أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - ليلة البحث عن عازف الساكسفون الأمريكي تشارلي بارك/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبوري















المزيد.....

ليلة البحث عن عازف الساكسفون الأمريكي تشارلي بارك/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبوري


أكد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 10:02
المحور: الادب والفن
    


ساكسفون تشارلي باركر اللعبة: ليلة حبست فيها موسيقى الجاز أنفاسها في قاعة ماسي. كيف رهن عازف الساكسفون الأمريكي تشارلي باركر (1920-1955)() آلته ليحصل على حقنة هيروين ويعزف على ساكسفون بلاستيكي؟

بعض الليالي والحفلات الموسيقية تُخلّد في التاريخ، لكن ليلة 15 مايو 1953 في قاعة ماسي بتورنتو.() بدأت على حافة كارثة. فقد حققت جمعية تورنتو لموسيقى الجاز الجديدة ما كان يُعتبر مستحيلاً: جمع نخبة موسيقى البيبوب على مسرح واحد. عازف البوق وقائد فرقة الجاز الأمريكي ديزي غيليسبي (1917-1993)() على البوق، وعازف البيانو وملحن الجاز الأمريكي باد باول (1924-1966)() على البيانو، وعازف الباس والملحن الأمريكي تشارلز مينغوس (1922-1979)() على الكونترباس، وعازف الطبول والملحن الأمريكي ماكس روتش (1924-2007)() على الطبول، وتشارلي باركر على الساكسفون الألتو. خمسة عمالقة اصطفوا على أرضية المسرح المتصدعة. لكن العالم بدا وكأنه يتجاهلهم. كل شيء كان ملتوياً، كل شيء كان معوجاً.

في تلك الليلة نفسها، أُقيمت مباراة بطولة العالم للوزن الثقيل بين الملاكم الأمريكي المحترف روكي مارسيانو (1923- )() والملاكم الأمريكي المحترف جيرسي جو والكوت (1914-1994)(). وبينما كانت قاعة الملعب الكندية، التي تتسع لحوالي ثلاثة آلاف شخص، شبه فارغة، لم يكن الجو خلف الكواليس أقل فوضوية أو إثارة للقلق. تسلل ديزي غيليسبي إلى الكواليس ليستمع إلى مذياع قريب أثناء النزال؛ وتجول باد باول، الذي أُفرج عنه مؤخرًا من مصحة نفسية، بلا هدف؛ ووصل تشارلي باركر إلى المدينة دون آلته الموسيقية.

قبل أسابيع، وفي ظلّ ديون طائلة وإدمان الهيروين الذي استنزف أيامه، رهن باركر ساكسفونه المعتاد ليحصل على جرعة هيروين.() ولعدم امتلاك المنظمة المحلية الأموال اللازمة لإنقاذه، اضطرت للبحث سريعًا عن بديل. لم يكن ما قدموه له آلة نحاسية جديدة مطلية بالذهب، بل ساكسفون غرافتون ألتو، وهو ساكسفون تجريبي مصنوع في لندن من الأكريليك الأبيض - بلاستيك رخيص - مصمم ليكون بديلاً ميسور التكلفة ومتاحًا للجميع.()

بالنسبة لأي موسيقي آخر، كان العزف على تلك الآلة الهشة ذات الصوت الكارثي بمثابة حكم بالإعدام. أما بالنسبة لياردبيرد، فقد أصبح الدليل القاطع على عظمته.

عندما اعتلى الخمسة المسرح، انفجر التوتر المكبوت في عاصفة هوجاء. دون أي بروفات مسبقة، وبدافع من كبرياءٍ جارف، لم يكتفِ باركر بإصدار صوت الساكسفون البسيط، بل حوّله إلى مدفعٍ من الضوء، سلاحٍ حادٍّ كالشفرة، يُنفّذ عباراتٍ موسيقيةً مستحيلةً بسرعاتٍ مُذهلة، مستحيلةٍ على من هم على أرض الواقع. مقطوعاتٌ كلاسيكيةٌ مثل:
- "ليلة في تونس"() (التي أُلّفت عام 1942، وسُجّلت لأول مرة في سبتمبر 1944)()، و
- "البيت الزجاجي"() (التي كُتبت عام 1945 وسُجّلت لأول مرة في 11 مايو 1945)()، و
- "فول سوداني مملح"() (التي كُتبت في 13 أكتوبر 1941، وسُجّلت لأول مرة في يناير/فبراير 1945)()
لن تُسمع كما كانت من قبل. أدرك عازف الباس والملحن الأمريكي تشارلز مينغوس أنه يشهد معجزةً لا تتكرر، فسجّل الأداء من على المسرح، وأصدر لاحقًا العمل تحت عنوان "أعظم حفل جاز على الإطلاق"() (حفل باريس العظيم، 1964)().

أظهرت تلك الآلة، التي بدت كلعبة بلا روح، أن الموسيقى لا تسكن المعدن أو الخشب، بل في الفراغ الذي يحمله كل فنان في داخله. ثم همس ياربرد (لقبه الشهير)، وهو جاثم على غصنه المعتاد، في أذني:
- ياردبيرد
"لعلّ الموسيقى تنقذ ما تبقى من الليلة على الأقل، وتنجز إحدى أسوأ مهماتها: أن تومض أمامنا كصاعقة برق، فتمحونا من الوجود لبضع ساعات."()
أفكر بحزن أنه في بداية عزفه المنفرد على الساكسفون، بينما أُجبرتُ على الاكتفاء بنهايته.

- مطاردة تشارلي باركر دون جدوى؛

أُقيمت أعظم حفلات تشارلي باركر في قاعة ماسي بتورنتو، ليلةً من عام 1953، وعُزفت على ساكسفون بلاستيكي من غرافتون.()

كان تشارلي باركر كطفلٍ يُصفر،
جاثمًا على غصن شجرة،
كطائرٍ صغيرٍ يشق الظلام بخنجر، آخذًا معه الجنة.

لم يُرَ مثل هذا المشهد من قبل؛
فقد أصبح ساكسفون الألتو لعبةً خطيرةً في جميع أنحاء أمريكا الشمالية.

كان ساكسفون الألتو بمثابة سعالٍ مزمن، سلاحٍ حاد،
وفي ذلك اليوم، كان تشارلي باركر يعزف في كل بيتٍ في العالم؛
كان حاضرًا ببساطة،
جاثمًا على الغصن الذي يحمل روحي،
والذي سينكسر يومًا ما.

قبل أعظم حفلاته،
رهن طفولته وآلته الموسيقية مقابل جرعةٍ من الهيروين.
افتح منقارك، أيها الطائر الصغير. ولوّح بخنجرك في الهاوية.

منذ ذلك الحين، ومع حلول المساء،
يُغرّد الجميع باسمه؛
إنهم فراخٌ خائفة،
مبتّلة وأمية،
شبابٌ مرتجفون ذوو عينٍ واحدة،
يدقّون نوتاتهم الموسيقية على غروب الشمس.

هكذا يجب أن يكون صوت موسيقى الجاز، كضربةٍ قاضيةٍ على الأفق.

في تلك اللحظة الدقيقة،
مع ندى متناسق،
يتحوّل تشارلي باركر إلى طائرٍ ذي اثنتي عشرة أسطوانة
على شكل حرف V، يتجوّل بين النوادي متماشياً مع برامز،
وبنصف نغمةٍ مكسورة.

لا يظهر اسمه في دليل كوفمان لطيور أمريكا الشمالية؛
إنه نوعٌ مجهولٌ لعلماء الطيران،
وموسوعيي الغناء، طائرٌ غريبٌ يُبدّد الليل.
هل هو مخلوقٌ غريبٌ يُصدر ضجيجاً على غصنٍ جاف؟
هناك من يطارده باستمرار؛
إنه طويل القامة،
ويستطيع مساعدته في بناء عشه، عالياً جداً،
بعيونٍ تشرق بألف نجمة،
وهو يكتب بلا كللٍ تعليمات الصعود إلى الحزن.

منذ ذلك اليوم في تورنتو، وإلى الأبد،
أصبح الحب لا رجعة فيه،
مستحيلاً منذ ذلك اليوم فصاعداً؛ صمتت المحركات.

وفي ذلك اليوم،
في ذلك اليوم بالذات،
في كل بيت في العالم، ك
ان الجميع تشارلي باركر، رجلاً طويلاً،
طائراً أسود لا يبالي بالموت.
غصنٌ يحمل روحي، وسينكسر يوماً ما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Copyright © 2026
المكان والتاريخ: أوكسفورد . المملكة المتحدة ـ 08/15/26
ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية
ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).



#أكد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منافسة التحالف العسكري الجديد في الشرق الأوسط/الغزالي الجبور ...
- مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (5-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من ...
- كوبا درسًا عميقًا للنهب و الحرب/الغزالي الجبوري - ت: من الفر ...
- ظاهرة الكسوف في ثقافة فنون الأدب/ إشبيليا الجبوري - ت: من ال ...
- تَرْويقَة: من -أوبغون-... شذرة من النشيد الأول/ بقلم كريستوف ...
- تَرْويقَة: قصيدتان + 2/ بقلم سيلفينا أوكامبو* - ت: من الإسبا ...
- تَرْويقَة: قصيدتان + 1/ بقلم أتيليو بيرتولوتشي* - ت: من الإي ...
- ضاءة سينمائية برتولوتشي: روح التمرد/ إشبيليا الجبوري
- سينما: مُثل السينما الاخلاقية؛ فيلم -خط الظل- / إشبيليا الجب ...
- مراجعات: مراجعة كتاب: -دولوز والظاهراتية-/ بقلم ألكسندر شْني ...
- الانتهاكات السياسية تهدد مكانة السينما والمسرح/ إشبيليا الجب ...
- الخفايا الاستراتيجية ل-سبتة- والوضع في المغرب/ الغزالي الجبو ...
- أزمة سيناريو -سبتة- معلنة/ الغزالي الجبوري - ت: من الفرنسية ...
- تَرْويقَة: قصيدتان + 1/ بقلم إغناز فرانز كاستيلي* - ت: من ال ...
- مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (4-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من ...
- تحدي تعريف مأسسة الثقافة/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية ...
- إصدار جديد لصحفية -صوت الصعاليك-
- سينما: أزمة السينما بين الهوية واللغة في التواصل/ إشبيليا ال ...
- سينما: مُثل السينما الاخلاقية؛ فيلم -تحركات ليلية- / إشبيليا ...
- صنّاعة خلايا الحمض النووي الاصطناعي باستخدام شريحة إلكترونية ...


المزيد.....




- متجاوزة دوستويفسكي.. آنا جين تتصدر قائمة أكثر الكتّاب شعبية ...
- بين -بطل من هذا الزمان- و-صمت الحملان-.. كيف تنبأ ليرمونتوف ...
- بقيمة 9 ملايين يورو.. الشرطة الإيطالية تستعيد 3 لوحات مسروقة ...
- بيت المدى يوجه التحية إلى الفنان المسرحي صلاح القصب
- -عملية جراحية في قلب الأرض-.. دقة المشارط تُعيد بعث مقابر ال ...
- -غزة ومعاناة الفلسطينيين حاضرة-.. انطلاق النسخة الـ11 لمعرض ...
- مصر.. اكتشافات أثرية قد تقود إلى مدينة فرعونية مفقودة
- معرض -كوكب السيليكون-.. أسرار الكون تجسدها إبداعات الزجاج ال ...
- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - ليلة البحث عن عازف الساكسفون الأمريكي تشارلي بارك/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبوري