أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد الأحمد - ظهيرة الذاكرة














المزيد.....

ظهيرة الذاكرة


محمد الأحمد

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 15:21
المحور: قضايا ثقافية
    


ظهيرة كل جمعة، وبانتظام لا يتخلف، كنت أجلس بشغف إلى المذياع أستمع إلى برنامج «من الذاكرة»، الذي كان يقدمه الإعلامي الكبير سعاد الهرمزي بصوت دافق وحضور ثقافي لافت. كان الرجل مثقفًا بامتياز؛ لا يكتفي بأن يقدم المعلومة، بل يمنحها سياقها، حتى تبدو كأنها معرفة تؤسس في الذاكرة ولا تغادرها.
كانت الساعة الواحدة موعدًا ثابتًا، وكنت أستسلم لتلك الساعة بكل جوارحي، إلى جانب شقيقي الأصغر مني بسنتين، شهاب. كنا نصغي معًا، وأحيانًا ندوّن على أوراق صغيرة بعض ما نسمع، وكأننا نخشى أن تفلت منا معلومة أو اسم أو صوت. لم نكن نعرف آنذاك أن تلك الظهيرات ستصبح يومًا من أثمن ما تبقى لنا من العمر.
من خلال البرنامج تعرفنا معًا إلى أصوات عربية كبيرة، وإلى عالم لم يكن متاحًا لنا إلا من خلال المذياع. ثم بدأ شغفنا يكبر؛ صرنا نجمع أشرطة الموسيقى، ونرتبها في مكتبة البيت إلى جانب الكتب والمجلات. كان بيتنا يزداد شيئًا فشيئًا بأصوات وكتب وصور وأسماء، وكان شهاب شريكي في ذلك الاكتشاف الجميل للعالم.
كنا صغيرين، لكننا كنا نعرف، بطريقة لا نملك تفسيرها آنذاك، أن المعرفة تمنح الإنسان حياة أخرى.
ثم جاءت الحرب.
الحرب التي لا تدخل حياة الناس كما تدخل الأخبار، وإنما تدخلها كريح عاتية فتقتلع منها أسماءً وأحلامًا وأعمارًا كاملة.
انتهت الحرب، وعاد كثيرون، لكن شهاب لم يعد.
لم نحصل على شهادة موت، ولم نحصل على قبر نضع عليه وردة، ولم نحصل حتى على يقين يسمح لنا بأن نقول: لقد انتهى الأمر.
بقي شهاب مفقودًا.
ولعل أقسى ما في الفقد أن يكون بلا خاتمة. أن تظل واقفًا عند الباب سنوات طويلة، لا تستطيع أن تستقبل الغائب ولا أن تودع الميت. وقد بقي احتمال أن يكون شهاب أسيرًا في إيران، خصوصًا مع ما أُعلن عن أن جميع الأسرى لم يكونوا قد أُطلق سراحهم. وهكذا ظل السؤال مفتوحًا، وظلت صورة الأخ الذي جلس إلى جواري في ظهيرة الجمعة، يصغي معي إلى «من الذاكرة»، أكثر حضورًا من كل الأخبار التي جاءت بعد ذلك.
اليوم بلغ شهاب الثالثة والستين.
ثلاثة وستون عامًا من العمر، لا أعرف أين مرت عليه، ولا كيف عاشها إن كان حيًا، ولا أين انتهت خطاه إن كان قد رحل. وأنا كلما عدت إلى تلك الظهيرة القديمة، وجدته جالسًا إلى جواري كما كان؛ شابًا لم تأخذه الحرب بعد، يدوّن معي على الورق اسمًا أو معلومة، ثم نعود إلى أشرطة الموسيقى وكتب البيت ومجلاته.
ما أغرب الذاكرة!
إنها لا تستأذن الزمن. تستطيع أن تعيد إلينا إنسانًا غاب منذ عقود، لا في هيئة شبح، بل في هيئة طفل أو شاب كان يضحك إلى جوارك قبل أن تأخذه الحياة إلى مكان لا تعرفه.
ولذلك لم تعد ظهيرة الجمعة عندي مجرد موعد لبرنامج إذاعي قديم. إنها باب أفتحه على زمن كامل: صوت سعاد الهرمزي، المذياع، الأوراق الصغيرة، أشرطة الموسيقى، الكتب، المجلات، ووجه شهاب.
كل ذلك بقي.
الذي لم يبقَ هو شهاب نفسه.
أو لعل هذا ليس صحيحًا تمامًا؛ فقد بقي في المكان الأكثر عصيانًا على الحرب: في الذاكرة.
يا لوجع الحروب حين لا تكتفي بأن تأخذ الإنسان، بل تأخذ معه حق أهله في أن يعرفوا أين ذهب، وكيف عاش، وكيف مات.
لقد مضت عقود، وما زال في داخلي مكان لا يزال ينتظر شهاب.
فالمفقود ليس من غاب فقط؛ المفقود هو من ترك وراءه سؤالًا لم يجد جوابًا.
وربما لهذا، كلما تذكرت تلك الظهيرة، أشعر أن البرنامج لم يكن اسمه «من الذاكرة» مصادفة.
فبعض الأشياء لا تستطيع الحرب أن تمحوها.
ومنها صوت أخٍ غائب، ظل جالسًا إلى جوارك في الذاكرة، طوال ثلاثة وستين عامًا



#محمد_الأحمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثقف حين تصبح الفكرة مسؤولية
- الأكاديمي الحقيقي.. حين يصبح العلم أخلاقًا
- النقد المتسلق
- الرواية العراقية وسؤال الإنسان الغائب
- حرق الجواسيس
- مدرستان للاستحواذ على العالم
- قراءة في -أمري كان لي- للكاتب صنع الله إبراهيم
- قيمة العمل الأدبي
- السبب المباشر في إعدام فاضل البراك
- المختصر المفيد في تاريخ -النقد الأدبي الحديث- (عرض المجلدات ...
- البحث عن -صدام حسين-
- العالم رواية 7- قراءة في التقانة
- العالم رواية 8 – قراءة في التقانة
- العالم رواية 9 - قراءة في التقانة
- نماذج من الرواية العراقية - نعل مقلوب - للكاتب سعد عودة
- نماذج من الرواية العراقية تستحق الوقوف (4)
- العالم رواية 5 القاع العميق في رواية نساء البن ل جورجي امادو
- العالم رواية 6 العنصرية المقيتة في رواية -مسلم ويهودية- للكا ...
- عن رواية -الباشا وفيصل والزعيم-
- عن رواية الاحتلال للفرنسية آني ارنو


المزيد.....




- أمريكا ترفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
- العاهل السعودي الملك سلمان يتلقى رسالة خطية من رئيس الإمارات ...
- من تمرد المستعبَدين إلى ولادة هايتي، ما قصة الثورة التي غيّر ...
- ولاية ألمانية تمنح -فرصة- للعمل والإقامة لمن لم يحصلوا على ح ...
- وزير الخارجية الروسي يبحث مع نظيره الهندي مستجدات الملفين ال ...
- سيناتور روسي: الهجوم الأوكراني على كراسنودار سيقابل برد مناس ...
- ترامب يصعّد بالعقوبات وإيران تهدد برد مزلزل
- المكاسب المتوقعة لسوريا إثر رفع تصنيفها من قائمة -الدول الرا ...
- ترامب يهاجم ويتوعد كندا: لن نسمح لهم بمواصلة استغلالنا
- واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة على دارفور ليشمل كامل السودان ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد الأحمد - ظهيرة الذاكرة