أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - الغوطة: منظومة الأسد بين الإخضاع والسارين والإفلات من العقاب














المزيد.....

الغوطة: منظومة الأسد بين الإخضاع والسارين والإفلات من العقاب


أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 22:47
المحور: حقوق الانسان
    


في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد وهرب الرجل الذي حكم سوريا لأكثر من عقدين البلاد إلى موسكو، منهياً حكماً عائلياً امتد لعقود. وبذلك تغيرت المعادلة السياسية التي كانت تحيط بملف الجرائم المرتكبة خلال سنوات الحرب. لم يعد السؤال كيف يمكن مواجهة نظام قائم يملك مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن والجيش، بل كيف يمكن لدولة سورية جديدة أن تتعامل مع إرث منظومة تركت وراءها آلاف الملفات المتعلقة بالقتل والتعذيب والاختفاء القسري والأسلحة الكيميائية.

وهنا تستعيد الغوطة أهميتها من جديد.

فالجريمة التي وقعت عام 2013 لم تعد قضية مواجهة بين معارضة ونظام قائم، ولا مجرد فصل من فصول الحرب. إنها اليوم ملف عدالة مفتوح في مواجهة منظومة سياسية وعسكرية سقط رأسها، لكن آثارها وضحاياها وأدلتها ما زالت موجودة.

وهذا التحول التاريخي يفرض إعادة طرح السؤال الذي ظل مؤجلاً طوال سنوات: من أعطى الأوامر؟ من خطط؟ من نفذ؟ ومن شارك في سلسلة القيادة التي أوصلت السارين إلى أحياء مدنية مكتظة بالسكان؟

سقوط بشار الأسد لا يسقط المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي ارتكبت في عهده، كما أن وجوده في موسكو لا ينبغي أن يتحول إلى نهاية سياسية لملف المحاسبة. فاللجوء السياسي أو الإقامة خارج سوريا لا يمحوان الأدلة، ولا يلغي حق الضحايا في العدالة.

والأهم أن سوريا بعد الأسد ليست مطالبة بإعادة إنتاج منطق المنتصر والمهزوم. إذا كانت الثورة السورية قد قامت في جوهرها على رفض الاستبداد وطلب الحرية والكرامة، فإن الدولة التي يفترض أن تنشأ بعدها يجب أن تكون مختلفة جذرياً عن الدولة التي ثار عليها السوريون: دولة لا تحمي الجاني بسبب موقعه، ولا تعاقب شخصاً بسبب انتمائه، ولا تحول العدالة إلى انتقام.

● من "الثورة" إلى "الدولة": الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

كان من السهل خلال سنوات الحرب أن تُستخدم الفوضى لتبرير كل شيء: النظام كان يتحدث عن "مؤامرة"، وبعض داعمي المعارضة كانوا يتحدثون بلغة الانتصار العسكري، فيما دفع المدنيون الثمن بين الطرفين.

لكن سقوط الأسد يزيل إحدى أهم الذرائع التي كانت تستخدم لتأجيل النقاش حول العدالة.

لم يعد ممكناً القول إن فتح ملفات الجرائم سيهدد "استقرار النظام"؛ فالنظام نفسه سقط.

ولم يعد من المقبول أيضاً أن تتحول جرائم المعارضة، حين تثبت، إلى سبب لإغلاق ملفات جرائم النظام السابق. العدالة لا تعمل بهذه الطريقة. كل جريمة لها ضحيتها ومسؤولها وأدلتها، وكل متهم يجب أن يخضع لمعيار قضائي واحد.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز استخدام الجرائم التي ارتكبتها بعض الفصائل المسلحة لتشويه أصل الثورة السورية أو نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن مطالب السوريين الذين خرجوا في بدايات 2011 طلباً للحرية والكرامة.

الثورة ليست معصومة من الأخطاء، كما أن فصائل المعارضة ليست كتلة واحدة. لكن أخطاء بعض الفصائل لا تجعل الاستبداد مشروعاً، كما أن دعم دول خارجية لبعض قوى المعارضة لا يلغي الأسباب السورية الداخلية التي فجرت الاحتجاجات.

● الغوطة: من جريمة نظام إلى امتحان للدولة الجديدة

ربما تكون هذه هي اللحظة التي يمكن فيها لسوريا أن تكسر الحلقة التي حكمتها طويلاً.

الدولة الجديدة لا إلى محاكمات انتقامية، ولا إلى روايات انتصار تستبدل رواية النظام برواية أخرى.

تحتاج إلى ملفات قضائية.

تحتاج إلى أدلة.

تحتاج إلى محاكم مستقلة.

وتحتاج قبل كل شيء إلى فصل واضح بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي.

من أمر باستخدام السارين يجب أن يُحاسب وفق الأدلة. ومن نفذ الأمر يجب أن يُحاسب. ومن شارك في التخطيط أو التغطية أو إخفاء الأدلة يجب أن يخضع للتحقيق. وفي المقابل، لا يجوز تحويل المسؤولية إلى عقاب جماعي يطال عائلات أو طوائف أو مناطق بأكملها.

هنا تحديداً يمكن لسوريا الجديدة أن تثبت أن سقوط الأسد لم يكن مجرد تغيير في الأشخاص الذين يجلسون في السلطة، بل بداية لتغيير مفهوم الدولة نفسه.

● الغوطة لم تعد سؤالاً عن الأسد فقط

في الماضي كان السؤال: هل يستطيع المجتمع الدولي إجبار نظام الأسد على المحاسبة؟

أما اليوم، وبعد سقوطه، فقد أصبح السؤال أكثر عمقاً: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تبني نظام عدالة لا يحتاج إلى حماية سياسية من أحد؟

هذه هي اللحظة التي يجب أن تنتقل فيها قضية الغوطة من الذاكرة إلى القانون.

فصور الأطفال الذين ماتوا بالسارين لا تحتاج إلى خطاب سياسي جديد بقدر ما تحتاج إلى ملف قضائي مكتمل. وشهادات الناجين لا ينبغي أن تبقى مجرد مادة في أرشيف المنظمات الحقوقية، بل يجب أن تصبح جزءاً من مسار عدالة قادر على تحديد المسؤوليات.

سقوط الأسد أغلق صفحة سياسية، لكنه لم يغلق ملفات الجرائم.

والفرق بين سوريا التي خرجت من حكم الأسد وسوريا التي ثار السوريون من أجلها لن يُقاس فقط بمن يحكم دمشق، بل بكيفية تعامل الدولة الجديدة مع من قتلوا، وعُذبوا، وهُجروا، واختفوا، واستُهدفوا بالأسلحة المحظورة.

● الغوطة: حين سقط النظام وبقيت الجريمة تبحث عن العدالة

الغوطة ليست قصة انتقام من بشار الأسد، وليست مناسبة لإعادة إنتاج الكراهية.

إنها قضية عدالة.

لقد سقط النظام الذي ارتبطت به الجريمة، وغادر رأسه إلى موسكو، لكن الضحايا لم يغادروا ذاكرتهم، والأدلة لم تختفِ، والجريمة لم تتحول إلى واقعة سياسية منتهية الصلاحية.

وهنا تكمن المسؤولية التاريخية لسوريا الجديدة: أن تثبت أن سقوط الاستبداد لا يعني انتقال السلطة من يد إلى يد فحسب، وإنما انتقال البلاد من منطق القوة إلى منطق القانون.

فإذا كان السارين قد قتل أطفال الغوطة في 2013، فإن العدالة وحدها تستطيع أن تمنع أن يتحول موتهم إلى مجرد فصل قديم في كتاب الحرب.

الغوطة انتهت كمعركة عسكرية منذ سنوات، لكنها لم تنتهِ كقضية عدالة.

المصدر: نشطاء الرأي






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمد غميرة.. ضحية التعذيب في سوريا الجديدة: دماؤه تفتح ملف م ...
- حكم الإعدام على «مثلث الجرائم»: بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب
- من المليشيا إلى الدولة: هل يجري إعادة توزيع الأدوار الكردية ...
- هل حقًا الناشطة ميسون بيرقدار مكلّفة بمراقبة المعارضين في أل ...
- لو احترمت دولنا مواطنيها، لما كان اللجوء قدرًا والعودة مخاطر ...
- ألمانيا: هل نحن أمام انحدار تدريجي أم بداية فقدان الزخم الاق ...
- أخلاقيات الاعتذار: حين يكتب المثقف بأسنان الطائفة والسلطة
- من يحمي الأفراد من السلاح المتفلت؟
- حشمة العقول أولًا: قبل مراقبة مظاهر المجتمع... تحتاج الدولة ...
- هل تتحول جنسية المسؤولين إلى اختبار للشرعية في سوريا ؟
- هل يقود ترامب إعادة هندسة الأمن في سوريا ولبنان؟
- من انتخب مجلس الشعب؟ ولماذا يُمدَّد؟
- عندما يتحول الخوف إلى ثقافة والإقصاء إلى سلوك... تنتشر ظاهرة ...
- سيكولوجيا “الشرطي العالمي”: دونالد ترامب نموذجًا
- من أرشيف الحوارات الفكرية: طيب تيزيني: «علينا ألّا نغيّب سؤا ...
- تنظيم الإعلام أم تقييد الحريات؟ قراءة قانونية في تعميم محظور ...
- عودة جهاد مقدسي: هل توازن الدولة بين استعادة الخبرات ومنطق ا ...
- لبنان له شؤونه، وأي مقاربة سورية تجاهه تبقى قابلة لسوء الفهم
- الدولة بين استعادة الاستقرار ومنطق احتكار السلطة
- بين النقد والتخوين: من يملك حق توزيع الوطنية؟ وأين دور النخب ...


المزيد.....




- شهيد في خانيونس برصاص الاحتلال واليونيسيف تؤكد: غزة تحولت لم ...
- زيلينسكي يعين 16 قاضيا في محكمة مكافحة الفساد استجابة لمطالب ...
- استطلاع: سباق الأمين العام للأمم المتحدة يدخل مرحلة جديدة بع ...
- وفاة غميرة تفتح ملف التعذيب في سوريا ما بعد الأسد تقول منظم ...
- عائلة الشهيدة هند رجب ترفض التحقيق الإسرائيلي: إعدام متعمد و ...
- بتسيلم: اعتقال إسرائيل طبيبة فلسطينية تعرضت لعارض قلبي دليل ...
- تركيا تطلب رسمياً إصدار -نشرة حمراء- دولية لاعتقال نتنياهو ب ...
- تركيا تطلب من الإنتربول إصدار -نشرة حمراء- لاعتقال نتنياهو ب ...
- اعتقال نائب أوكراني سابق ومسؤول ورد اسماهما في تسجيلات صوتية ...
- من بينهم مواطنون من كوبا وفنزويلا.. ليبيريا تبدأ استقبال أو ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - الغوطة: منظومة الأسد بين الإخضاع والسارين والإفلات من العقاب