|
|
الماركسية اللينينية المغربية و ردة أبراهام السرفاتي وتحولات الخط الثوري
محسين الشهباني
الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 23:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الماركسية المغربية وسؤال الردة النظرية: دراسة لمسار أبراهام السرفاتي وتحولات الخط الثوري تتأسس المادية الديالكتيكية كأداة تحليل وكفاح على رفض مطلق للأوهام والماورائيات، وعلى إخضاع السيرورات الاجتماعية والسياسية لقوانين الصراع الطبقي والفرز النظري الصارم. إن التاريخ السياسي لا يُصنع بالرثاء العاطفي، ولا تُسبغ عليه الشرعية الأخلاقية عبر تقديس الأشخاص أو تحويل تجاربهم الشخصية إلى طقوس معزولة عن بيئتها الاجتماعية. وفي تاريخ الحركة الماركسية-اللينينية المغربية (تجارب منظمة "إلى الأمام" و "النهج الديمقراطي العمالي")، شكل تقييم المسار الفكري والسياسي لأبراهام السرفاتي خط تماس حاسم وفرزاً إيديولوجياً بين جبهتين لا تلتقيان: 1. الجبهة الثورية الصلبة: وتتألف من الشيوعيين والماركسيين-اللينينيين المتمسكين ببناء الحزب المستقل للطبقة العاملة، وبأولوية الحسم الطبقي وسلاح التنظيم الطليعي لإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية. 2. الجبهة التحريفية والتجديدية: وتتألف من النخب والكتل التي اتخذت من مقولات "التحديث"، و"الواقعية السياسية"، و"النقد الذاتي للماركسية" غطاءً للتصالح مع النظام المخزني والتخلي عن أفق إقامة سلطة المجالس الشعبية. إن المعيار الوحيد الذي يعتمده الشيوعيون لتقييم أي اطار أو مفكر، مهما بلغت منزلته التاريخية، لا يستند إلى المظلومية الفردية ولا إلى عدد السنوات القضائية في زنازين الاستبداد والمعتقلات السرية، كما لا يقاس بحجم العطاء والشهامة الشخصية؛ فهذه كلها تدخل في باب البديهيات للالتزام النضالي والواجب الثوري، ولا تمنح صاحبها أية حصانة فكرية أو سياسية ضد المحاكمة النقدية الصارمة. إن السؤال المركزي والوحيد الذي يحدد الموقع الطبقي لكل مناضل هو: هل خَدَمَت المقولات النظرية والممارسات الميدانية في المفاصل التاريخية الحاسمة مصلحة التحرر الطبقي للبروليتاريا والجماهير الكادحة، أم آلت في نهايتها إلى إرباك الخط الثوري وتزويد الطبقة الحاكمة بأدوات الاحتواء والمهادنة؟ من هذا المنظر المادي، تمتلك النهايات السياسية والخواتيم المفهومية أولوية مطلقة على البدايات والأمجاد السابقة؛ فالنهايات ليست مجرد سقطات عفوية أو أخطاء طارئة ناتجة عن الظروف، بل هي التجسيد المنطقي والميداني الملموس لكل الهشاشات والانحرافات النظرية الكامنة في المقدمات الأولى. التشريح النظري لأطروحات السرفاتي – من المادية التاريخية إلى التحريفية الديمقراطية تشكل الوثائق والنصوص النظرية التي أثث بها أبراهام السرفاتي أدبياته ابتداءً من أطروحات سنة 1987 (حول البروليتاريا وإشكالية الهوية)، وصولاً إلى نصّه الشهير "تأملات نظرية" (الصادر بين سنتي 1993 و1994 في غضون انهيار المعسكر الشرقي)، الوثيقة الإيديولوجية للردة النظرية التي اخترقت اليسار المغربي. برغم الشعارات البرّاقة التي التفت بها تلك النصوص حول "القطع مع الدغمائية" و"الاجتهاد الماركسي الخلاق"، فإنها أثثت لنكوص صريح عن ثوابت الماركسية-اللينينية، ويمكن تفكيك بنية هذا الانعطاف المفهومي عبر ثلاث مرتكزات رئيسية: تصفية "المهمة التاريخية للبروليتاريا" وتمييع المفهوم الطبقي بدأت مراجعات السرفاتي بالتشكيك الصريح في موقع الطبقة العاملة كقوة طليعية ومحركة للصراع الطبقي. ففي أطروحات 1987، صيغت مقولة تلفيقية تزعم أن "العامل المغربي هو مغربي أولاً، وعامل ثانياً". إن هذه الصياغة لم تكن مجرد إبراز للخصوصية الوطنية، بل كانت تمويهاً صريحاً للحدود الفاصلة بين الوعي الطبقي المستقل للبروليتاريا وبين الانتماءات الوطنية المجردة والهويات المتعددة. وتكرس هذا التراجع في التسعينيات عبر تذويب الطبقة العاملة داخل ما أسماه السرفاتي بـ "المكونات الاجتماعية والمجتمع المدني" (الحركات النسوية، الحركة الأمازيغية، الجمعيات الحقوقية، والمنظمات غير الحكومية). إن هذا التخلي المفهومي عن القوة المادية الوحيدة القادرة على قيادة التحول الثوري، والتعامل مع البروليتاريا كفئة اجتماعية متساوية في الأهمية مع باقي الفئات الوسطى والمجتمعية المائعة، أدى عملياً إلى تصفية المضمون الطبقي للثورة الشعبية واستبدال الصراع الطبقي بنشاطية حقوقية وإصلاحية تدور في فلك "المواطنة" والتوافق البرجوازي. نفي الحزب اللينيني المستقل والترويج لأوهام "الأنوية الثورية" هاجم السرفاتي المفهوم اللينيني للحزب الطليعي القائد، ووسم نموذج "الحزب اللينيني" بكونه "حزباً وصياً" يُنتج البيروقراطية وهيمنة الأجهزة، مستنداً في ذلك إلى قراءة سطحيّة لانحرافات النماذج السوفياتية. وبدلاً من الحزب الصلب والمنظم وفق المركزية الديمقراطية، طرح البديل المسمى بـ "الأنوية الثورية"، وهي تشكيلات مرنة وغير محسومة إيديولوجياً تكتفي بالالتحام والتفاعل مع "التنظيم الذاتي للمجتمع المدني". إن هذا الطرح ليس تجديداً للماركسية، بل هو إعادة إنتاج صريحة للأطروحات الفوضوية والتصفوية التي جاهد لينين لتفكيكها في كتاباته الأولى (كـ "ما العمل؟" و"خطوتان إلى وراء، خطوة إلى الأمام"). إن الدعوة إلى الاكتفاء بالأنوية المتناثرة وتجريد الطبقة العاملة من أداة تنظيمها المستقل، تعني بالضرورة ترك الجماهير الكادحة بلا قيادة سياسية موحدة وبلا استراتيجية واضحة أمام أجهزة الدولة الكمبرادورية والمخزنية المنظمة قمعياً، وإيديولوجياً، وإعلامياً. الاستسلام للمفاهيم البرجوازية ووسم ثورة أكتوبر بـ "التوتاليتارية" في نصه "تأملات نظرية"، انساق السرفاتي بشكل تام خلف الهجمة الإيديولوجية التي شنتها الإمبريالية الغربية عقب سقوط جدار برلين. فذهب إلى وصف تجربة ثورة أكتوبر السوفياتية برمتها (منذ عشرينيات القرن الماضي) بأنها تجربة انحرفت وسقطت في الفاشية و"التوتاليتارية". إن تبني المفهوم البرجوازي لـ "التوتاليتارية" – وهو مفهوم صاغته المدارس الاستشراقية والأكاديميات الليبرالية لمساواة الفاشية بالنظام الاشتراكي ودكتاتورية البروليتاريا – يُعد استسلاماً وتخلياً عن أدوات التحليل المادي التاريخي. وبدلاً من تقديم نقد ماركسي علمي يفكك الصراع الطبقي داخل الدولة السوفياتية، وبيروقراطية الجهاز، والمظاهر الكروتشوفية التحريفية، اختار السرفاتي الطريق السهل عبر ادانت التجربة برمتها وإلغاء مفهوم دكتاتورية البروليتاريا وديمقراطية المجالس الشعبية، ليمهد الطريق للتنظير لـ "ديمقراطية برلمانية" معدلة، تهدف للاندماج السلمي في البنيات القائمة. إن المادية التاريخية ترفض الفصل التعسفي بين الفكر والممارسة؛ فالأفكار لا تسبح في عالم من التجريد، والمقولات النظرية الهشة لا تلبث أن تجد تعبيرها المادي والملموس في أرض الواقع السياسي. إذا كان الجزء الأول قد كشف أركان الردة المفهومية في أدبيات أبراهام السرفاتي (منذ أطروحات 1987 ووصولاً إلى "تأملات نظرية" في التسعينيات)، فإن هذا الجزء الثاني يخصص لتشريح التجسيد الميداني الملموس لهذا الانحراف المفهومي. إن الانتقال من نفي الحزب اللينيني وإلغاء الدور الطليعي للبروليتاريا إلى السقوط في مهادنة النظام القائم لم يكن مفاجأة تاريخية ولا مجرد "تكتيك سياسي"، بل كان النتيجة الحتمية والمنطقية لمسار من المراجعات التي أفرغت الخط الماركسي-اللينيني لمنظمة "إلى الأمام" من جوهره الثوري. تعد محطة عودة أبراهام السرفاتي إلى المغرب في سبتمبر 1999 لحظة حاسمة للفرز السياسي والطبقي. فبخلاف ما روجت له أدبيات اليسار الإصلاحي والإعلام الرسمي من كون العودة "انتصاراً حقوقياً وتكريساً لعهد جديد"، يكشف التحليل التوثيقي المستند إلى سجالات الحركة الماركسية-اللينينية (ولا سيما تحليلات خط "30 غشت") الواقع السياسي المغمور لهذه اللحظة: لم تكن عودة السرفاتي نتاج ميزان قوى ميداني فرضته نضالات الطبقة العاملة والشارع الجماهيري، بل صيغت عبر شبكة معقدة من المفاوضات السرية المغلقة. أدار هذه المفاوضات السرفاتي ومحيطه المباشر مع مستشاري المؤسسة الملكية ورجال السلطة، وبوساطة مكثفة من شبكات اليسار الإصلاحي المغربي والفرنسي، والمنظمات غير الحكومية المرتبطة بالدوائر البرجوازية. إن أدبيات منظمة "إلى الأمام" في مرحلة العطاء الثوري كانت تتضمن قراراً مبدئياً صارماً: تجريم أي شكل من أشكال التفاوض السري أو المساومة الفردية مع النظام الاستبدادي التبعي. وكان خوض المعارك يتم دائماً عبر الصدام المفتوح وربطه بنضالات الجماهير. غير أن السرفاتي، بتجاوزه رفاقه والتنظيم والقوى الحقوقية المبدئية، قبل أن يُنهي منفاه عبر تسوية الكواليس، مما شكل ضربة قاسية لتقاليد الشفافية والصرامة التنظيمية. التوظيف السياسي من طرف النظام المخزني كانت المؤسسة الملكية في خريف 1999 تمر بمرحلة دقيقة لإحكام الترتيبات السياسية وإعادة ترتيب البيت الداخلي عقب وفاة الحسن الثاني. ووظف النظام رمزية المعتقل السابق والمنفي التاريخي لخدمة هذا الترتيب؛ إذ وفرت عودة السرفاتي غطاءً سياسياً كبيراً لتلميع الوجه الحقوقي للسلطة، وتقديم العودة كـ "عفو ومنّة ملكية"، والتغاضي عن متابعة الجرائم التاريخية للأجهزة الأمنية خلال "سنوات الجمر والرصاص". توجت ترتيبات العودة بالمشهد الرمزي الذي احتضنه "فندق هيلتون" بالعاصمة الرباط؛ وهو خيار مجالي يحمل دلالاته الإيديولوجية والطبقية؛ إذ تم الانتقال من خنادق النضال السري والأحياء الشعبية إلى قاعات الفنادق الفخمة للرأسمالية والبورجوازية. أمام وسائل الإعلام الوطنية والدولية، أطلق السرفاتي موقفه الشهير: كلنا وراء محمد السادس. إن هذا التصريح لم يكن هفوة تعبيرية ولا مجرد مجاملة دبلوماسية، بل كان إعلاناً عن اصطفاف سياسي وطبقي صريح خلف المؤسسة الملكية. إن الشيوعي الماركسي-اللينيني ينطلق من أن الملكية في التشكيلة الاجتماعية المغربية تشكل النواة الصلبة للتحالف الطبقي السائد (البرجوازية الكمبرادورية وكبار الملاكين العقاريين) الخادم للإمبريالية. وبالتالي، فإن إعلان "الاصطفاف خلف الملك" هو تخلي صريح عن أطروحة إسقاط النظام الاستبدادي التبعي، واستبدال للتحليل المادي الديالكتيكي بأوهام "الملكية البرلمانية الإصلاحية". أدى هذا الموقف إلى إحداث قطيعة مع الإرث النضالي لشهداء منظمة "إلى الأمام" (سعيدة المنبهي، عبد اللطيف زروال، أمين تهاني رحال ، وغيرهم من شهداء الحركة الطلابية والعمالية). لقد سقط الشعار المركزي الذي رُفع في المحاكم والمعتقلات السرية، والمتمثل في "الجمهورية الوطنية الديمقراطية الشعبية"، ليحل محله التنظير للحفاظ على الاستقرار السياسي، بل والوصل إلى حد التصريح للصحافة بـ "القلق والخوف على حياة الملك من الانقلابات العسكرية". لم يقتصر السقوط الميداني على التصريحات الإعلامية، بل امتد ليشمل العمل المباشر داخل الوسط العمالي والجماهيري عبر الامتدادات التنظيمية لـ "النهج الديمقراطي". قام السرفاتي بجولات ميدانية في عدد من القلعات العمالية والمناطق المنجمية (كالفسفاط والمناجم). وبدلاً من استغلال هذه المناسبات للتحريض الطبقي، ودعوة العمال للتكتل في تنظيمات سرية وعلنية مستقلة لخوض الصراع ضد الرأسمال التبعي، تم تقديم خطاب يروج للانسجام والتعاطي الإيجابي مع "المبادرات الرسمية" وإصلاحات الدولة. أدت هذه الممارسة إلى ضرب الوعي الطبقي المتنامي لدى أجزاء من البروليتاريا المغربية؛ حيث تم توجيه النضال العمالي نحو مجرد تقديم المطالب الحقوقية الجزئية والاندماج في جمعيات المجتمع المدني، بدلاً من ربط المطلب النقابي والحقوقي بالهدف الاستراتيجي المتمثل في حسم السلطة السياسية وإقامة مجالس العمال والفلاحين. تفنيد التبريرات التحريفية ومفهوم الصرامة الشيوعية أمام حجم هذه التراجعات الميدانية، حاولت أطراف من اليسار الإصلاحي والاتجاهات التجديدية تقديم مبررات وأعذار لتغطية هذا النكوص، غير أن التحليل الماركسي الصارم يفكك هذه الذرائع: ذريعة "التقدم في السن والظروف الصحية": تزعم هذه المقترحات أن السرفاتي كان يعاني من كبر السن وتداعيات سنوات السجن والمنفى. والرد المادي هو أن الشيوعية ليست وظيفة إدارية ينتهي الالتزام بها برخصة طبية أو بالوصول إلى سن التقاعد؛ فالالتزام الطبقي والإيديولوجي يظل مستمراً، وإذا كان المناضل غير قادر على الاستمرار في المواجهة، فإن أقصى ما يُفرض عليه هو التنحي والصمت، وليس الانتقال إلى معسكر التبرير والتنظير للنظام السائد. ذريعة "التكتيك والواقعية السياسية": يدعي البراغماتيون أن العودة والتصريحات كانت مجرد "تكتيك" لضمان هامش للعمل العلني. إن الماركسية-اللينينية تُفرق بوضوح بين التكتيك الثوري المبدئي وبين المبدئية والتنازل عن الثوابت الطبقية؛ فالتكتيك الذي يضحي بالوعي الطبقي للجماهير ويتنكر لشعار الثورة والشهداء هو خيانة واستسلام طبقي وليس تكتيكاً. إن النقد الشيوعي ليس عملية ذوقية تعتني بالجلد الذاتي أو البكاء على أطلال التجارب والمحطات النضالية المجهضة، كما أنه ليس خصومة شخصية مع هذا المفهوم أو ذاك الرمز السياسي. إن النقد المادي الديالكتيكي يجد شرعيته وغايته في كونه أداة تصفية إيديولوجية ضرورية لرفع الغشاوة عن وعي البروليتاريا، ولفرز الخبث عن الطيب في السيرورة الكفاحية. . إعادة التحديد المادي للبروليتاريا والمهمة المركزية في المدن الكبرى إن إحدى أكبر المآزق النظرية التي سقطت فيها تحريفية السرفاتي وخلفاؤه كانت إما تذويب البروليتاريا في مفهوم "المجتمع المدني" و"الهويات المتعددة"، أو محاصرتها داخل رؤية اقتصادية دغمائية ضيقة تختزل العامل في "أجير المصنع العصري الكبير" فقط. مقابل هذا العجز المفهومي، تعيد المادية التاريخية صياغة وتعريف الطبقة العاملة بالمغرب بناءً على التحليل الملموس للواقع الملموس: المفهوم الموسع والصلب للبروليتاريا إن البروليتاريا المغربية في المراكز الصناعية الكبرى، وعلى رأسها العاصمة الاقتصادية (الدار البيضاء)، تتكون مادياً من: • الأنوية العمالية العصرية: عمال المعامل الكبرى، والموانئ، والسكك الحديدية، وقطاعات الطاقة، والفسفاط، والتعدين. • بروليتاريا الأحياء الشعبية والقطاع غير المقنن: كادحو القطاعات غير الهيكلية، والمياومون، والعمال المنزليون، والحرفيون الفقراء، والشباب المعطل المحروم من أي ملكية لوسائل الإنتاج والرازح تحت وطأة الاستغلال الكمبرادوري. إن الربط بين "القلعات البروليتارية" (داخل المصانع والمرافئ) وبين الأحياء الشعبية التي تشكل حزام الفقر والاضطهاد هو الشرط الوحيد لبناء التلاحم الطبقي. فالدار البيضاء، بصفتها مجتمعاً طبقيًا قطبياً، تقف فيها برجوازية طفيلية فاشيستية تراكم الثروة عبر النهب والتبعية للإمبريالية، في مواجهة كتلة بروليتارية ضخمة تمتلك كل المقومات الموضوعية لانتزاع قيادة الشارع الجماهيري. التكتيك الثوري: حرب المواقع والحرب المتحركة إن التكتيك الماركسي-اللينيني يقتضي ترك بناء "الأنوية الثورية" العائمة، والعمل على تنظيم العمال في قلعات تنظيمية صلبة داخل أماكن العمل (النقابات المبدئية، المجالس العمالية السرية، ولجان الإضراب). ويتم المزاوجة بين "حرب المواقع" داخل المؤسسات الرأسمالية للتصدي للاستغلال اليومي، وبين "الحرب المتحركة" بالانتشار في الأحياء الشعبية والتأطير السياسي للهبات الجماهيرية، استعداداً لللحظة المفصلية لإقامة سلطة المجالس الشعبية على غرار تجربة "كومونة باريس". المحور الثاني: المسألة الوطنية، الهوية، والقاعدة المادية للتحرر لقد حاول السرفاتي في أطروحاته التوفيقية اللعب على وتر الهوية عبر الترويج لمقولة أن "العامل مغربي أولاً ثم عامل ثانياً"، مما فتح الباب للتنظير للهويات المجردة والنزعات الشوفينية أو البرجوازية الصغرى. غير أن الماركسية اللينينية تعالج المسألة الوطنية ومسألة الهوية انطلاقاً من قاعدتها المادية والطبقية: . الأرض والجماعة الفلاحية كقاعدة للهوية إن الهوية لدى الجماهير الكادحة بالمغرب (سواء العمال المهاجرون في الموانئ أو الفلاحون الفقراء بالمناطق القروية في الريف، وسوس، والأطلس، وجبالة) ليست مجرد مقولة ثقافية أو لغوية مجردة، بل هي مرتبطة مادياً بـ الأرض والمجال والجماعة الفلاحية. إن التحرر الوطني الحقيقي يتطلب ربط نضال البروليتاريا الحضرية بنضالات الفلاحين الفقراء ضد "المعمرين الجدد" والملاكين العقاريين الكبار. وإن الأفق الثوري يغدو جلياً وملموساً لدى الجماهير عندما يربط خيار الثورة بإقرار الحكم الذاتي للمجالس الشعبية، وتجريد الإقطاعيين والكمبرادور من ملكية الأرض وإعادتها للجماعات الفلاحية والكادحين. البناء التنظيمي – الحزب الطليعي مقابل أوهام المجتمع المدني إن المعركة النظرية ضد التحريفية تقتضي الحسم في القضية التنظيمية التي تشكل العصب الأسلوبي والعملي للحركة الثورية. ففي الوقت الذي يتجه فيه الطرح التحريفي (عند السرفاتي والاتجاهات الإصلاحية) نحو الترويج لأفكار "الأنوية الثورية العائمة"، وتذويب الطبقة العاملة في منظومات المجتمع المدني، والمراهنة على الإصلاح والديمقراطية البرلمانية؛ يشدد الخط الماركسي-اللينيني الصلب على ضرورة بناء الحزب الطليعي المستقل للطبقة العاملة، وقيادة البروليتاريا للتحالف العمالي-الفلاحي، والهدف الاستراتيجي المتمثل في إقامة سلطة المجالس الشعبية وإسقاط النظام التبعي. إعطاء الأولوية لبناء الحزب المستقل للطبقة العاملة لا ثورة بدون نظرية ثورية، ولا نظرية ثورية بدون تنظيم صلب يحملها. إن الرهان على "الأنوية الثورية" المرنة وعلى "نشاطية المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني" – وهو المأزق الذي ورثه النهج الديمقراطي عن السرفاتي – أدى عملياً إلى تحويل النضال الثوري إلى مجرد خطابات حقوقية ومطلبية تدور داخل قبة المؤسسات البرجوازية. إن البديل الذي لا محيد عنه هو العمل السري والعلني الدؤوب لتأسيس الحزب الشيوعي الطليعي للطبقة العاملة، المصاغ وفق مبادئ المركزية الديمقراطية، والمنظم في خلايا عمالية سرية صلبة في المصانع، والأحياء، والجامعات، والقرى. تصفية أوهام الانتقال السلمي والإصلاح المخزني إن التحريفية الجديدة تقتات على أوهام "الانتقال الديمقراطي" و"التوافقي". غير أن التحليل العلمي للتشكيلة الاجتماعية المغربية يؤكد أن الدولة الكمبرادورية-المخزنية هي جهاز قمعي طبقي غير قابل للإصلاح الديمقراطي من الداخل. وبالتالي، فإن المهمة التاريخية للطبقة العاملة وحليفها الفلاحي ليست هي مشاركة السلطة أو تقديم النصائح والحلول للنظام، بل هي تحطيم جهاز الدولة البرجوازي التبعي وبناء دولة المجالس الشعبية. الفرز النهائي وإسقاط الأقنعة إن السجال حول تجربة ومسار أبراهام السرفاتي ليس نبشاً في أوراق الماضي، ولا تصفية حسابات شخصية مع رجل قضى نحبه؛ بل هو سجال حول حاضر ومستقبل الثورة المغربية. إن كل محاولة لإحياء أطروحات السرفاتي التراجعية تحت يافطات "الواقعية"، و"التجديد"، و"مراعاة متطلبات المرحلة"، ليست سوى إعادة إنتاج لبؤس نظري وسياسي قاد صاحبه في نهاية المطاف إلى السقوط في فندق "هيلتون" وإعلان الاصطفاف خلف النظام الاستبدادي. إن الشيوعيين والماركسيين-اللينينيين بالمغرب، و رفاق عزيز المنبهي إذ يخضعون هذا المسار للنقد القاسي والجامح، يعلنون قطعاً نهائياً مع كافة أشكال التحريفية والتوفيقية الطبقية. ستظل راية الماركسية-اللينينية، بعيدة من أوهام الإصلاح والدغمائية الفاقدة للروح، هي المرشد الوحيد لبناء الحزب الطليعي للطبقة العاملة، والسير بالجموع الكادحة نحو التحرر الوطني والاجتماعي، وإقامة مجتمع أحرار المجالس الشعبية.
#محسين_الشهباني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التحالف الانتهازي: عندما تصبح الماركسية-اللينينية لافتة بلا
...
-
الهجرة إلى سبتة كتعبير مادي عن أزمة الاجتماعية و تعرية بنية
...
-
مدينة ازمورالمتمردة وآليات التصفية والتقزيم الإداري والهندسة
...
-
الديكتاتورية الرقمية- كأعلى مراحل المراقبة الرأسمالية وتحديا
...
-
جذور الانتهازية البرلمانية الجديدة بالمغرب ومآلاتها الطبقية
...
-
في نقد اختزال المشاركة السياسية والديمقراطية الشكلية البرجوا
...
-
اقنعة الاصلاحية وبؤس الذات المناضلة واشكاليات توحيد اليسار ا
...
-
المادية التاريخية الثورية في مواجهة ميتافيزيقا اللاهوت: قراء
...
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
-
اقتصاد الريع الجمعوي-السياسي وحثالة البروليتاريا
-
دروس نصف قرن من النضال منظمة إلى الأمام و حركة 20 فبراير وجي
...
-
حول طبيعة طقس الأضحية في المغرب
-
تمظهرات الصراع الطبقي بالمغرب
-
الدعم العمومي للصحافة بالمغرب بين الولاءات وتكريس هيمنة الدو
...
-
حين تتحول الاحزاب التي تدعي -الثورية- إلى عكاز للرجعية
-
من المدرجات: رمز المقاومة الشعبية ضد الحماية... إلى صناعة ال
...
-
الصمت الطبقي بالمغرب بين التراكم البدائي و القمع الناعم
-
القوى الظلامية والصراع الطبقي في المغرب
-
حول فاتح ماي 2026
-
جدل تصوير دورة مجلس البلدي بأزمور من طرف الباشا يكشف صراع ال
...
المزيد.....
-
مصر تواجه -سرقات التيار الكهربائي- بتشريع جديد -يُغلظ العقوب
...
-
الإمارات تعلن تعرض اثنتين من سفنها لـ-هجوم إيراني- في مضيق ه
...
-
محمد بن سلمان يلتقي قائد -سنتكوم-.. وبحثا هذه القضايا
-
-أدنوك- الإماراتية تعلن تعرض سفينتين لهجوم في مضيق هرمز دون
...
-
السويد تخفض سن المسؤولية الجنائية إلى 14 عاما
-
البنتاغون يراجع الاستراتيجية النووية الأمريكية مع التركيز عل
...
-
الحوثيون يهاجمون مطارا بالقرب من باب المندب في محافظة تعز جن
...
-
قائد القيادة المركزية الأميركية يريد استئناف الحرب على إيران
...
-
-واشنطن بوست- تكشف عملية سرية لـ-سي آي إيه- أودت بحياة صيادي
...
-
بن سلمان يبحث مع قائد القيادة المركزية الأمريكية التعاون في
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|