أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - الكشف والذوق: الامتداد الصوفي لفلسفة الإدراك في تيار -ما بعد الإدراك-














المزيد.....

الكشف والذوق: الامتداد الصوفي لفلسفة الإدراك في تيار -ما بعد الإدراك-


ابراهيم مصطفى شلبى

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 20:08
المحور: الادب والفن
    


تمهيد: الإدراك بين الحس والذوق
في تاريخ الفلسفة، ظل الإدراك محصوراً بين قطبين: الحس والعقل. لكن هناك تياراً موازياً، أقل حضوراً في النقاش الأكاديمي، لكنه لا يقل عمقاً، وهو الإدراك القائم على "الذوق" و"الكشف". هذا التقليد الفلسفي، الذي بلغ ذروته في التصوف الإسلامي، يقدم رؤية للإدراك تتجاوز حدود الحواس والعقل، لتصل إلى مستوى من المعرفة المباشرة غير الوسيطة، حيث ينكشف للعيان ما كانت الحواس والعقل تعجز عن إدراكه.

في هذا السياق، يقدم تيار "ما بعد الإدراك" قراءة معاصرة لهذا التراث الصوفي، مستلهماً منه رؤية للإدراك تتجاوز النماذج الغربية الكلاسيكية، وتضيف إلى فلسفته بعداً روحياً يمنحه خصوصية في السياق العربي.

أولاً: ابن عربي والإدراك الذوقي
يمثل محيي الدين بن عربي (1165-1240م) القمة الفلسفية للتصوف الإسلامي، ويمكن اعتباره أحد أبرز فلاسفة الإدراك في التراث العربي، ليس لأنه نقد الحواس كالغزالي، ولا لأنه حللها كابن الهيثم، بل لأنه تجاوزها إلى مستوى آخر من المعرفة.

في "الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم" ، يطرح ابن عربي مفهوم "الذوق" كأداة معرفية تتجاوز الحس والعقل. فالذوق، في الاصطلاح الصوفي، هو إدراك مباشر للحقيقة، لا يقوم على الاستدلال العقلي ولا على النقل الحسي، بل على "المكاشفة" و"المشاهدة" . ويقول ابن عربي: "الذوق لا يُحكى، ولا يُعبَّر عنه، ولا يُدرك إلا بالوجود".

هذا المفهوم للذوق يتقاطع مع رهان تيار "ما بعد الإدراك" في نقاط جوهرية:

تجاوز الحواس: كما يدعو التيار إلى تجاوز الإدراك الحسي المباشر، يدعو ابن عربي إلى تجاوز الحواس نحو إدراك أعمق.

المعرفة المباشرة: لا يحتاج المتلقي في أعمال التيار إلى وسيط ليفهم، بل إلى تجربة مباشرة، تماماً كما يحدث في الذوق الصوفي.

الانفتاح التأويلي: الذوق لا يقدم معرفة نهائية مغلقة، بل هو حالة من الانكشاف الدائم، وهو ما يشبه الانفتاح الذي تتركه أعمال التيار للمتلقي.

ثانياً: التصوف وجماليات الكشف
يقوم التصوف على فكرة أن الحقيقة ليست محجوبة بذاتها، بل هي محجوبة بنا نحن. فالحجاب ليس خارجياً، بل هو في عين الرائي نفسه. وهذا يتقاطع مع فرضية تيار "ما بعد الإدراك" القائلة إن ما نراه ليس حقيقة مطلقة، بل هو بناء إدراكي يمكن أن يتغير بتغير وعينا.

في أعمال التيار مثل "تفاحة آدم" ، نجد هذا البعد الصوفي حاضرا بقوة. فالتفاحة ليست مجرد ثمرة، بل هي رمز للإغراء الأصلي، ولحظة الاختيار الأولى. القفص المعلق، والمرآة التي تعكس المشاهد، والأرض غير المستقرة، كلها عناصر تخلق حالة من الترقب والكشف. العمل لا يقدم إجابة، بل يفتح باباً للتأمل، داعياً المتلقي إلى تجاوز المظهر إلى ما وراءه، تماماً كما يدعو الصوفي إلى تجاوز الظاهر إلى الباطن.

وفي عمل "المائدة" ، حيث تعلق طاولة في السقف وكراسي قصيرة تنتظر في الأسفل، نجد استحضاراً للانتظار الصوفي للوعد الإلهي. المائدة الموعودة ليست هنا، لكنها موجودة في مكان ما، معلقة بين السماء والأرض. هذا الانتظار الأبدي هو جوهر التجربة الصوفية: العيش بين الرجاء والتحقق، بين الحضور والغياب.

ثالثاً: الكشف كإستراتيجية فنية
في التصوف، "الكشف" هو انكشاف الحجاب بين العبد والحقيقة. وفي تيار "ما بعد الإدراك"، يمكننا الحديث عن "كشف إدراكي" : أي انكشاف هشاشة اليقين الحسي، وانكشاف أن ما نراه ليس سوى طبقة سطحية تخفي أنساقاً من المعاني والرموز.

هذا الكشف لا يحدث عبر التفسير النظري، بل عبر التجربة المباشرة. في عمل "عزل" ، لا يشرح العمل للمتلقي أن العزلة تجربة وجودية، بل يجعله يعيشها. النبض الخافت، رائحة المعقم، الصمت الثقيل، كلها عناصر تخلق حالة من الكشف الذاتي، حيث يكتشف المتلقي حدود إدراكه من خلال تجربة مباشرة. وهذا قريب من مفهوم "المشاهدة" في التصوف، حيث يرى الإنسان الحقيقة بعين قلبه، لا بعين رأسه.

رابعاً: الصوفية كمناعة إدراكية روحية
يمكن قراءة مفهوم "المناعة الإدراكية" في التيار من منظور صوفي. فكما يسعى الصوفي إلى تطهير قلبه من الشوائب ليكون قادراً على رؤية الحقيقة، يسعى تيار "ما بعد الإدراك" إلى تطهير وعي المتلقي من الانطباعات السطحية ليكون قادراً على إدراك ما وراء الصورة.

في التصوف، "الذكر" هو وسيلة لتطهير القلب من الغفلة. وفي التيار، "الصدمة الإدراكية" هي وسيلة لتطهير الوعي من التلقائية. كلاهما يعيد توجيه الانتباه إلى ما كان غائباً، ويجعل المدرِك واعياً بحدود إدراكه.

والمناعة الإدراكية الصوفية لا تعني حماية الذات من العالم، بل تعني قدرة الذات على التفاعل مع العالم دون أن تذوب فيه. وهذا هو عين ما يقدمه تيار "ما بعد الإدراك": قدرة على رؤية الصورة دون أن تُستهلك، وعلى الشك فيها دون أن تُرفض.

خاتمة: الروحي كأفق للمقاومة
في زمن تتسارع فيه المحاكاة وتتآكل فيه الحقيقة، يقدم البعد الصوفي لتيار "ما بعد الإدراك" أكثر من مجرد إضافة جمالية. إنه يقدم رؤية روحية للمقاومة، تقوم على أن الحقيقة ليست خارجنا، بل هي في أعماقنا، وأن الوصول إليها يتطلب تجاوزاً للحواس ليس بالمعنى العلمي، بل بالمعنى الوجودي والروحي.

وهذا البعد هو ما يميز التيار عن التيارات الفنية الغربية المشابهة. فبينما تركز هذه التيارات على الجانب المعرفي والنقدي، يضيف تيار "ما بعد الإدراك" بُعداً روحياً يمنحه عمقاً إنسانياً وخصوصية ثقافية، ويجعله أقرب إلى التجربة الصوفية منه إلى المختبر العلمي. وفي هذا، تكمن قوته وإمكانية استمراره.



#ابراهيم_مصطفى_شلبى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جماليات الاضطراب: الشك، الصدمة، والغموض في فلسفة تيار -ما بع ...
- قراءة في تيار -ما بعد الإدراك- من منظور الفلسفة الإسلامية ال ...
- ما بعد الإدراك، الفن المعاصر، المحاكاة الرقمية، المناعة الإد ...
- ما بعد الإدراك: تيار فني-فلسفي مصري يواجه أزمة الحواس في عصر ...
- كيف يبني -ما بعد الإدراك- طريقاً جديداً بين الشرق والغرب، ثم ...
- أين تجد الفلاسفة العرب في تيار -ما بعد الإدراك-؟
- The Visual Icon of Post-Perception The Arab-Islamic Philosop ...
- ماذا تتمنى أن يقال عن -ما بعد الإدراك- بعد 50 عاماً؟
- كيف ترى مستقبل الفن في عصر الذكاء الاصطناعي؟
- هل -المناعة الإدراكية- قابلة للتطبيق خارج الفن؟
- Perceptual Immunity: Art as a Vaccine Against Digital Decept ...
- Post-Perception: An Introduction to a New Art Movement for t ...
- من الغزالي إلى شلبي: نقد الحواس في الفلسفة العربية المعاصرة
- جدلية الحواس والوعي في تيار ما بعد الإدراك: نحو أنطولوجيا ال ...
- كيف تشرك المتلقي في عملك الفني؟
- من -سأسمع، سأرى، سأتكلم- إلى -أن نرى، أن نشك، أن ندرك من جدي ...
- المثقف وصناعة الوعي السياحي: رؤية من منظور -ما بعد الإدراك-
- تيار -ما بعد الإدراك- – التأصيل في السياق العربي
- من الإدراك إلى ما وراء الحواس: آفاق ما بعد ما بعد الإدراك
- من المحاكاة إلى التوليد: النسخة الخوارزمية بوصفها الدرجة الر ...


المزيد.....




- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...
- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم مصطفى شلبى - الكشف والذوق: الامتداد الصوفي لفلسفة الإدراك في تيار -ما بعد الإدراك-