية ترحب ببيان مجلس الأمن الدولي
- سويوزمولتفيلم.. إبداع بنكهة البراءة
- إجراء مصري جديد بعد فضيحة تسجيل خطوط الهاتف المحمول


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قحطان الفرج الله - (صدام نريده… السيد خلّ يتكتر)