أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد الأحمد - الرواية العراقية وسؤال الإنسان الغائب














المزيد.....

الرواية العراقية وسؤال الإنسان الغائب


محمد الأحمد

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 14:01
المحور: قضايا ثقافية
    


أما آن الأوان أن ننظر إلى الرواية العراقية بعين أخرى؟ أن نسألها، لا عن عدد ما أنتجته من كتب، ولا عن أسماء كتّابها وحضورهم، وإنما عن السؤال الأهم: ماذا فعلت الرواية العراقية إزاء الإنسان الذي عاش كل هذا الخراب؟
لقد مرّ العراق الحديث بعقود لم تكن عابرة في حياة الإنسان؛ حروب وانقلابات وحصارات وفقدان وتهجير وعنف سياسي واجتماعي، ثم تحولات عميقة أعادت تشكيل علاقة الفرد بالدولة والمجتمع والمكان والمستقبل. ومع كل ذلك، كان الإنسان العراقي يتآكل ببطء، حتى غدا في لحظات كثيرة أشبه بجزء صغير تائه في آلة هائلة لا يرى كيف تعمل ولا إلى أين تقوده.
لقد صودرت منه أشياء كثيرة: طمأنينته، وأحيانًا حريته، وأحيانًا حقه في الحلم. والأشد مرارة أن المصادرة لم تتوقف عند جيل عاش الأحداث؛ فقد ورث الأبناء خوف الآباء، وورثوا معه ذاكرة الخسارات وانسداد الأفق. ماتت أحلام كثيرة في أصحابها قبل أن تنضج، وأصبح المستقبل، الذي يفترض أن يكون وعدًا، مصدرًا جديدًا للقلق.
أين الرواية العراقية من كل هذا؟
ليس المقصود أن نطالب الرواية بأن تتحول إلى وثيقة سياسية أو سجل تاريخي؛ فهذه ليست مهمتها. الرواية أعمق من الوثيقة لأنها لا تكتفي بتسجيل الحدث، وإنما تبحث عما يفعله الحدث في الروح. التاريخ يقول لنا إن حربًا وقعت، وإن نظامًا تغير، وإن مدينة دمرت، وإن جيلًا هاجر؛ أما الرواية الحقيقية فتسأل: ماذا حدث للرجل الذي عاد ولم يجد بيته؟ ماذا حدث للمرأة التي انتظرت سنوات؟ ماذا حدث للطفل الذي كبر قبل أوانه؟ ماذا حدث لعائلة تبدلت علاقتها بنفسها لأن الخوف دخل إليها ولم يغادر؟
هنا تبدأ الرواية.
فالرواية ليست حكاية مسلية تُضاف إلى رفوف المكتبات؛ إنها حركة في تاريخ العقل والوجدان. إنها محاولة الإنسان لأن يستعيد حياته من قبضة الوقائع، وأن يمنح الفوضى شكلًا ومعنى، وأن يقول للأجيال المقبلة: هكذا كنا، وهكذا عشنا، وهذا ما فعلته الأيام بنا.
ولهذا تبدو الحاجة اليوم إلى رواية عراقية كبيرة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
نحتاج إلى رواية لا تقف عند سطح الحدث، ولا تستسلم لإغراء المباشرة السياسية، ولا تجعل من المأساة مادة للخطابة. نحتاج إلى رواية تمتلك أدواتها الفنية كاملة: بناءً سرديًا متينًا، وشخصيات حية، ولغة قادرة على حمل التجربة، ومعلومة تاريخية واجتماعية دقيقة، ووعيًا عميقًا بتحولات الإنسان العراقي.
نريد رواية تستطيع أن تدخل إلى المناطق التي لا تصل إليها التقارير.
إلى غرفة الأب الذي يخفي خيبته عن أبنائه.
إلى ذاكرة الأم التي عاشت عمرها في الانتظار.
إلى شاب لم يعد يعرف ماذا يفعل بشهادته وأحلامه.
إلى مثقف يحاول أن يحمي كلمته من التآكل.
إلى عائلة غيّرت الهجرة قاموسها الداخلي.
إلى إنسان أصبح يبحث عن معنى بسيط لحياة لم تعد بسيطة.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع التاريخ الكبير.
لقد استطاعت روايات الأمم الأخرى أن تجعل من الإنسان العادي شاهدًا على عصره. لم تكن عظمة الرواية في أنها كررت التاريخ، وإنما في أنها جعلتنا نراه من الداخل. جعلتنا نفهم كيف يدخل التاريخ إلى البيت، وكيف تتحول السياسة إلى علاقة بين زوجين، وكيف تتحول الحرب إلى خوف يسكن طفلًا، وكيف يتحول الفقر إلى طريقة في التفكير، وكيف يصبح الوطن أحيانًا ذكرى أكثر منه مكانًا.
وهذا ما نحتاجه في الرواية العراقية.
نحتاج إلى أن نرى العراق من خلال الإنسان، لا الإنسان من خلال الشعارات.
فالروائي العراقي أمام مادة هائلة لم تُستثمر سرديًا بما يكفي. ثمة ذاكرة اجتماعية كاملة تكاد تتبدد مع رحيل أصحابها. هناك مدن تغيرت، وبيوت اختفت، ومهن اندثرت، وعائلات تفرقت، وأجيال كبرت في ظروف استثنائية. وهناك لغة يومية عراقية، وعادات، وأمثال، وأغانٍ، وأماكن، وطرائق في الحب والخوف والعيش؛ وكلها تشكل مادة روائية لا تقل أهمية عن الحدث السياسي نفسه.
لكن امتلاك المادة وحده لا يصنع الرواية.
الرواية العظيمة تحتاج إلى عين ترى، وعقل يفهم، وموهبة تعيد خلق ما رأته.
ولهذا فإننا لا نحتاج إلى رواية عراقية أكثر صراخًا، بل إلى رواية أكثر عمقًا. لا نحتاج إلى رواية تشرح لنا ما نعرفه، بل إلى رواية تكشف لنا ما لم نكن نعرف أننا نعرفه. لا نحتاج إلى منشور طويل عن الخراب، وإنما إلى شخصية واحدة تجعلنا نشعر بثقل الخراب كله.
إن وظيفة الروائي ليست أن يصدر الأحكام على التاريخ، بل أن يمنحه جسدًا بشريًا.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الأدب. فالسلطة قد تغيّر الرواية الرسمية للأحداث، والوثائق قد تضيع، والشهود قد يموتون، والذاكرة الجمعية قد تتعرض للنسيان أو التلاعب؛ لكن رواية عظيمة تستطيع أن تبقى بوصفها شهادة وجدانية على زمنها.
لهذا ينبغي أن نتوقف عن النظر إلى الرواية العراقية باعتبارها إنتاجًا ثقافيًا فحسب، وأن نضع أمامها سؤالًا أكثر صرامة: هل استطاعت أن توثق وجود الإنسان العراقي في زمنه؟
إذا كانت الإجابة ناقصة، فالمشكلة ليست في عدد الروايات، وإنما في قدرتها على الإمساك بجوهر التجربة العراقية.
العراق لا يحتاج إلى رواية تستعير أصوات الآخرين؛ يحتاج إلى رواية تكتشف صوته الخاص. رواية عراقية في مادتها، عميقة في رؤيتها، متينة في بنائها، واسعة في معرفتها، وقادرة على أن تخرج من حدود الجغرافيا إلى إنسانية التجربة.
نريد رواية عراقية تستطيع أن تقف أمام روايات الأمم الأخرى لا لأنها تشبهها، وإنما لأنها تعرف كيف تكون عراقية دون أن تكون محلية في أسئلتها.
رواية تقول للعالم: هذا ليس بلد الحروب والأخبار وحدها؛ هنا إنسان أحبّ، وخاف، وانتظر، وخسر، وحلم، وانكسر، ثم حاول أن يبدأ من جديد.
فالوقائع وحدها لا تكفي لصناعة الذاكرة.
التاريخ يسجل ما حدث، أما الرواية فتسجل ما فعله ما حدث بالإنسان
وهنا، ربما، تبدأ الرواية العراقية التي ننتظرها
15 August 2026.



#محمد_الأحمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حرق الجواسيس
- مدرستان للاستحواذ على العالم
- قراءة في -أمري كان لي- للكاتب صنع الله إبراهيم
- قيمة العمل الأدبي
- السبب المباشر في إعدام فاضل البراك
- المختصر المفيد في تاريخ -النقد الأدبي الحديث- (عرض المجلدات ...
- البحث عن -صدام حسين-
- العالم رواية 7- قراءة في التقانة
- العالم رواية 8 – قراءة في التقانة
- العالم رواية 9 - قراءة في التقانة
- نماذج من الرواية العراقية - نعل مقلوب - للكاتب سعد عودة
- نماذج من الرواية العراقية تستحق الوقوف (4)
- العالم رواية 5 القاع العميق في رواية نساء البن ل جورجي امادو
- العالم رواية 6 العنصرية المقيتة في رواية -مسلم ويهودية- للكا ...
- عن رواية -الباشا وفيصل والزعيم-
- عن رواية الاحتلال للفرنسية آني ارنو
- العجائبية في رواية -زمن للقتل- للكاتب -إينيو فلايانو-
- ايزابيل رواية أنطونيو تابوكي المذهلة
- عن رواية أيام الطالبية – ل عادل سعد
- البصري محمد خضير


المزيد.....




- سوريا.. أمل عرفة وعبدالمنعم عمايري يحتفلان بتخرج ابنتهما سلم ...
- حسابات إقليمية معقدة.. لماذا تتجنب إسرائيل حسم معركة -علي ا ...
- الحوثيون يعلنون استهداف ناقلة سعودية في تصعيد جديد بالبحر ال ...
- حصار وتهديدات وإحراق للممتلكات.. كيف يدفع مستوطنون متطرفون ا ...
- سوريا بين النفوذ التركي والمخاوف الإسرائيلية.. تقرير يحذّر م ...
- بعد 78 عاماً على إغراقها بأمر بن غوريون.. إسرائيل تعثر على ح ...
- واشنطن ترفع اسم سوريا من قائمة -الدول الراعية للإرهاب- وتلغي ...
- -حماس- و-القيادة العامة- ترفضان تعيين أعضاء المجلس الوطني ال ...
- بيان سعودي بعد الاستهداف الحوثي لناقلة النفط -أمزان- في البح ...
- مصر.. تطورات مفاجئة في قضية قاتل زوجته وشابين بتهمة الخيانة ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد الأحمد - الرواية العراقية وسؤال الإنسان الغائب