|
|
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الماركسية اللينينية المغربية
محسين الشهباني
الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 12:19
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
روزا لكسمبورغ في كتابها "إصلاح اجتماعي أم ثورة؟ "إن الذي يختار طريق الإصلاح القانوني بدلاً من المعارضة للاستيلاء على السلطة السياسية والثورة الاجتماعية، لا يختار في الواقع طريقاً أكثر هدوءاً وأكثر بساطة وأكثر بطئاً يقود إلى نفس الهدف، بل يختار هدفاً مختلفاً تماماً، إنه يختار إجراء تعديلات طفيفة في النظام القديم بدلاً من إقامة نظام جديد". من غياب المحاسبة إلى ضرورة التشريح المادي إن اليسار الراديكالي والماركسي-اللينيني المغربي لا يعاني عبر تاريخه الطويل والمخضب بالدماء من قلة التضحية، بل يعاني أساساً وبشكل بنيوي من غياب المحاسبة والمراجعة النقدية الصارمة. خمسة عقود كاملة مرت منذ انطلاقة الشرارة الأولى لمنظمة "إلى الأمام" الثورية، وعقدان ونصف منذ تأسيس "النهج الديمقراطي العمالي"، وثلاثة عقود متواصلة من التجريب والنضال في قلاع الجامعة، وفي الشارع، وفي ردهات النقابات. ومع ذلك كله، ما يزال سؤال البداية الجوهري مطروحاً كما هو بكل ثقله التاريخي: لماذا لا يتحول الغضب الجماهيري العارم والانتفاضات العفوية الكادحة إلى سلطة سياسية فعلية؟ ولماذا تتحول الأحزاب والتنظيمات التي نشأت وتأسست من رحم الثورة والمعتقلات والسرية إلى مجرد معارضة تدجين إصلاحية محكومة بسقف النظام وقواعد لعبته؟ إن هذه المساهمة الفكرية والسياسية المدمجة ليست مجرد سيرة تنظيمية سردية، ولا هي محاكمة أخلاقية أو شخصية لأفراد وأسماء؛ بل هي تشريح مادي تاريخي صلب وجريء لتجربة سياسية كاملة. إننا ننطلق هنا من فرضية علمية بسيطة: الأفكار والنظريات لا تنحرف تلقائياً أو من تلقاء ذاتها، بل تنحرف وتتوهج بالتحريفية لأنها انقطعت وانفصلت مادياً عن الممارسة الطبقية الحية التي أنتجتها في الأصل. وما حدث في المنعطف التاريخي بين سنتي 1995 و1996 لم يكن مجرد "خطأ تكتيكي" عابر أو مناورة سياسية فرضتها الظرفية، بل كان لحظة تحول بنيوي، شامل ومنظم، من منطق الثورة وإسقاط الدولة التبعية إلى منطق الإصلاح، والمهادنة، وتحسين شروط العبودية من داخل بنية النظام القائم. إننا نستخدم في هذا العمل المنهج المادي التاريخي والجدلي باعتباره الأداة العلمية الوحيدة القادرة على فضح الزيف والتحريف. نحن لا نبحث عن النوايا الحسنة، ولا نكتفي بقراءة وتلقف البلاغات والبيانات الرسمية المنمقة؛ بل نطرح الأسئلة المادية الصارمة: من تغير موقعه الطبقي ومصالحه المادية الفعلية؟ من تغيرت علاقته العضوية بجهاز الدولة التبعية؟ ومن تنازل عن أي جزء من برنامج السلطة الشعبية؟ إن المخاطب الأول والأخير بهذا العمل هو المناضل والمناضلة الشابة، ذلك الجيل الجديد الذي لم يعش ولم يكتوِ بنار سنوات الرصاص والحديد، ولكنه يدفع اليوم غالياً ثمن نتائجها وانكساراتها وتراجعاتها السياسية. وهدفنا الأساسي هو أن يبدأ هذا الجيل الجديد نضاله وعمله التنظيمي من حيث توقف سلفه الثوري حقاً، لا أن يعود في كل مرة ليبدأ من الصفر. الفصل الأول: المدخل النظري: جدلية الوعي والممارسة في الفكر اللينيني لصياغة الفهم العلمي لطبيعة الانحراف، نستحضر المقولة اللينينية العميقة التي صاغت بدقة ماهية الوعي الطبقي: "العبد الذي أصبح واعياً بعبوديته ونهض للنضال من أجل تحرره قد كفّ بالفعل عن أن يكون نصف عبد. العامل الحديث الواعي طبقياً، الذي تربّى على منشأة الإنتاج الكبير ونوّرته الحياة الحضرية، يضع جانباً بازدراء التحيزات الدينية، ويدع السماء للكهنة والمتعصبين البورجوازيين، ويحاول أن يكسب حياة أفضل هنا على الأرض. تنحاز بروليتاريا اليوم إلى الاشتراكية، التي تجنّد العلم في المعركة ضد ضباب الدين، وتحرر العمال من اعتقادهم في الحياة الأخرى بعد الموت بصهرهم معاً حتى يقاتلوا في الحاضر من أجل حياة أفضل على هذه الأرض." إن هذا المقطع الشهير للينين لا يقدم وعظاً أخلاقياً، ولا يسبح في فضاءات المثالية، بل يقرر قانوناً مادياً وتاريخياً صارماً: الوعي لا يسبق الواقع، بل يتولد من صدمة الواقع والارتطام بآلياته الاقتصادية. إن العامل لا يصبح ثورياً وماركسياً لأنه اقتنع بالكتب والنظريات نظرياً فحسب، بل لأنه يصطدم يومياً وبشكل ملموس بحدود وبشاعة الاستغلال الطبقي داخل المعمل والمنشأة الإنتاجية الكبرى. هناك يفهم عملياً أن النضال من أجل رفع الأجر لا يكفي، وأن إلغاء وتفكيك علاقة الأجر والعمل المأجور نفسها هو المطلب الاستراتيجي والوحيد الكفيل بتحرره. وفي الحالة التاريخية المغربية، تجلت هذه اللحظة الجدلية بوضوح مع جيل السبعينات والحركة الماركسية-اللينينية المغربية (الحملم). لم يكن دافعهم الأول والأساسي مجرد القراءة الأكاديمية لكتب ماركس، وإنجلز، ولينين، وماو تسي تونغ؛ بل كان دافعهم المادي هو السجن، والطرد الممنهج من العمل، والمنع من التنظيم، والبطش والقمع العاري في الشارع وفي قلاع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم). الوعي الطبقي هنا كان اكتشافاً عملياً وميدانياً خالصاً: اكتشاف أن الدولة القائمة ليست حكماً محايداً بين الطبقات، وأن "الاستقلال الوطني" الشكلي لسنة 1956 لم يغيّر في الجوهر بنية التبعية الكومبرادورية والإقطاعية المرتبطة بالإمبريالية العالمية. لكن الوعي، مهما بلغ من التجذر، إذا ظل دون تنظيم طليعي صلب ومستقل، فإنه يتحول حتماً إلى طاقة متبددة وعفوية تنتهي بالانكسار. وبدون حزب مركزي ديمقراطي، يضم طليعة البروليتاريا، يظل الغضب جماهيرياً وعفوياً، وتظل المعركة محصورة في حدود المعارك الخبزية والمطلبية الضيقة لا على السلطة السياسية. وهذا هو الفارق الجوهري والبنيوي بين لحظة (1970-1975) ولحظة (1995-1996)؛ في اللحظة الأولى، كان الهدف الاستراتيجي المعلن والممارس لمنظمة "إلى الأمام" هو كسر وتهديم جهاز الدولة التبعية الكومبرادورية. أما في اللحظة الثانية، فقد تقزم الهدف وتحول إلى محاولة توسيع هامش الحرية البرجوازية والحقوقية داخل هذه الدولة نفسها. إن التصفية التاريخية لأي مشروع ثوري لا تبدأ بخيانة علنية فجة، بل تبدأ بتدريج ناعم وبخس عبر تبديل الأسئلة الجوهرية بأسئلة إصلاحية. فعندما ينتقل خطاب التنظيم وممارسته من السؤال المادي الأساسي: "من يملك وسائل الإنتاج الكبرى وثروات البلاد؟ وكيف نصادرها؟" إلى السؤال اللبرالي الحقوقي: "كيف نوسع الحريات العامة ونطالب بدولة الحق والقانون؟"، تكون المعركة الاستراتيجية قد خسرت وتصفت بالكامل على مستوى الأفق الفكري، حتى وإن حقق التنظيم بعض المكاسب الحقوقية أو الجمعوية الضيقة. لذلك، فإن قراءة وتفكيك سيرورة تأسيس حزب "النهج الديمقراطي العمالي " لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون قراءة إدارية أو تقنية لمحاضر واجتماعات سنتي 1995 و1996. بل يجب أن تكون قراءة نقدية مادية للقطيعة الأيديولوجية والسياسية التي سبقت ومهدت لهذا التأسيس: القطيعة الكاملة مع مفهوم السلطة الشعبية، ومع مفهوم الحزب الطليعي اللينيني السري، ومع مفهوم التحالف الطبقي الثوري. وإذا استوعبنا هذه العلاقة الجدلية بين الوعي والممارسة، سنفهم بوضوح لماذا لم يكن تفكيك وانهيار منظمة "إلى الأمام" نهاية للمشروع، ولماذا لم يكن تأسيس "النهج الديمقراطي العمالي " بداية جديدة، بل كان مجرد حلقة وسيطة وتصفوية في مسار تاريخي طويل: مسار الانتقال المقيت من الفضاء الثوري الراديكالي إلى الفضاء الحقوقي البرجوازي الصغير، ومن بنية الحزب الطليعي العمالي إلى بنية شبه الجمعوية الترافعية. الفصل الثاني: الصيرورة التاريخية لتأسيس "النهج الديمقراطي العمالي": تكتيك التنازلات الممنهجة 1. من رصيد التضحية إلى الاستهلاك الرسمي جاء تأسيس حزب "النهج الديمقراطي العمالي " كحصيلة سياسية وتنظيمية مباشرة لسيرورة مترابطة ومسلسلة من التنازلات الأيديولوجية والسياسية التي قادها وهندسها جناح محدد داخل الحركة الماركسية-اللينينية المغربية، وهو الجناح الذي اعتبرته المعارضة الثورية المتمسكة بالخط الأصيل جناحاً يمينياً انتهازياً بامتياز. لم يكن الأمر انحرافاً فجائياً أو وليد لحظة معزولة، بل كان تراكماً كمياً لقرارات وتنازلات تنظيمية صغيرة ومتتالية، جرى تسويق وتقديم كل واحدة منها في إبانها كـ "تكييف تكتيكي وضروري مع الظرفية والمتغيرات الدولية". لقد عمد هذا الجناح اليميني إلى استرخاص سنوات الاعتقال الرهيب، والمنفى، والتضحيات الجسام والشهداء، وتحويلها من رصيد كفاحي لبناء أداة الثورة، إلى مجرد رصيد رمزي وتجاري وجواز مرور مريح نحو التموقع داخل الشارع السياسي الرسمي والحصول على اعتراف وشرعية النظام. فبدل البناء على تراكم تلك التضحيات لتطوير وصيانة البنية السرية والعلنية للأداة الثورية المستقلة، تم توظيفها كصك غفران لشرعنة الانخراط في اللعبة السياسية الرسمية. وهكذا أدار هذا الجناح ظهره بالكامل لتضحيات الرفاق الذين استشهدوا في غياهب المعتقلات السرية (كمكون وبنوك شهداء منظمة إلى الأمام)، واستبدل السؤال اللينيني الحاسم: "كيف ننتزع السلطة السياسية لصالح الكادحين؟" بسؤال انتهازي بامتياز: "كيف نحصل على اعتراف قانوني وشرعية من طرف الدولة التبعية؟". وفي المقابل من هذا التراجع القيادي، استمرت الجماهير الشعبية والطبقة العاملة المغربية في خوض معاركها الميدانية اليومية ضد السياسات الطبقية والتصفوية للنظام، على الرغم من الضرب المزدوج والمركب الذي تعرضت له الحركة الثورية: ضرب من الداخل عبر الخط اليميني الإصلاحي الذي فرغ الصراع من محتواه الطبقي وحوله إلى ترافع حقوقي، وضرب وقمع شرس من الخارج عبر الاعتقالات والمحاكمات الصورية التي استهدفت وتستهدف القواعد المنظمة للحركة. إن هذا الصمود العفوي والكفاحي للجماهير يفضح بالكامل الأوهام والادعاءات الانتهازية القائلة بأن التراجع السياسي والفكري ونبذ الاختيار الثوري كان قدراً تاريخياً حتمياً فرضته "نهاية التاريخ" وانهيار المعسكر الشرقي؛ فالإصلاحية والتراجع كانا خياراً سياسياً وطبقياً واعياً لجزء من القيادة المتبرجزة، ولم يكن يوماً خياراً للطبقة العاملة وعموم الكادحين. 2. البنية المادية للانتهازية وتفريغ المحتوى الكفاحي استغل هذا الجناح اليميني لحظة الانفتاح السياسي النسبي والمناورة التي أطلقها النظام المغربي بعد منتصف التسعينات (سياق التناوب التوافقي وتصفية ملفات الماضي شكلياً) ليبدأ في إنتاج وإعادة إنتاج خطاب وفكر جديد يتعارض كلياً وموضوعياً مع التوجهات والمقررات الثورية التاريخية للمنظمات الماركسية-اللينينية. وتم تمرير وهندسة هذا الانحراف عبر كتابات، ومقالات، ومساهمات متفرقة صاغها بعض الرموز والقادة، سواء من داخل المعتقلات السجنية في سنينهم الأخيرة أو من خارجها، وكانت تروم وتستهدف هدفاً استراتيجياً واحداً: إفراغ المنطلقات والأطروحات الثورية من محتواها الكفاحي، وتقديم قراءة تبريرية انتهازية للتجربة التاريخية بذريعة "النقد الذاتي"، بينما هي في الجوهر ركوع أيديولوجي أمام أطروحات العدو الطبقي. لم تكن تلك الكتابات تهدف أبداً إلى تجاوز الأخطاء التنظيمية أو التكتيكية للماضي من موقع الثورة وصيانة أداة البروليتاريا، بل كانت تهدف إلى شرعنة وتبرير القطيعة الشاملة مع الاختيار الثوري ككل. فبدل تحليل أسباب انكسار وهزيمة سنة 1975 وتفكيك الضربات الأمنية من موقع الصراع الطبقي وبنية التنظيم السري، تم تحميل المسؤولية كاملة وبخفة فكرية لما سمي بـ "اليسارية المغامرة" و"أوهام العمل السري"، وكأن المشكل التاريخي كان يكمن في البنية التنظيمية الثورية نفسها لا في اختلال موازين القوى والتحالفات الطبقية وغياب الانغراس البروليتاري. ولكي يرسخ هذا الخط اليميني مواقعه ويفرض أطروحته التحريفية، اختار قادته ومهندسوه الطرق السهلة والمغرية التي أتاحها الانفتاح الجزئي للنظام، مستندين إلى ثلاث ركائز مادية وتأسيسية: • تحويل رأسمال التضحية إلى رأسمال مادي ورمزي تصفوي: الاستفادة والارتقاء الاجتماعي عبر التعويضات المالية الفردية عن الاعتقال التعسفي في إطار ما سمي بـ "هيئة الإنصاف والمصالحة" وسيرورة العدالة الانتقالية. وبدل أن توظف هذه الإمكانات المادية (إذا ما تم القبول بها جدلاً) كقاعدة مادية مستقلة لإعادة ضخها في بناء تنظيم ثوري سري ومحمي، جرى تحويلها إلى وسيلة لتأمين المواقع الاجتماعية الفردية، والمكاسب المادية، والانتقال والتحول السريع نحو نمط عيش وتفكير البرجوازية الصغيرة والمتوسطة. • الانتقال المنظم من النضال الثوري الراديكالي إلى النضال الحقوقي اللبرالي: استغلال الهوامش الحرياتية المتاحة لتأسيس وتصدر جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان كنموذج ركيزي)، وتحويل مركز الصراع من معركة طبقية شاملة تستهدف بنية وهدم جهاز الدولة التبعية وسلطتها السياسية والاقتصادية، إلى معركة قانونية وشكلية تستهدف سلوك الدولة وتطالبها بملائمة تشريعاتها مع المواثيق الدولية. هذه النقلة المفاهيمية غيرت المرجعية النظرية للحركة بالكامل، من مرجعية صراع طبقي ومادية تاريخية، إلى مرجعية حقوقية برجوازية صغيرة كونية ومجردة تحجب حقيقة الصراع الطبقي. • الاندماج التام في فضاء وثقافة "المجتمع المدني" والمنظمات غير الحكومية: عقد وتكثيف لقاءات ونقاشات داخلية وخارجية جمعت بين أصحاب هذا التوجه الحقوقي، والقيادات المتراجعة من داخل السجون، وبعض ممثلي المنظمات غير الحكومية الممولة محلياً ودولياً. وكانت هذه الدينامية تدفع وتصب كلها في اتجاه واحد ومحدد: التماهي التام والقبول بالسقف السياسي والأمني الذي يسمح به النظام ويحدده الانفتاح الإقليمي، والقطع مع أي أفق يتجاوز حدود "المعارضة القانونية والنقد السقفي المسموح به". الفصل الثالث: محطات التحول التنظيمي والسياسي (1995-1996): صياغة وثائق القطيعة 1. تبلور التوافقات الانتهازية لعام 1995 بحلول سنة 1995، نضجت وتبلورت مجمل هذه الأفكار والمواقف التحريفية عبر توافقات وتفاهمات، بعضها معلن وبعضها غير معلن، كانت تضرب وتستهدف مباشرة جوهر الاختيار الثوري لمنظمة "إلى الأمام". وكان المضمون الحقيقي لهذه التوافقات هو الدعوة الصريحة إلى تغيير طبيعة ومستوى عمل الحركة من المستوى الاستراتيجي الثوري إلى المستوى التكتيكي الإصلاحي المحض، وصياغة ما سمي بشعار "النضال الديمقراطي الجماهيري الجذري السلمي" كبديل ونقيض للاختيار الثوري. وكان هذا التوجه واضحاً وجلياً في كتابات الأقطاب والرموز المؤسسة لحزب "النهج الديمقراطي" (الحريف، البراهمة ومن سار في فلكهم). فلم يعد السؤال المركزي والموجه لكتاباتهم هو: "أي طبقة اجتماعية يجب أن تمسك بالسلطة السياسية وتحطم جهاز الدولة التبعي؟"، بل أصبح السؤال هو: "كيف نوسع هامش الحريات والحقوق الديمقراطية من داخل وبنية السلطة القائمة؟". وهذا الانزلاق المفاهيمي هو التجسيد الحي والجوهر الحقيقي للتحريفية كما صاغها التاريخ؛ حيث يتم الإبقاء على اللغة الراديكالية، والعبارات الماركسية الشفوية، والتغني الشكلي بإرث "إلى الأمام" لاستخدامه كغطاء رمزي، بينما يتم تغيير وتصفية المضمون والجوهر الثوري في الممارسة العملية. وقد ساهمت جملة من الظروف الذاتية والموضوعية المترابطة في إنضاج هذا الطرح التحريفي اليميني وفرضه: • على المستوى الذاتي: الإنهاك التنظيمي والنفسي لشريحة من المناضلين والقادة، والخوف من العودة المادية لشرور السرية والملاحقات الأمنية، والرغبة في الاستقرار الاجتماعي والعلني بعد عقود من السجون والمنافي. • على المستوى الموضوعي: الضغط والاشتراطات الدولية والإقليمية على النظام المغربي لتقديم واجهة "ديمقراطية وحقوقية" تلمع صورته الخارجية لتسهيل اندماجه في السوق الرأسمالية العالمية، ورغبة هذا الجناح اليميني في التقاط واستغلال جزء من هذا الهامش الممنوح والحصول على مقعد في قاطرة "التحول الديمقراطي الموهوم". ومن رحم هذه الشروط، ولدت وتأسست تكتلات وحلقات سياسية تقاربت مواقفها وأهدافها الطبقية، لتصل في النهاية إلى صياغة خلاصات وثائقية تدعو صراحة إلى المبادئ التصفوية التالية: 1. عدم تكرار "أخطاء الماضي": ولم يكن المقصود بهذا الشعار ممارسة نقد ذاتي مادي وعلمي لتطوير آليات المواجهة، بل كان المضمون الحقيقي هو النبذ الكامل والنهائي لآليات العمل السري، ومفهوم العنف الثوري، وحرب الشعب، والدعوة للاستسلام السياسي التام لشروط الشرعية القانونية. 2. استغلال الظرفية والمتاح: والمقصود به هو حصر نضال وعمل الحركة فقط في المساحات والهوامش القانونية والجمعوية التي يسمح بها النظام ويحدد سقفها أمنياً، حتى لو كانت هذه المساحات تقع بالكامل خارج سؤال السلطة السياسية ومصادرة وسائل الإنتاج الكبرى. 3. الإشادة بالقوى الأخرى والتقارب معها: وخاصة قوى الإسلام السياسي والرجعية الدينية التي دخلت وبدأت تتغلغل في اللعبة السياسية، واتخاذ ذلك كدليل وبوق على أن "الانفتاح والمشترك السياسي ممكن وضروري لمواجهة المخزن". 2. التشريح الكرونولوجي للقاءات الوطنية الثلاثة لعام 1995 لتوثيق هذا المسار التصفوي ومنع اختطاف الذاكرة التاريخية من طرف شيوخ التحريفية، يجب تشريح اللقاءات الوطنية الثلاثة لعام 1995 التي صاغت الهيكل البرنامجي والتنظيمي للقطيعة: • اللقاء الوطني الأول (15-16 أبريل 1995): مثّل هذا اللقاء الخطوة العملية الأولى لجمع شتات المجموعات والحلقات اليمينية والتصفوية. وأسفرت خلاصاته وتوافقاته عن تأسيس ما سمي بـ "التنسيق الوطني" كإطار تنظيمي انتقالي ومؤقت لتدبير السيرورة. وتم التأكيد في هذا اللقاء على ضرورة صياغة وتأسيس بوق إعلامي ناطق باسمهم لترسيخ وتمرير مواقفهم الجديدة، وهو ما تجسد سريعاً في إصدار جريدة "النهج الديمقراطي". وملاحظتنا المنهجية والمادية هنا واضحة وصارمة: إن تأسيس وإصدار الجريدة الإعلامية والسياسية قبل تأسيس وبناء التنظيم السياسي نفسه يطرح علامة استفهام جوهرية حول وجود خطط، وتوافقات، وربما "أضواء خضراء" مسبقة وضمانات من طرف أجهزة الدولة كانت تنتظر الوقت المناسب للتنفيذ العلني. إن الحزب الطليعي الثوري واللينيني يبني ويصنع جريدته كأداة للدعاية والتحريض والتنظيم وسط الجماهير، ولا يبني نفسه كملحق حول جريدة علنية مرخصة من طرف وزارة داخلية النظام التبعي. • اللقاء الوطني الثاني (27 ماي 1995): في هذا اللقاء، جرى تسييل السيرورة وتصوير التجميع باعتباره صيرورة تاريخية مفتوحة على كافة الاحتمالات السياسية للتملص من الالتزامات المبدئية. وتطرق النقاش بشكل مفصل لطبيعة الإطار العتيد، وهيكلته التنظيمية، وشكله العلني، وتحديد مهام التنسيق الوطني لضبط القواعد. ولكن اللقاء تعمد، وبشكل واعٍ ومنظم، تجنب الحسم الفكري في مسألة العلاقة المادية بالسلطة السياسية وطبيعة جهاز الدولة وموقفهم من شرعية النظام، تفادياً لإغضاب أجهزة الرقابة ولتسهيل الحصول على الاعتراف القانوني. • اللقاء الوطني الثالث (30 شتنبر 1995): شكل هذا اللقاء المنعطف الحاسم؛ حيث أسفر عن إنتاج وتعيين لجنة تنسيق وطني رسمية كُلفت بصياغة وإعداد التصور السياسي، والفكري، والبرنامجي النهائي. وتمت في هذا اللقاء مناقشة الورقة السياسية والتأسيسية الأولى التي نُشرت لاحقاً في العدد الثاني من جريدة "النهج الديمقراطي". وكانت هذه الورقة بمثابة الإعلان الرسمي والعلني عن القطيعة التامة مع الإرث الثوري لـ "إلى الأمام": فلا ذكر فيها لمفهوم تحطيم الدولة التبعية، ولا ذكر لمفهوم الصراع الطبقي الضاري، ولا ذكر للاشتراكية كمشروع سلطة؛ بل جرى تعويض ذلك كله بحديث فضفاض ومجرد عن "الديمقراطية" و"العدالة وحقوق الإنسان". 3. التمايزات والانسحابات الحتمية: فرز الخطوط الطبقية بعد هذه اللقاءات الوطنية الثلاثة وبروز معالم الخط التحريفي اليميني، بدأت عملية فرز وتمايز داخلية وحتمية؛ فالخط السياسي الجديد والقطع مع الثورة لا يمكن أن يمر داخل القواعد والمناضلين دون أن يحدث شروخاً وانقسامات طبقية وفكرية قادت إلى الفرز التالي: • الانسحاب الصريح والمبدئي: خروج المناضلين والطاقات الحية الذين رفضوا بشكل قاطع المشاركة في بناء إطار سياسي إصلاحي بلا أفق ثوري، والتمسك بالخط التاريخي لمنظمة "إلى الأمام". • الهروب والارتماء في أحضان البيروقراطية النقابية: اختيار جزء من المناضلين الانكفاء والهروب نحو العمل النقابي البيروقراطي داخل المركزيات النقابية الرسمية، واتخاذ العمل النقابي الخبزي كملاذ آمن لضمان الاستمرارية الشخصية والامتيازات والابتعاد الكامل عن سؤال السياسة والسلطة. • النقد الداخلي العاجز والمهادن: محاولة البعض ممارسة النقد والتحذير من داخل السيرورة التصفوية نفسها، لكن غياب آليات الانضباط الحزبي واللينيني وتغول الجناح اليميني المتبرجز جعل هذا النقد بلا أثر تنظيمي ومجرد غطاء لتبرير بقائهم. • الانسحاب السلبي والانكفاء في "الكهوف": التزام شريحة واسعة من المناضلين الصمت المطبق، ودخول "الكهوف الذاتية" والانقطاع التام عن أي فعل سياسي، وهو تجسيد حي لشكل من أشكال الهزيمة النفسية والفكرية أمام هجوم التحريفية والبطش الأمني. • تحنيط التاريخ وتقديس الوثيقة الشكلي: ظهور نزعة حلقية اعتبرت أن مجرد امتلاك، وحفظ، ونشر الوثائق الأصلية القديمة لمنظمة "إلى الأمام" يمثل في حد ذاته عملاً ثورياً كافياً، فحولوا التاريخ الكفاحي الحي إلى ملكية خاصة وأنتيكة للمفاخرة الصالونية بدل تحويله إلى درس جماعي ودليل للممارسة المادية وسط الجمالير. • تساقط وبسطاء التكوين الأيديولوجي: انسحاب الكوادر والمغرر بهم من بسطاء التكوين الأيديولوجي الذين انبهروا في البداية بالشعارات الثورية الرنانة التي سرعان ما بدأت تخبو وتتلاشى في ممارسة "النهج". ومع مرور الوقت، اتضح بالملموس أن الطرح التحريفي اليميني المؤسس لحزب "النهج الديمقراطي" كان مغلفاً ومحاطاً بالشعارات الثورية الفضفاضة والتشدق الشكلي بـ "الاستمرارية التاريخية"، بينما كان يمارس في عمق وثائقه وبنيته نبذاً ومحاربة لكل المتمسكين بالخيار الثوري الأصيل عبر التسميم السياسي، والإقصاء، والهجوم المنظم. وبهذا اكتملت صيرورة التصفية: لم يعد الأمر يتعلق بتيارين (يميني ويساري) داخل تنظيم واحد، بل برز تنظيمان بمشروعين متناقضين طبقياً واستراتيجياً؛ أحدهما يعلن ولاءه للثورة شكلاً ولفظاً للاستهلاك، والآخر يمارس التصفية والإصلاحية فعلاً ومضموناً. 4. لقاءا عام 1996: المأسسة التنظيمية والبرامجية للردة إذا كان لقاء شتنبر 1995 قد مثّل لحظة الإعلان الفكري عن القطيعة، فإن لقاءي سنة 1996 مثّلا اللحظة التنظيمية لمأسسة هذا التحول وتحويله إلى بنية مستقرة: • لقاء 6 أبريل 1996 بالرباط: شهد هذا اللقاء تشكيل وأجرأة أربع لجان وظيفية مكلفة بنقاش وثائق التحليل السياسي والبرنامج العام للإطار العتيد. وعلى الورق وبالمظهر التنظيمي، كان الأمر يسوق كخطوة تنموية عادية؛ لكن المضمون الفعلي كشف عن القطيعة الشاملة. وتمت الموافقة على صياغة ورقة العمل الجماهيري ونقاش الهوية السياسية والفكرية لإعادة صياغتها، وكان الهدف الحقيقي وغير المعلن هو إعادة تعريف الهوية نفسها وتجريدها من اللينينية الثورية. رسم هذا اللقاء ملامح الإطار القادم بشكل نهائي، وتم التخلي عملياً وبالممارسة عن الرؤية السياسية والخلفية الاستراتيجية المؤطرة للعمل السري من داخل تجربة "إلى الأمام". وما أُنتج وصيغ من وثائق لم يكن بتاتاً تطويراً خلاقاً للتجربة السابقة، بل كان مجرد اجترار ميكانيكي وبصيغة باهتة لتجربة أطروحات "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" الإصلاحية في الستينات (أطروحات الاختيار الديمقراطي والملكية الدستورية)، بل وأقل تجذراً وكفاحية منها، لأنها جرت في ظرفية تاريخية اتسمت بانكسار وهزيمة عالمية للحركة الثورية وصعود الليبرالية الجديدة. إن الادعاء والتسويق السياسي بأن حزب "النهج الديمقراطي" هو الامتداد العضوي والتاريخي لمنظمة "إلى الأمام" الثورية يعد مجرد افتراء وتزوير سياسي فج. فالامتداد والصلة انحصرا فقط على مستوى الأشخاص، والرموز، والأسماء التاريخية المعدة والموظفة للاستهلاك الإعلامي والشرعية الرمزية (نفس الأسماء المعتقلة سابقاً، نفس الشعارات التاريخية المرفوعة شفوياً). أما على مستوى البرنامج الاقتصادي والاجتماعي، وعلى مستوى التحالف الطبقي الممارس، وعلى مستوى علاقة التنظيم العضوية بالدولة وجهازها القمعي، وعلى مستوى الفهم الأيديولوجي للثورة، فإن التناقض والتباعد بينهما كان كاملاً ومطلقاً. لا توجد أي علاقة عضوية بين الاختيار الثوري لـ "إلى الأمام" وبين الطرح الإصلاحي الذي سمي لاحقاً بـ "النضال الديمقراطي الجماهيري الجذري السلمي"؛ فالأول يهدف تنظيمياً ومادياً إلى إسقاط وتهديم الدولة التبعية، والثاني يهدف تراكماً وترافعاً إلى تحسينها وإصلاحها من الداخل والتعايش معها. • لقاء 17 نونبر 1996: في هذا اللقاء الوطني الأخير لعام 1996، تمت مأسسة القطيعة النهائية على مستوى الممارسة الميدانية والتنظيمية. وجرى الاتفاق المبدئي والتنظيمي على مسألة القبول بـ "الشرعية القانونية" والعمل العلني من داخل ومن خلال مؤسسات وبنيات النظام القائم، مع كل ما يستوجبه ذلك الانخراط من قبول وتوافق مسبق (ضمني وعلني) على الالتزام بالخطوط الحمراء الثابتة للدولة التبعية والتي لا يمكن تجاوزها أمنياً. وتمت المصادقة الجماعية على طبيعة النظام القائم كإطار دستوري وسياسي لا يمكن تجاوزه في المرحلة، وتحولت مناقشة الهوية الفكرية والسياسية والتشدق بالماركسية-اللينينية إلى مجرد إجراء شكلي وطقس بروتوكولي لإسكات القواعد. والمفارقة التاريخية والأيديولوجية الصارخة هنا، هي أن أصحاب ومهندسي هذا المشروع التصفوي، على الرغم من تغييرهم الشامل للأهداف الاستراتيجية وضربهم للمقررات الثورية عرض الحائط، أصروا وتمسكوا بقوة باليافطة والشعار الأيديولوجي "الماركسي-اللينيني" شكلياً ومظهرياً. والسبب الكامن وراء هذا التمسك الشكلي واضح وذكي: الماركسية-اللينينية في مظهرها التاريخي توفر لهم وحدهم "الغطاء الرمزي والشرعية الأخلاقية" اللازمة لاحتواء القواعد الشابة، والانخراط في نفس الوقت التام في لعبة العمل السياسي الرسمي وفق الشروط والقيود التي يضعها النظام للحصول على صك الشرعية والاعتراف القانوني. هذا التمسك اللفظي بالشعار يتيح لهم تبرير الابتعاد المادي عن الجماهير البروليتارية المسحوقة، والاعتماد والارتكاز بدلاً منها على النضال الفئوي، الحقوقي، والجمعوي للبرجوازية الصغيرة والمتوسطة، مع الاحتفاظ الخارجي بمظهر "اليسار الراديكالي الجذري" أمام الكاميرات والندوات. الفصل الرابع: التحريفية ونقد أطروحة "النضال الديمقراطي الجماهيري الجذري السلمي" 1. الارتباط البنيوي بين الاستراتيجية والأيديولوجية من أبجديات المادية التاريخية والجدلية وعلم الثورة، أن تغيير الخط الاستراتيجي العام لأي تنظيم سياسي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون مجرد تغيير تكتيكي أو مرونة في آليات العمل المحضة. إن اعتماد وتبني أطروحة وشعار "النضال الديمقراطي الجماهيري الجذري السلمي" كبديل ونقيض للاختيار الثوري الراديكالي لا يفرض فقط إعادة النظر الشاملة في وسائل وآليات العمل التنظيمي، بل يفرض بالضرورة والتبعية إحداث مراجعة وتغيير جذري في الأيديولوجية النظرية المعتمدة نفسها. فالتغيير البنيوي في الأهداف والبرامج من داخل الحقل الماركسي-اللينيني يقتضي ويتطلب تغييراً جذرياً وتمايزاً في المنطلقات الفكرية. وبمعنى علمي آخر، كان المطلوب والمفروض من حزب "النهج الديمقراطي العمالي "، إن كان يملك الصدق الفكري والوضوح السياسي مع القواعد ومع التاريخ، أن يقدم رؤية فكرية ونظرية واضحة تليق بمشروعه الإصلاحي الجديد بعيداً عن الاحتماء والتشدق بالماركسية-اللينينية وثوريتها. إن الصدق السياسي يقتضي تسمية التشكيلات بأسمائها الطبقية الحقيقية: هذا مشروع سياسي إصلاحي، ديمقراطي، حقوقي، ينتمي إيديولوجياً ومادياً لحقل البرجوازية الصغيرة، وليس مشروعاً ثورياً بروليتارياً. لكن ما حدث وتكرس عبر مجمل اللقاءات والمؤتمرات الوطنية كان محاولة فاشلة وممسوخة للجمع والتوفيق القسري بين نقيضين لا يلتقيان إلا في مخيلة الانتهازية: • الاتجاه الأول: التأكيد اللفظي والشكلي الصارم على الخلفية الفكرية المؤطرة للمشروع وربطها المزيف بالفكر الماركسي-اللينيني الأصيل وإرث "إلى الأمام"، مع وجود يقين واقتناع ضمني لدى القيادة بأن الممارسة السياسية والعملية اليومية للتنظيم بعيدة كل البعد عن أبجديات الماركسية وتطبيقاتها الثورية؛ إذ لا يمكن إيديولوجياً تأطير وتبرير التوافقات والتنازلات أمام البرجوازية والتعايش مع جهاز الدولة التبعي من داخل أيديولوجية وعلم يتأسس بنيوياً على تحطيم وإسقاط هذه الدولة ومصادرة الرأسمال. • الاتجاه الثاني: الهاجس المحموم والمتسارع لدى القيادة اليمينية لتسريع وتيرة مأسسة وتأسيس الإطار القانوني العلني، خوفاً من تغير واختلاف الأوضاع السياسية الداخلية وضياع الفرص والمكاسب والامتيازات المتاحة في تلك اللحظة التاريخية. كان الهدف الأساسي والموجه للممارسة هو انتهاز فرصة فتح النظام التبعي لذراعيه لـ "المغضوب عليهم والمستقيلين سياسياً" واحتضانهم في مشروع سياسي علني يساهم في صناعة وصيانة "الإجماع الوطني" والتزكية الطبقية التي كان النظام في أمس الحاجة إليها لتمرير مخططاته التصفوية ضد الكادحين. والنتيجة التاريخية الحتمية لهذه التوليفة الانتهازية كانت ولادة كيان سياسي هجين وممسوخ: لغة ومصطلحات ماركسية إنشائية بلا أي مضمون أو تطبيق مادي ماركسي، وممارسة سياسية يومية إصلاحية غارقة في الجمعوية والحقوقية والمهادنة، ومغلفة بغطاء وشعارات ثورية راديكالية طنانة. 2. الوظيفة الطبقية للبرلمان والمؤسسات: الفرز بين الثورة والإصلاح لا داعي لتضييع الوقت الفكري في تتبع ورصد التسلسل الكرونولوجي والتفصيلي لمظاهر الانتهازية والتحريفية في مسار تأسيس وحياة حزب "النهج الديمقراطي العمالي"، لأن معرفة وفهم الهدف الاستراتيجي والمآل الطبقي لأي تنظيم تغني عن النقاش في التفاصيل الشاخصة. إن النهاية والمآل الفعلي والموضوعي لهذا المشروع الإصلاحي لا يمكن بأي حال من الأحوال، ووفقاً لقوانين التطور السياسي، أن تتجاوز في النهاية سقف السعي مستقبلاً للعمل والمشاركة داخل البرلمان والمؤسسات المنتخبة والمجالس البلدية للنظام التبعي (وهو ما أكدته وتؤكده مجريات تحولهم اللاحق وسعيهم المحموم للاعتراف الحزبي الكامل للمشاركة الانتخابية وهنا يجب على المناضل الشاب التمييز العلمي والدقيق بين موقفين متناقضين طبقياً: إن فهم واستيعاب الماركسيين-اللينينيين الحقيقيين لمسألة النضال والعمل البرلماني والمؤسساتي لا يتقاطع ولا يلتقي بأي شكل من الأشكال مع الرؤية والمنطلقات الإصلاحية التي أسس ومارس بناءً عليها أصحاب حزب "النهج الديمقراطي العمالي". فعند ماركس، وإنجلز، ولينين، يُعد البرلمان البرجوازي مجرد منبر علني إضافي للدعاية الثورية، والتحريض الطبقي، وفضح التناقضات العميقة للنظام، وعزل البرجوازية أمام الجماهير، وليس غاية في ذاته أو آلية للاندماج وتدبير الشأن المحلي. إن البرلماني الثوري واللينيني هو الذي يستخدم المنبر والمؤسسة البرجوازية كأداة لتفجير أوهامها الديمقراطية من الداخل وربط الجماهير بالشارع وبلجان المقاومة، لا للاندماج في بنياتها والحصول على التعويضات البرلمانية والحصانة . إن التنظيم السياسي، وفقاً للفهم والمادية الماركسية، هو العلاقة البنيوية والناظمة التي تربط بشكل جدلي ولا ينفصم بين النظرية العلمية والممارسة المادية؛ وكما أكد لينين في كتابه الحاسم "خطوتان إلى وراء، خطوة إلى الأمام": لا يمكن ميكانيكياً فصل المسائل والقضايا السياسية والبرامجية عن المسائل والقضايا التنظيمية والهيكلية. هناك ترابط عهدي وانسجام مطلق بين الجانبين؛ فلا يمكن إيديولوجياً وتاريخياً أن تمتلك وتدعي نظرية ثورية راديكالية وبالمقابل تبني تنظيماً إصلاحياً، علنياً، رخواً، ومكشوفاً أمنياً وطبقياً، أو العكس. أما محاولة إلباس أطروحة وشعار "النضال الديمقراطي الجماهيري الجذري السلمي" لباس النظرية الماركسية-اللينينية وتسويقه كـ "تطوير خلاق للماركسية في السياق المغربي"، فهو خروج صريح، موثق، وثابت عن الأسس اللينينية في التنظيم، وسقوط فاضح في التحريفية والردة في أرقى وأخطر أشكالها التاريخية؛ فالتحريفية لا تلغي ولا تحارب الماركسية بالهجوم العاري عليها من الخارج، بل تلغيها وتقتلها بتفريغها الممنهج من محتواها وثوريتها وجوهرها البروليتاري، وتحويلها إلى مجرد مذهب أكاديمي وإنشائي ميت وصالوني لا يزعج الأجهزة الأمنية أو التحالف الطبقي المسيطر. 3. الجذور التاريخية للانحراف من الثمانينات إلى عام 1995: رهان التزوير واختطاف الذاكرة إن رهان ومخطط الحريف والبراهمة ومن سار معهم في ركب التصفية لم يبدأ فجأة في سنة 1995، بل تمتد جذوره الفكرية والمادية إلى ثمانينات القرن الماضي (سياق التراجعات داخل السجون والمنافي وضربات خط السبعينات). لقد كان مسارهم عبارة عن محاولة ممنهجة ومنظمة ومستمرة للجمع الانتهازي بين التحريفية والماركسية-اللينينية، وجرّ أعضاء وأطر ومناضلي "الحركة الطلابية والتقدمية وحركة الكادحين" إلى مستنقعهم الإصلاحي. وبدأت الخطوات الأولى لهذا الانحراف عبر النقاشات الحلقية المغلقة، ثم عبر صياغة ونشر كتابات ومساهمات فكرية موقعة بأسماء مستعارة لتمرير السموم بالتدريج، ثم عبر التسلل المنظم لهياكل التنسيق الطلابي (داخل فصائل طلبة النهج الديمقراطي القاعدي لاحقاً وتخريبها) والنقابي العمالي. ومنذ البدايات الأولى والمحطات التأسيسية لجمع شتات الانتهازيين، واليمينيين، ومعهم أقطاب الردة الفكرية والخيانة السياسية (سواء من التحق منهم بـ "النهج الديمقراطي العمالي " أو من أسس تنظيمات وحلقات موازية في سوق الانتهازية)، تم بيع والتنازل عن المصالح الاستراتيجية والتاريخية للطبقة العاملة والجماهير الشعبية مقابل "صحن من عدس" تبخر سريعاً؛ وكان الهدف الأساسي والمحرك الكامن وراء كل هذه الدينامية هو الحصول على صك الشرعية السياسية والاعتراف القانوني العلني من طرف وزارة داخلية وأجهزة النظام التبعي، حتى لو كان الثمن المادي والأيديولوجي المدفوع هو الطلاق الشامل والكامل مع مصالح الجماهير الكادحة الصانعة الفعلية للتاريخ. لقد ظل هؤلاء الانتهازيون يتحينون الفرص السياسية والمنعطفات التاريخية لتحقيق مآربهم الطبقية والاجتماعية في الحصول على نصيبهم من "كعكة الانفتاح والامتيازات"، ضداً على تطلعات الجماهير وتنبيهاً وتنكراً وتصفية لتضحيات رفاق ومن حوصر واستشهد من مناضلي منظمة "إلى الأمام" الثورية الأوفياء. فالتحريفية الانتهازية المؤسسة والمكونة لحزب "النهج الديمقراطي العمالي" استمرت وتستمر في تكالبها وتزويرها الفج للتاريخ السياسي المغربي، عبر القفز العمدي على الحقيقة العلمية الصارمة التي تؤكد بأن هذا الحزب ليس سوى "المولود العاق والتصفوي" لمنظمة "إلى الأمام"، والمتشكل بنيوياً ومادياً في خطها التحريفي الانتهازي اليميني الذي نشأ وتغلغل داخل أحشائها في لحظات ضعفها وانكسارها التاريخي. ومع كل هذه الحقائق الدامغة، تستمر ماكينة الحزب الإعلامية والتنظيمية في نكران التاريخ الفعلي، وتدعي كذباً وزوراً أنها تمثل "الاستمرارية الموضوعية والتاريخية" للمنظمة الثورية السبعينية؛ وعمدت في سبيل ذلك إلى نشر وتعميم وثائق مشبوهة سماها شيوخ ومنظرو الردة بـ "التسلسل الزمني لأهم الأحداث السياسية منذ السبعينات"، وهي وثائق وتواريخ تقفز، وتزور، وتكذب، وتفترس الحقيقة التاريخية. إن الهدف الحقيقي الكامن وراء نشر هذا التسلسل المزيف ليس التوثيق العلمي أو صيانة الذاكرة؛ بل الهدف هو "اختطاف الذاكرة الثورية وتأميم إرث الشهداء" لمنع الأجيال الجديدة والمناضلين الشباب من فهم الحقيقة المادية: حقيقة أن القطيعة الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية الشاملة قد حدثت وفُرضت في سنة 1995، وأن الاستمرارية الثورية واللينينية الحقيقية لا ولم تمر قط عبر هذا المسار الإصلاحي والتصفوي الممسوخ. الفصل الخامس: "النهج الديمقراطي" والقوى الظلامية والرجعية: التحالف الهجين وتدجين الوعي الطبقي 1. منطق الانتهازية والالتقاء الموضوعي مع أعداء البروليتاريا إن حزب "النهج الديمقراطي العمالي"، في جوهره البنيوي وممارسته السياسية، ليس سوى تعبير تنظيمي واجتماعي عن انحراف طبقي محدد يمثل مصالح وتطلعات الشريحة المتبرجزة والمحبطة من البرجوازية الصغيرة. هو تجميع وحلقة من التحريفيين والانتهازيين الذين وجدوا أنفسهم في حالة ضياع فكري وسياسي تام بعد انهيار الأفق الثوري العالمي وانكسار خط السبعينات، ودون أن يمتلكوا القدرة النظرية أو الصلابة المبدئية للاستفادة العلمية والمادية من تجربة الهزيمة لتجديد وتطوير الأداة الثورية المستقلة. فبدل خوض معركة إعادة البناء على أساس مادي نقدي صارم، انشغلوا وتفرغوا للمتاجرة بالمواقف، والشعارات التاريخية، ورصيد الشهداء، دون أي اعتبار حقيقي لمصالح الطبقة العاملة والجماهير الكادحة ومطالبها المادية والاقتصادية. ومن هنا، ومن رحم هذا الانحراف الطبقي والفكري، فإن طرحهم للنقاش، وفتح قنوات الحوار، والتنسيق الميداني والسياسي مع قوى الرجعية الدينية والظلامية الفاشية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون غريباً أو هجيناً عن منطق عملهم وبنيتهم الانتهازية؛ بل هو النتيجة الحتمية والموضوعية لقطيعتهم الشاملة مع الفهم الماركسي-اللينيني العلمي لمفهوم ودينامية الصراع الطبقي. فالتناقض الأساسي والجوهري والموجه للممارسة عند الماركسي-اللينيني الحقيقي هو التناقض البنيوي بين العمل والرأسمال، بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، بين عموم الشعب الكادح وبين التحالف الطبقي المسيطر (البرجوازية الكومبرادورية المليارديرية والإقطاع الجديد) الخادم للإمبريالية العالمية. أما عند المنظر الانتهازي والتحريفي، فيختفي الصراع الطبقي المادي ويتم تعويضه بتناقض سياسي مجرد وشكلي هو التناقض بين مفهوم "الديمقراطية" ومفهوم "الاستبداد والمخزن". وهذا التشويه الأيديولوجي والمفاهيمي الخطير هو الذي يسمح تنظيمياً وسياسياً بإلغاء الفوارق الطبقية، وخلط الأوراق، وإلغاء التمايز البنيوي بين العدو الطبقي والصديق التاريخي، ويفتح الباب لتبرير التحالف مع أي قوى رجعية وفاشية ما دامت ترفع شعار "معارضة المخزن والاستبداد". وقد ظهرت مؤشرات وملامح هذا الانحراف والتمهيد للتحالف مبكراً وبشكل موثق في الأدبيات والوثائق الرسمية للمؤتمرات الوطنية لحزب "النهج الديمقراطي العمالي". ففي وثيقتهم التوجيهية المعنونة بتعريف الحركة الأصولية الإسلاموية، وردت الصياغة التحريفية التالية حرفياً: "تعرف المرحلة الراهنة استمرار صعود الحركات المناهضة للديمقراطية والمتسترة وراء الدين، مستفيدة من انهيار المعسكر الشرقي، وانهيار الفكر والقوميات البعثية، وتخاذل الأنظمة الرجعية وتواطؤها مع الإمبريالية، وغياب قطب يساري مناضل..." أما موقفهم السياسي والعملي من هذه القوى الظلامية والرجعية فصيغ في نفس الوثيقة المعتمدة كالتالي: "نقد أسس ومرجعية القوى الأصولية لأن فكرها يرتكز على بناء الدولة الدينية. لكن هذا النقد لا يعني الدخول في معارك جانبية مع القوى الأصولية، باعتبار أن العدو الأساسي حالياً هو المخزن والطبقات السائدة." إن هذه الصياغة الوثائقية تكشف وتفضح المنهج الانتهازي بكامله: تحويل ميكانيكي ومنظم للصراع الطبقي المادي إلى صراع سياسي مجرد وحقوقي، ثم إعادة ترتيب وفرز الأعداء والأصدقاء طبقاً لما تسمح به الظرفية السياسية وتهافت ال حصول على المواقع والشرعية. والنتيجة والمآل العملي لهذا الخط هو التماهي والالتقاء الموضوعي والميداني مع القوى الرجعية والظلامية، وتغطية مشروعها الفاشي تحت الشعار التضليلي المسمى بـ "توحيد الصف الديمقراطي والمشترك لمواجهة الاستبداد". 2. الموقع المادي والطبقي للقوى الظلامية في التشكيلة الاجتماعية المغربية لكي يكون تحليلنا نقداً مادياً علمياً وشمولياً، لا بد للمناضل الشاب من صياغة وإعطاء قراءة مادية وتفكيك اقتصادي لموقع القوى الظلامية في دينامية ومسار الصراع الطبقي بالمغرب، والابتعاد الشامل عن القراءات الأخلاقية، أو الثقافوية، أو السطحية التي يروج لها الفكر البرجوازي الصغير. إن القوى الظلامية وإسلامها السياسي (بمختلف تلويناتها من جماعة العدل والإحسان إلى حركات الإسلام السياسي البرلمانيالعدالة والتنمية ) في تمظهراتها المعاصرة وبنيتها السوسيو-اقتصادية ليست مجرد ظاهرة فكرية متخلفة أو نزوعات ثقافية طارئة؛ بل هي تعبير مادي عن عمق الأزمة البنيوية والهيكلية لنمط الإنتاج الرأسمالي التبعي، وشكل من أشكال الاستغلال الطبقي والضياع الفكري والروحي للجماهير الشعبية المفقرة والمهمشة بفعل ضربات الرأسمال. إن هذه القوى والتشكيلات الظلامية تشكّل، من منظور تاريخي، الجيش الاحتياطي الأيديولوجي والسياسي للإمبريالية العالمية والأنظمة التبعية في لحظات الأزمات الثورية الحادة وعجز الأحزاب البرجوازية التقليدية عن ضبط الجماهير. وهي قوية وقادرة على إعطاء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة تمظهرات وتفسيرات غيبية، دينية، عرقية، أو طائفية، فتغطي وتحجب بذلك الجوهر المادي للوضع القائم: استغلال القيمة الزائدة للطبقة العاملة ونهب الثروات الوطنية لصالح الاحتكارات الكبرى. وبذلك، تشكل الرجعية الدينية إحدى أهم وأخطر الآليات والأجهزة الأيديولوجية والمليشياوية التي تعتمد وترتكز عليها البرجوازية والتحالف الطبقي المسيطر لدك، وتفتيت، وتدمير أي حراك شعبي أو صراع طبقي ذي بعد جماهيري كادح وراديكالي. فالقوى الظلامية تستهدف بالضرب والتخريب وعي الجماهير الطبقي قبل أن تستهدف تنظيماتها السياسية؛ لأنها تدرك وتفهم جيداً، بفعل غريزتها الطبقية، أن أي حركة جماهيرية كادحة تستوعب التناقضات المادية للواقع وتتجاوز الهويات الدينية والغيبيات الضيقة، هي حركة ثورية قادرة على رسم معالم التغيير الجذري وإسقاط الامتيازات الطبقية للجميع. وبهذه التوافقات والتنازلات التي يقدمها التحريفيون، يلتقي النظام التبعي القائم والقوى الظلامية في المضمون والمشروع الطبقي المستقبلي الكامن وراء الشعارات: وهو العمالة والارتباط البنيوي بالإمبريالية العالمية ورأس المال المالي في آخر المطاف. بل إن الرجعية والظلامية تصبح في مراحل معينة من الصراع الطبقي أكثر تطرفاً، وشراسة، وفاشية في الدفاع عن بنية النظام القائم واستمراريته، بما يوفره لها هذا النظام من مصالح اقتصادية وامتيازات اجتماعية مشتركة وقاعدة للاستثمار العقاري والتجاري بريع الدين. فهي حريصة كل الحرص، بنيوياً وإيديولوجياً، على محاربة وتدمير التعليم العمومي العلمي، والتمسك بالجهل، والتخلف الفكري، ومحاربة الفلسفة والعلوم الإنسانية، حتى تستطيع نشر خرافاتها وأفكارها الغيبية وتعبئة وحشد الجماهير والشباب وفق نوازع وانفعالات دينية غيبية غير قابلة للنقاش أو المساءلة العلمية. لهذا السبب التاريخي والنظري الثابت، تظل وتبقى كل حركات التحرر الوطني والأنوية الثورية للبروليتاريا، مهما كانت تقدميتها بسيطة، في حالة تناقض وجودي، طبيعي، وجذري لا يمكن جسره مع القوى الظلامية والرجعية؛ لأن الحركة الثورية تهدف من جهة إلى تقويض وهدم ركائز النظام الرأسمالي التبعي وما يوفره للرجعية من امتيازات ومواقع، ومن جهة أخرى تقضي بالوعي والعلم على البنية الطبقية والنفسية التي تستثمر وتقتات فيها الرجعية على جهل وبؤس وأمية الجماهير الشعبية. 3. الوظيفة والمهمة الطبقية للرجعية أمام الفعل الجماهيري لفهم وتفكيك موقع، وآليات عمل، وطبيعة القوى الظلامية والرجعية الدينية بالمغرب، يكفي المناضل الشاب أن يطرح السؤال اللينيني البسيط والحاسم: ما هي المهام والأدوار الطبقية الفعلية التي تقدمها وتؤديها الرجعية في حقل الصراع؟ والجواب العلمي والمادي عن هذا السؤال يتحدد ويتحكم فيه منطلقان بنيويان ومترابطان: أ. المنطلق الموضوعي: أداة النظام لتفتيت الحراك يرتبط هذا المنطلق أساساً وعضوياً بعلاقة الرجعية التاريخية والمادية مع النظام التبعي القائم بالمغرب. فصراعها ومناوشاتها المرحلية، أو الآنية، أو السقفية معه حول بعض القوانين أو الحصص السياسية لا يمكنه أبداً أن يخفي أو يحجب إيمانها العميق به ومشاركتها الفعلية والطبقية في مشروعه الرأسمالي وفي قمع الكادحين. إن وجود واستمرارية هذه القوى الظلامية كبنية سوسيو-سياسية رهين ومستند موضوعياً باستمرارية الاستغلال الطبقي وبقاء الدولة التبعية، وما يعنيه ذلك من تناقض صريح، مطلق، وميداني مع أي فكر تحرري أو ممارسة علمية ثورية على المستوى الفكري والتنظيمي. وهنا يتضح ويبرز حجم الأدوار والخدمات الجليلة التي تقدمها وتوفرها الرجعية للنظام التبعي؛ حيث يتم توظيفها، وزرعها، وغض الطرف عنها أمنياً في مراحل متعددة لتتحرك كـ "نقيض ميكانيكي ومليشياوي مباشر" في كافة الحقول والمواقع التي يتواجد وينمو فيها الفكر العلمي والفعل والممارسة التقدمية والثورية: الحركة الطلابية (اغتيال المناضلين فصيل النهج الديمقراطي القاعدي وعموم التقدميين)، وحركة المعطلين، والأسواق الشعبية والباعة المتجولين، وسائر الحركات الاحتجاجية العفوية لفرملتها وتوجيهها نحو مطالب شعائرية أو غيبية. وفي الأوقات والمنعطفات التاريخية الحادة التي يبلغ فيها الصراع الطبقي مراحل متقدمة وضارية، ويقترب فيها التحالف الطبقي المسيطر من التفكك وخسارة مراكز قوته بفعل الهجوم الجماهيري، يستنجد النظام بالرجعية الدينية ويطلق يدها. فيفتح لها آفاقاً واسعة للعمل الميداني والجمعوي، ويمنحها هامشاً مهماً من الحرية والتحرك على المستوى السياسي والإعلامي، وقد يتطور الأمر لفتح باب الامتيازات المتعلقة بالوزارات والتحالف الحكومي، بل قد يصل الأمر إلى اقتسام مكشوف للسلطة وإعادة هندسة المشهد السياسي تفادياً لاندحار وهدم التحالف الطبقي الحاكم وحفاظاً على البنية الطبقية التي تمنح الطرفين الامتيازات والمواقع على كاهل وعظام الجماهير المسحوقة. والنموذج التاريخي الأوضح والأقرب العياني في السياق المغربي المعاصر، كان ما حدث وتكرس مع حراك سنة 2011 وانطلاقة "حركة 20 فبراير"؛ حيث اضطر النظام التبعي، بفعل الخوف من تمدد وجذرية الشارع وتوجيهات الإمبريالية، إلى فتح الباب على مصراعيه أمام تقاسم شكلي وحكومي للسلطة والمواقع السياسية مع قوى الإسلام السياسي (حزب العدالة والتنمية كواجهة برلمانية)، مقابل قيام القوى الظلامية والرجعية (بمختلف أطيافها المشاركة والمنسحبة تكتيكياً كجماعة العدل والإحسان) بدورها التاريخي والطبقي في كبح، فرملة، لجم، وضرب الحراك الاجتماعي وشق صفوفه وتفكيك وعيه وطاقته الكفاحية. وجرى استغلال وتوظيف الوازع والمشاعر الدينية العفوية لدى المغاربة لقبول وتمرير أطروحة "الحكومة الملتحية" ككفيل ومهدئ أيديولوجي لإعطاء إجابات زائفة وتصفوية عن المطالب الديمقراطية والاقتصادية الراديكالية التي نادت بها الجماهير الشعبية في الشوارع. ب. المنطلق الذاتي: البراغماتية والركوب على المعارك يتحدد هذا المنطلق وينبثق مباشرة من أجندات الرجعية الدينية الذاتية، ومشاريعها الطبقية المستقبلية، التي ترسم جوهرها الحقيقي وعلاقتها الانتهازية بالجماهير الكادحة. فالقوى الظلامية تجيد وتتقن لعبة شد الحبل، والمناورة، والتفاوض السقفي مع النظام التبعي القائم لاستغلال لحظات ضعفه وانكشافه عند اشتداد الصراع الطبقي، لفرض شروطها وتوسيع مواقعها في أجهزة الدولة والسياسة وتأسيس وتثبيت العلاقة الجديدة المرتقبة بين القطبين. إن النظام يتراجع ويتنازل تكتيكياً للرجعية عن بعض المواقع والامتيازات المادية، مقابل أن تتولى الرجعية عبر آلياتها الأيديولوجية والجمعوية والمليشيات التابعة لها كبح نضالية وكفاحية الجماهير المسحوقة ومهاجمة وتصفية الأنوية الطليعية لحركات التحرر الوطني واليسار الثوري. ويحدث هذا المنعطف التوافقي بالضبط خلال الهزات والأزمات الهيكلية الشديدة التي يعرفها التحالف الطبقي المسيطر وما يعرفه من تناقضات وصراعات أجنحة داخلية. إذن وبالمحصلة المادية، فإن عمل الرجعية ومشروعها الذاتي يتحدد ويبنى انطلاقاً من ركوبها الانتهازي على معارك الكادحين وانتفاضات الجماهير الشعبية وتسخير دمائهم وتضحياتهم العفوية كوسيلة للضغط من أجل الحصول على تنازلات وحصص أكثر من طرف النظام، والوصول إلى منابع الثروة والسلطة السياسية والريع. فالرجعية يمكنها أن تقف وتتواجد في مراحل تكتيكية معينة ومؤقتة مع الجماهير في الشارع وتؤطر فعلها العفوي، لكنها مستعدة دائماً وبشكل سريع للتراجع، والانقلاب، بل والتحول إلى أداة فاشية وبوليسية لكبح وقمع وتصفية الحركة الاحتجاجية بمجرد تحقيق مبتغاها الطبقي واحتلالها لمراكز متقدمة في هرم القيادة السياسية والاقتصادية للدولة التبعية. 4. العلاقة البنيوية بين الرجعية والجماهير: حدود المصلحة الطبقية في صياغة علاقتها الميدانية والسياسية مع الجماهير الشعبية، لا وتتوقف الرجعية الدينية والظلامية إطلاقاً إلا عند حدود مصالحها الطبقية والمادية المباشرة والاستراتيجية، دون أي مراعاة أو التزام بتطلعات وآمال الجماهير الكادحة في التحرر والانعتاق الحقيقي وغد أفضل. إن عودتها وحركتها وسط الجماهير يحكمها ويحدد مسارها شقان ماديان متكاملان يمثلان عقيدتها: • الشق الذاتي: حاجتها البنيوية والموضوعية إلى استمرار وتكريس واقع البؤس الاجتماعي، والجهل الفكري، والفقر المدقع، والأمية؛ لأنها تجد وتكتشف في هذا المستنقع الاجتماعي والطبقي التربة الخصبة والملائمة للنمو، والتغلغل، والازدهار والتبشير بخرافاتها. إن نمو وتجذر الوعي الطبقي العلمي وسط الكادحين يمثل الخطر المميت والقاتل بالنسبة لوجود الرجعية. • الشق الموضوعي: حاجتها التاريخية إلى استمرار سيطرة وإعادة إنتاج نفس النظام الطبقي والرأسمالي التبعي القائم، وما توفره وتفرزه تناقضاته وأزماته الهيكلية الدورية من فرص سياسية ومساحات للعب والمناورة على اختلال موازين القوى. إنها تستعمل وتوظف غضب الكادحين وجسدهم في الشارع كدروع بشرية للحصول على تنازلات ومصالح وحصص ريعية من النظام، ثم تعود وبسرعة إلى صف ومواقع النظام عبر لجم وحصار حركية الجماهير، وتصفية واغتيال المناضلين الثوريين، وضرب حركات التحرر الوطني والبروليتاري صيانةً وحفاظاً على البنية الطبقية والنظام الاجتماعي القائم الذي يضمن بقاءها. 5. الآليات والأجهزة الأيديولوجية لإعادة إنتاج الاستغلال والتبعية إن الأنظمة الديكتاتورية التبعية، والطبقات السائدة والمسيطرة طبقياً، تسعى دائماً وبشكل غريزي ومنظم، في أية تشكيلة اقتصادية-اجتماعية رأسمالية، إلى المحافظة الشاملة على علاقات الاستغلال، والاستعباد، والتبعية. وذلك عبر تشغيل وإعادة إنتاج ما هو سائد من علاقات إنتاج متخلفة بواسطة شبكة من أجهزتها الأيديولوجية التقليدية والحديثة المترابطة: 1. المناهج التعليمية والتربوية الرجعية والتصفوية: مناهج تستمد وتستعير مرجعيتها المعرفية والطبقية من الفكر الإقطاعي والعهود البائدة، وتقوم بنيوياً على التلقين الميكانيكي الأعمى بدل الفكر النقدي العلمي، وعلى تكريس ثقافة الطاعة، والامتثال، والاستسلام للواقع بدل الفعل، والمقاومة، والتغيير الجذري. 2. سيادة ومأسسة "الإكليروس" والكهنوت الديني الرسمي: توظيف واستعمال دور العباد والمؤسسات الدينية الرسمية لإخضاع الشعب وتدجين وعيه وتبرير القمع والفقر، عبر ترويج الفكر الغيبي الاستسلامي القائل بأن الحاكم والتحالف الطبقي المسيطر يستمدون مشروعيتهم وسلطتهم من "السماء" ومن "العرق النقي والنسل الطاهر"، وهو الامتداد التاريخي والمادي الحقيقي لما كانت عليه عصور الظلمات الفيودالية في أوروبا العصور الوسطى، والمستمر والمكرس اليوم في بنيات بعض الأنظمة الوراثية والتبعية كالمغرب. 3. الجهاز الإعلامي والديماغوجي المسخر: استعمال وتوجيه كافة الوسائل الإعلامية، والسمعية البصرية، والصحفية لممارسة الديماغوجية والتضليل الطبقي الممنهج عبر إعلام رسمي ومأجور، وأقلام مسترزقة، وبموازاة وتكامل مع أحزاب، ونقابات، وجمعيات مجتمع مدني تابعة تروج للخطاب الرسمي وتدافع عن الاختيارات الطبقية للدولة ولكن بقوالب لغوية جديدة وأيديولوجيات تبدو مختلفة ومتنوعة شكلاً (لبرالية، حقوقية، إصلاحية) ولكنها تتفق وتلتقي جوهرياً وتاريخياً في الأهداف الاستراتيجية: تثبيت، صيانة، وإعادة إنتاج النظام الرأسمالي التبعي القائم. ومن رحم هذا التفكيك المادي للواقع، يستوعب المناضل الشاب بوضوح ويقين لماذا لا يمكن لأي مشروع سياسي ثوري وبروليتاري أن يكتب له النجاح التاريخي دون أن يضع مسألة الصراع الفكري والميداني الضاري ضد الرجعية الدينية والظلامية في قلب وجوهر مهمته الاستراتيجية والتنظيمية اليومية. ومن هنا أيضاً، نفهم ونكتشف الحجم الكارثي للردة والقطع مع مشروع التحرر الوطني والبروليتاري الحقيقي، عندما تحول حزب "النهج الديمقراطي العمالي" بأطروحاته التصفوية إلى "شريك حوار وتنسيق وطبخة سياسية وميدانية" مع نفس القوى الظلامية والرجعية التي تستخدم الدين كأداة طبقية لتثبيت السيطرة وتدجين وعي الكادحين. الفصل السادس: التنسيق السياسي والتقارب الميداني بين "النهج الديمقراطي" وجماعة العدل والإحسان 1. السياق التاريخي للتقارب ومناورة حركة 20 فبراير 2011 إن التقارب السياسي، والتنسيق الميداني والعملي بين حزب "النهج الديمقراطي" وجماعة العدل والإحسان (القطب الأكبر للرجعية الظلامية بالمغرب)، وما رافقه وصاحبه من فرقعات إعلامية، وتبريرات نظرية تهافتت من الطرفين، لا يمكن للمناضل الشاب فهم واستيعاب حقيقته الطبقية خارج سياقه التاريخي والمادي المباشر: ونقصد هنا لحظة سنة 2011 وانطلاقة "حركة 20 فبراير" الاحتجاجية. في تلك اللحظة التاريخية الحرجة والملتهبة، اختار التحالف الطبقي الحاكم والمسيطر بالمغرب، وبتوجيه وإيعاز وإشراف مباشر من الدوائر الإمبريالية العالمية (وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية والفرنسية وبدعم مالي من الكيان الوهابي الخليجي)، تطبيق واعتماد سيناريو ومناورة سياسية مزدوجة ومركبة لاحتواء المد الجماهيري الراديكالي وحماية بنية جهاز الدولة التبعية من السقوط: 1. الدفع وتسهيل مأمورية حزب الإسلام السياسي البرلماني (حزب العدالة والتنمية): لتصدر المشهد السياسي والفوز الصوري في انتخابات نهاية سنة 2011 وتشكيل الحكومة، لتغليط وتدجين الجماهير الشعبية وإقناعها بالوهم القائل بأن "التغيير الجذري ومحاربة الفساد ممكناً" عبر صناديق الاقتراع ومؤسسات النظام الدستورية. 2. إرضاء ومغازلة جماعة العدل والإحسان (القطب الظلامي الميداني): لدفعها وتسهيل انسحابها التكتيكي والمفاجئ من مسيرات وساحات حركة 20 فبراير (وهو الانسحاب الشهير في دجنبر 2011 الذي قصم ظهر الحراك ميدانياً)، عبر فتح قنوات الحوار والاتصال السري والعلني معها وتقديم التزامات وضمانات بعدم ضرب بنياتها الاقتصادية والجمعوية والمالية والاكتفاء بالرقابة. وكانت الرسالة السياسية والأمنية الموجهة من طرف أجهزة الدولة إلى قيادة الجماعة واضحة وبراغماتية للغاية: "لقد أثبتنا لكم وللجميع في الشارع أنكم قوة ميدانية لا غنى عنها ويُحسب لها ألف حساب في توازنات الضبط، لكنكم مطالبون وقادرون أيضاً الآن على البرهنة للنظام وللخارج أن جيشكم وقواعدكم التنظيمية منضبطة لأوامر القيادة ولن تذهبوا بالصراع بعيداً إلى حدود الحرب الشاملة أو إسقاط البنية الطبقية للدولة". وبمعنى علمي ومادي: يسمح لكم بالمشاركة في الضغط والتعبئة الميدانية لتحسين شروط موقعكم وتفاوضكم، ولكن دون كسر السقف الحاكم ودون السماح بنمو بديل ثوري بروليتاري مستقل. والحصيلة المادية والطبقية المباشرة لتنفيذ هذا السيناريو والمناورة كانت ولادة وصعود ما سمي بـ "الحكومة الملتحية الأولى والثانية". وقادت هذه الحكومة المسخرة، طيلة عقد كامل وبإشراف مباشر من المؤسسات المالية الدولية، أشرس وأبشع عملية تجهيز، وتصفية، وإجهاز ممنهج وطبقي على ما تبقى من المكتسبات التاريخية والاقتصادية الزهيدة للطبقة العاملة وعموم الكادحين والمستضعفين المغاربة، والتي تراكمت بالدم والتضحيات منذ ستينات القرن الماضي: حيث جرى تصفية وصعق صندوق المقاصة (الدعم الاجتماعي للمواد الأساسية)، وتمرير الخوصصة والتعاقد التخريبي في قطاعي التعليم والصحة العموميين، وضرب الحق في الشغل القار والوظيفة العمومية، وتمرير المخطط التصفوي لأنظمة التقاعد الكارثي. وكل هذه الجرائم والمخططات الطبقية تم تشريعها وتمريرها دون المساس قيد أنملة بناهبي المال العام، أو بالامتيازات الضريبية والاقتصادية الهائلة للتحالف الطبقي الحاكم والشركات العابرة للقارات، أو بأجور وتقاعد البرلمانيين والوزراء الكومبرادوريين، أو بآليات التهرب والتملص الضريبي للرأسمال الكبير. والدرس التاريخي والأيديولوجي المستخلص هنا للمناضل الشاب واضح وجلي: ما يتحكم، ويوجه، ويحسم في النهاية مسار العلاقات والتحالفات السياسية والتنظيمية ليس هو الشعارات المرفوعة، بل هو المصالح الطبقية والمواقع المادية الفعلية. ومن يرفض القطع الأيديولوجي والعملي الشامل مع النظام الرأسمالي التبعي وبنيته السياسية، وينبذ الاختيار الثوري، سينتهي به المطاف والممارسة حتماً إلى التكيف البنيوي معه وتدبير وإطالة أمد أزمته التاريخية على حساب دماء وجيوب الكادحين. 2. تهافت "النهج الديمقراطي العمالي" والبحث عن شرعية مفقودة في هذا السياق التاريخي والموضوعي من الانكسار والتراجعات، سعى ويسعى حزب " النهج الديمقراطي العمالي " عبر قيادته وأطروحاته التصفوية إلى محاولة بائسة ومكشوفة لاسترجاع ما يمكن تسميته بـ "البكارة والشرعية السياسية المفقودة" وإيجاد موطئ قدم واعتراف رسمي في الخريطة السياسية للنظام، بعد أن فقد التنظيم كلياً مبادرته الميدانية وانفصلت أجهزته عن قلاع الصراع الطبقي الحقيقي. وعمد في سبيل ذلك إلى رفع شعارات رنانة وفضفاضة من قبيل صياغتهم الرسمية المعتمدة في وثائق المؤتمر الرابع: "بناء حزب الطبقة العاملة والجبهة الموحدة للتخلص من المخزن وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية" وبموازاتها شعار: "لا مفر ولا غنى عن إطلاق حوار وطني شامل بين القوى الحية لوضع المبادئ والأسس العامة للدولة والمجتمع البديلين". لكن هذه الشعارات المكتوبة والشفوية صاحبها ورافقها تراجع عملي وميداني خطير ومخزٍ عن المواقف الكفاحية السابقة؛ فبدل البناء المادي والتنظيمي على التناقض البنيوي والوجودي مع النظام التبعي وجهازه الحاكم وتطوير لجان المقاومة الشعبية، ذهب الحزب بأجهزته نحو السعي الحثيث لمنح التزكية والشرعية السياسية من جديد لمؤسسات وبنيات الجلاد، والبحث والتفتيت عن اصطفافات وتحالفات توافقية مشبوهة مع أعداء ومصفّي الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية (كالرجعية الدينية الظلامية). وكل هذا الانحدار والتراجع الميداني يتم تبريره وتسويقه بوقاحة فكرية للقواعد والشباب تحت عنوان وشعار "المشروع الاستراتيجي المتمثل في تحقيق المجتمع الشيوعي والوفاء لإرث إلى الأمام". إن الهدف الحقيقي والمادي الكامن وراء هذه الصياغات والتحالفات الهجينة ليس استراتيجياً ولا برنامجياً بالمنظور البروليتاري؛ بل الهدف الفعلي هو ضمان استمرار استعباد، وتدجين، وتغليط وعي الكادحين والطبقة العاملة، وطمس وخنق الهوية الكفاحية والراديكالية للجماهير الشعبية التي تأبى الاستسلام والركوع على الرغم من كل ما عانته وتجرعته من سياسات الحديد والنار والدم، كما تبرهن على ذلك تاريخياً انتفاضاتها الشعبية العارمة (انتفاضة مارس 1965، انتفاضة يونيو 1981، انتفاضة يناير 1984، وانتفاضة دجنبر 1990 العمالية). الفصل السابع: تهافت الانتهازية والركوع الأيديولوجي والسياسي أمام أعداء الثورة 1. التسابق على فتات موائد النظام وتشويه مفهوم التحالف من المؤكد علمياً وتاريخياً، ووفقاً لقوانين الصراع والفرز الطبقي، أن شهية الانتهازيين والتحريفيين اليمينيين في قيادة حزب "النهج الديمقراطي" ستزداد وتتسع للارتماء الكلي والسريع من جديد في أحضان وشروط النظام التبعي، للتسابق والتزاحم على فتات ريعه وموائده السياسية والتفكير المحموم في مأسسة وبناء حزب علني شرعي بالكامل يشارك في الاستحقاقات الانتخابية الصورية وبشروط وتكلفة سياسية أقل تكلفة لا تزعج الأجهزة البوليسية. وفي هذا السياق التوافقي والتهافت، نجد التعبير الصريح والواضح لطبيعة الطرف الآخر من التحالف الهجين (الرجعية)، حيث يقول القيادي البارز ومنظر جماعة العدل والإحسان فتح الله أرسلان صراحة وببراغماتية مكشوفة في أدبياتهم الموثقة: "الجماعة لم تكن يوماً ضد المشاركة الانتخابية، إلا أنها تقدر الآن أن الشروط السياسية والموضوعية التي تتم فيها الانتخابات، ومآلاتها، وصلاحيات المنتخبين الدستورية والقانونية، كل ذلك يفرغ العملية الانتخابية من جدواها". إن المضمون والهدف الحقيقي الكامن وراء هذا الموقف وتنسيقهم مع " النهج الديمقراطي العمالي " ليس هو المشاركة المؤسساتية من أجل التغيير الجذري لمصلحة الفقراء والكادحين، بل هو محاولة خلخلة وتعديل موازين القوى السياسية الفوقية وفرض شروط وتوافقات جديدة لتشكيل والاعتراف بحزب سياسي خاص بالجماعة بشروط تضمن لها المواقع والمكاسب. والتحالف والتطبيع السياسي مع حزب " النهج الديمقراطي العمالي الإصلاحي" يدخل ويخدم هذا الإطار التكتيكي للجماعة: وهو إمكانية قيادة أو المشاركة في حكومة إنقاذ وتوافق وطني في مرحلة معينة من الأزمة الهيكلية لإنقاذ البلاد والتحالف الحاكم من "السكتة القلبية والانهيار" بعد انكشاف واحتراق كل أوراق الأحزاب البرجوازية والكومبرادورية التقليدية وفقدان الجماهير الشعبية المطلق لثقتها في اللعبة السياسية برمتها. إن هذا التنسيق هو في جوهره ومحتواه المادي صراع ومساومة طبقية على الحصص، والمواقع، والامتيازات الاجتماعية والسياسية، مقابل القيام بمهمة تلميع وإعادة إنتاج ثلاثية النظام التبعي الحاكمة والمصاغة تاريخياً في أدبيات الحركة الثورية: اللاوطني، اللاديمقراطي، واللاشعبي. فما دام هذا النظام العميل قادراً وقائماً على شراء الذمم، وتوزيع الريع، والدرهم، وتقريب وتدجين الانتهازيين والانتهازيات من بقايا اليسار المتعب، فإنه يفتح لهم قنوات الصرف الصحي والسياسي لتصريف ديماغوجيتهم وشعاراتهم الجوفاء. إنهم يشكلون بالممارسة الامتداد الطبيعي والموضوعي لممثلي وخيار "اليسار اللطيف واللين والمحترم" الذي يصنعه النظام، ورهانه الاستراتيجي والمستقبلي في حقل الصراع لمحاصرة، وضرب، وخنق أي مد أو نهوض راديكالي وثوري كفاحي للطبقة العاملة وحلفائها، كما هو معهود ومرصود عليهم في تاريخ الصراع الطبقي. إن القاعدة الاجتماعية والطبقية الفكرية لكلا الطرفين في هذا التحالف المشبوه (حزب النهج وجماعة العدل والإحسان) هي قاعدة اجتماعية واحدة وموحدة: ونقصد هنا شريحة البرجوازية الصغيرة والمتوسطة المأزومة والطامحة للارتقاء والتسلق الطبقي والمواقع. إن هذه الشريحة الاجتماعية، بطبيعتها وموقعها المتذبذب في الإنتاج، ليست بنيوياً وضد النظام الرأسمالي كنمط إنتاج واستغلال، بل هي فقط ضد شكل ومظهر من أشكال النظام السياسي وتوزيع الحصص والريع. إنها لا تسعى أبداً، ولا تملك المصلحة التاريخية في إنجاز التغيير الجذري والهدم الكامل لأجهزة الدولة، بل تسعى وتكافح بانتهازية من أجل إعادة ترتيب، وتوسيع، وصيانة مواقعها وامتيازاتها وحصصها من داخل وبنية هذا النظام نفسه. لذلك، ولشرعنة هذا السقوط والارتداد الطبقي أمام القواعد، جاءت الصياغة الرسمية والتحريفية المعتمدة في وثائق المؤتمر الوطني الرابع لحزب "النهج الديمقراطي" كالتالي حرفياً: "متطلبات تشكيل قوة جماهيرية قادرة على فرض التغيير قبل فوات الأوان، وتجنيب بلادنا وشعبنا مآسي الحرب الأهلية، ومواجهة خطر القوى التكفيرية، والتزام جماعة العدل والإحسان بالتوافق مع الأطراف الأخرى حول الدولة والمجتمع البديلين، كلها عوامل جعلت الحزب يتبنى الحوار العمومي والنضال الميداني مع كل القوى الحية". وفي نفس السياق التبريري والتصفوي، يكتب القيادي في جماعة العدل والإحسان عبد الصمد فتحي مؤكداً هذا الالتقاء الطبقي البرجوازي الصغير الفضفاض: «سنشق طريقنا كمغاربة بغض النظر عن مرجعياتنا، من أجل تحرير المغرب من قبضة الاستبداد، ومن أجل بناء مغرب حر يسع جميع أبنائه بدون إقصاء ولا هيمنة، مغرب يدبر اختلافاته على أرضية الديمقراطية وسيادة الشعب، في إطار دولة حديثة ومدنية تحافظ على هوية الشعب المغربي». إن الخطاب والمفاهيم الموظفة هنا في هذه الوثائق والاستشهادات المتبادلة هي خطاب ومفاهيم "الوفاق والصلح الوطني والتعايش الطبقي" اللبرالي، وليست إطلاقاً لغة أو مفاهيم الصراع الطبقي والمادية التاريخية. وهي تعكس وتجسد بالضبط والعيان لحظة الارتداد والانتقال التاريخي والنهائي من فضاء وموقع اليسار الثوري البروليتاري، إلى فضاء ومستنقع اليسار الديمقراطي المدني البرجوازي الصغير المهادن. 2. التوظيف الأيديولوجي والطبقي للدين لخدمة السيطرة الطبقية لقد سلط المفكر والماركسي اللبناني الفذ مهدي عامل الضوء الكاشف والعلمي، عبر أبحاثه ومؤلفاته الحاسمة، على طبيعة وبنية الارتباط العضوي والوثيق بين الدين والسلطة السياسية لتثبيت ودعم دعائم الدولة الطبقية السائدة. إن الحكومة والتحالف الطبقي المسيطر يفرضون ويعيدون إنتاج ثقافتهم وإيديولوجيتهم الطبقية السائدة - والتي يشكل الدين السلفي، العادات والتقاليد المحافظة ركيزتها الأساسية - بقوة جهاز الدولة والحديد والدم على الجماهير الشعبية المسحوقة لضمان خنوعها. إن الدين، لأهميته البنيوية والوجدانية العميقة لدى الكثير من الأفراد والكادحين، جاء ونشأ تاريخياً وسوسيولوجياً لإشباع حاجات روحية، ونفسية، ووجدانية، وكنتيجة حتمية وموضوعية لعدم قدرة الإنسان في مراحل تطوره التاريخي الأولى والبدائية على التفسير العلمي والمادي للظواهر الطبيعية المحيطة به وأصل نشأته وبيولوجيته. لكن في ظل شروط وبنية المجتمع الطبقي ونمط الإنتاج الرأسمالي، يتحول الدين والمؤسسة الدينية بالضرورة من مسألة وجدانية وشخصية محايدة، إلى عامل وجهاز أيديولوجي رئيسي وطبقي بامتياز؛ تستخدمه، وتوظفه، وتحتكره طبقة اجتماعية محددة ومسيطرة (البرجوازية والتحالف الحاكم) للسيطرة على ثروات البلاد، ونهب القيمة الزائدة للكادحين، وتمديد عمر سيطرتها الطبقية لأطول مدة تاريخية ممكنة. ولهذا السبب، تورث هذه الطبقات الحاكمة السلطة والثروة، وتورث معها وتطور الآليات والأجهزة الأيديولوجية والغيابية الفعالة التي تضمن بها إعادة إنتاج الطاعة، والاستسلام، والخنوع وسط الكادحين. وعندما يتنازل ويتخلى تنظيم سياسي يدعي الوفاء للماركسية واليسار الثوري عن مهمته التاريخية والأيديولوجية الأولى والأصلية في فضح، وتعرية، وتفكيك هذه الوظيفة الطبقية والتصفوية للدين والمؤسسات الظلامية، ويتحول بانتهازية وتهافت إلى "شريك حوار وتنسيق ميداني وسياسي" مع نفس القوى والتشكيلات الظلامية التي تتخذ من الدين أداة للميكانيزمات الطبقية والقمع، فإنه يتخلى صراحة وعمداً عن دوره التاريخي كطليعة واعية؛ ويتحول بممارسته وتبريراته إلى جزء بنيوي ومساهم في إعادة إنتاج ونشر نفس الآليات الإيديولوجية والغيية التضليلية التي يزعم كذباً في بلاغاته أنه جاء ليحاربها ويسقطها. الفصل الثامن: زمن التراجعات وفقدان البوصلة الطبقية: تشريح الوثائق المرجعية لمنظمة "إلى الأمام" إننا نعيش ونواجه اليوم زمن التراجعات، والتخاذلات، والردة الفكرية بامتياز؛ زمن غاب وانعدم فيه الوضوح الفكري والأيديولوجي والسياسي لدى من يدّعون ويرفعون لافتة الماركسية-اللينينية بالمغرب، وذهبوا بعيداً وبوقاحة في رفع وتضخيم سقف ثوريتهم اللفظية والإنشائية في المنابر، بينما خلطوا، ولوثوا، وصفّوا الأوراق والمنطلقات على مستوى الممارسة المادية والميدانية. إن هؤلاء يدّعون ويزعمون كذباً وتزويراً أنهم يمثلون الامتداد العضوي والاستمرارية التاريخية لمنظمة "إلى الأمام" الثورية؛ لكنهم في الحقيقة والواقع المعاش ليسوا سوى الاستمرارية والمصب التنظيمي لخطها التحريفي الانتهازي اليميني الذي نشأ وترعرع داخل أحشائها في لحظات تراجعها. إنهم يدعون ويتشدقون بالثورية والوفاء للشهداء في الخطب العصماء، والافتتاحيات، والبلاغات الإعلامية الصورية، بينما ينتهجون ويمارسون الردة والرجعية والتصفوية تنظيماً، وهيكلة، وعملاً سياسياً وميدانياً يومياً. هذه الازدواجية البنيوية وانفصام الشخصية الفكرية ليست وليدة صدفة أو غفلة تنظيمي؛ بل تعبر وتجسد بدقة الطبيعة الاجتماعية والطبقية الوصولية، المتذبذبة، والمهتزة لفئة البرجوازية الصغيرة، بحكم موقعها الوسطي والرمادي والحربائي بين التجاذب والصراع الطبقي الطاحن بين البروليتاريا والبرجوازية. إنهم لا ينتمون بشكل حاسم ومادي بممارستهم وموقعهم إلى مواقع ونضالات البروليتاريا والطبقة العاملة، وفي نفس الآن لا يمتلكون الشجاعة الفكرية لقطع حبال الود والصلة مع امتيازات وثقافة البرجوازية الصغيرة. لذلك يتحركون دائماً وأجهزة حزبهم في "المنطقة الرمادية العائمة"، حيث يمكنهم المساومة والبيع والشراء في كل شيء وعرضه في سوق التوافقات: البرنامج الاقتصادي، التحالفات الطبقية، وذاكرة ودماء الشهداء. ولفكفكة وفضح هذا الانفصال التام لحزب "النهج الديمقراطي" عن خط الماركسية-اللينينية، سنقوم بإخضاع ممارسته وبنيته الاجتماعية الحالية للتشريح والمقارنة العلمية المباشرة مع الوثائق المرجعية والأصيلة لمنظمة "إلى الأمام" الثورية، وتحديداً وثائق خط السبعينات ولجنتها المركزية، ليتضح الفارق الشاسع والقطع المادي بين الثورة والتحريفية: أ. ماهية وتعريف الحزب الثوري: حزب البروليتاريا الطبقي المستقل نستحضر الصياغة العلمية والطبقية الصارمة للتعريف اللينيني للحزب كما ورد حرفياً في الوثائق التأسيسية والمقررات التنظيمية الأصيلة لمنظمة "إلى الأمام": "هذا الحزب الثوري المنشود هو حزب البروليتاريا الطبقي، يضم الفصيل الطليعي من البروليتاريا، الفصيل المنظم والمسلح بعلم الماركسية اللينينية، ويقود التحالف العمالي الفلاحي ومجموع الجماهير الكادحة في جميع مراحل النضال، في الهجوم والتراجع". إن التعريف الصادر عن منظمة "إلى الأمام" في أوج كفاحيتها هو تعريف مادي، طبقي، وبنيوي خالص، وينفي ويقطع بالكامل مع القراءات الأخلاقية، الشكلوية، أو الثقافوية البرجوازية الصغيرة. إن الحزب الثوري واللينيني المنشود ليس و لا يمكنه أن يكون "حزب المثقفين التقدميين والأكاديميين"، ولا هو "حزب الشعب عامة والمواطنين" بالصيغة اللبرالية الفضفاضة؛ بل هو حصراً وتاريخياً الفصيل الطليعي المنبثق والمنغرس عضوياً ومادياً في أحشاء ونفس الطبقة الاجتماعية التي يقودها ويمثل مصالحها التاريخية: ونقصد هنا الطبقة العاملة والبروليتاريا. وشرط ومبرر وجوده الأول والأساسي هو التنظيم الحديدي الصارم، والتسلح بالنقاء والسلاح النظري العلمي للماركسية-اللينينية كدليل للممارسة، ووظيفته التاريخية المحددة هي قيادة وتوجيه التحالف الطبقي العمالي-الفلاحي ومجموع الكادحين. وأي خروج، أو ميعان، أو تمييع لهذا التعريف الطبقي هو خروج وموجة ردة تخرج التنظيم مباشرة من موقع الحزب الثوري الطليعي. لقد قطع حزب "النهج الديمقراطي" مع هذا التعريف والمبدأ اللينيني التأسيسي بالكامل وعلى مستوى الممارسة المادية الحية؛ حيث تحول وتطور أجهزته من تنظيم كفاحي يسعى للانطلاق والارتكاز من مواقع ونضالات البروليتاريا الصناعية والمنجمية الكادحة، إلى تنظيم رخواً وميعاً يتحرك، ويتواجد، وينشط حصراً في الفضاءات والمواقع المريحة والآمنة للبرجوازية الصغيرة والمتوسطة: ونقصد هنا فضاءات مكاتب المحاماة، قاعات تحرير الصحافة، الندوات الحقوقية والجمعوية، والحرم الجامعي كفضاء معزول. واليوم، إذا قمنا بتشريح وفحص تركيبته الاجتماعية وبنيته التنظيمية الحالية، سنجد أن قاعدته الاجتماعية الفعلية ومصدر اشتراكاته تتشكل من الشرائح العليا والوسطى من البرجوازية الصغيرة (موظفون، أساتذة، محامون، وأطر جمعوية)، وليس من العمال البروليتاريين في المصانع. ولهذا السبب التاريخي والمادي، تحول خطه السياسي والبرنامجي بالضرورة والتبعية إلى خط تسوية، وتفاوض، ومساومة وترافع، بدل خط إسقاط، وإطاحة، وانتزاع السلطة السياسية. وبذلك فقد الحزب شرط الوجود والارتكاز الأول والأساسي للهوية الطبقية للحزب الثوري اللينيني. ب. جدلية الارتباط العضوي بالجماهير الشعبية في محطتي الهجوم والتراجع نقرأ ونستعرض الموقف والتحليل المادي الدقيق المنشور في وثائق اللجنة المركزية ومقررات منظمة "إلى الأمام" حول مسألة صيانة العلاقة مع الجماهير في أحلك الظروف: "وقد اكدنا على النضال الدفاعي في حالة هجوم العدو المتواصل الذي ينهج نظام الحسن- عبد الله- اللدليمي ببلادنا، لأن الانحراف اليميني يقوم بتنظير انكماش الثوريين في حلقات التكوين النظري في حالة هجوم العدو وتراجع الجماهير الغير المنظم. إن على الحزب الثوري ان يحتفظ بارتباطه بالجماهير في جميع مراحل النضال وفي احلك الشروط واشدها قسوة، وان يكون هيأة الأركان العامة التي تقود العمليات الحربية لجيشها، ولا تنفصل عنه لحظة، مهما كان هذا الجيش صغيرا، ومهما كانت الظروف التي يقاتل فيها". يحتوي هذا النص الوثائقي والتاريخي الحاسم على نقد مزدوج، صارم، واستشرافي صاغته المنظمة بالدم: فهو من جهة أولى يفضح وينتقد الانحراف اليميني الإصلاحي الذي يعمد وينظر لـ "انكماش وانكفاء الثوريين والمناضلين وتراجعهم نحو حلقات التكوين النظري الأكاديمي والصالونات" عند اشتداد الهجوم والقمع البوليسي وتراجع حركة الجماهير؛ ومن جهة ثانية يقطع مع الانفصال المادي والسياسي عن المعارك اليومية للكادحين. إن المبدأ التنظيمي اللينيني الأصيل المقر هنا هو أن الحزب الثوري هو بمثابة "هيئة الأركان العامة لجيش الكادحين"، ودوره ومبرر وجوده هو القيادة الميدانية، والسياسية، والتوجيهية للمعارك، وليس الاكتفاء بصياغة الخطابات والبلاغات الجوفاء. والارتباط بالجماهير وفقاً لهذا المنظور ليس مسألة إنشائية أو شعاراً يكتب، بل هو مسألة وجود مادي، وتواجد فيزيائي، وتنظيم حديدي صلب من داخل ومع أحشاء المعركة اليومية. لقد طبق حزب "النهج الديمقراطي العمالي" بأجهزته وممارسته نموذج وآليات "الانحراف اليميني التصفوي" الذي انتقدته وثيقة السبعينات حرفياً وبحذافيره؛ ففي اللحظات والمنعطفات التاريخية التي شهدت اشتداد الهجوم والقمع البوليسي والطبقي للنظام التبعي (خاصة بعد حراك 2011، وأحداث حراك الريف البطولي 2016-2017، وحراك انتفاضة المنجميين بجرادة)، غاب التنظيم بأطره وأجهزته بالكامل عن قيادة وتوجيه الميدان، واكتفى بدور العاجز الملحق والمكتفي بـ صياغة بيانات التنديد والتضامن الحقوقي الشكلي والندوات الصالونية الحزينة. وفي لحظات ومحطات المد الجماهيري والانتفاض العفوي، دخل التنظيم كعنصر تكتيكي وملحق باهت وتابع من داخل حراك حركة 20 فبراير وحراك الريف، دون أن يمتلك القدرة التنظيمية أو الوضوح الأيديولوجي لتقدم القيادة، أو صياغة الشعارات الطبقية الموجهة، أو طرح شعار البديل والسلطة السياسية للكادحين. وتحول التنظيم بممارسته من "هيئة أركان حرب البروليتاريا" إلى مجرد "مكتب حقوقي وإعلامي لإصدار البيانات وصكوك التضامن الجمعوي". وهذا هو الجوهر الحقيقي والمادي للتصفية التاريخية: التخلي والانسحاب العمدي من مهمة القيادة الفعلية والميدانية للصراع الطبقي. ت. المهمة التنظيمية الاستراتيجية والأولى: بناء وصيانة النواة البروليتارية المصنعية نستشهد بالمقرر والتوجيه التنظيمي الحاسم الذي وضعه خط السبعينات لمنظمة "إلى الأمام" كأولوية قصوى وجب التموقع حولها: "إن المهمة الأولى في بناء الحزب هي بالذات مسألة هويته الطبقية، مسألة التاكيد على الدور القيادي للبروليتاريا، بواسطة بلورة وتاسيس نواة بروليتارية تشكل اساس الحزب الطبقي، ولهذا فنحن نضع مهمة بناء هذه النواة في مركز الصدارة بالنسبة للمهام الأخرى، بواسطة التركيز في الدرجة الأولى، من حيث التنظيم والدعاية والنضال على المراكز البروليتارية الأساسية". إن هذا النص الوثائقي يقلب، ويهدم، ويصحح مجمل المعادلات والتصورات السائدة والمهيمنة في حقل اليسار المغربي بمختلف تلويناته؛ فالمهمة الأولى، والتأسيسية، والاستراتيجية لبناء الأداة السياسية ليست هي "التأطير الشعبي العام"، ولا هي "العمل الحقوقي والترافعي القانوني المفتوح"، ولا هي المشاركة في تجمعات المجتمع المدني؛ بل المهمة المركزية والوحيدة هي بناء وتأسيس النواة البروليتارية الصلبة والمنغرسة في الإنتاج. وبدون تأسيس وصيانة هذه النواة العمالية، يظل التنظيم السياسي بلا أي جذر طبقي مادي، ويصبح معلقاً ومحلقاً في فضاءات الفكر البرجوازي الصغير والانتهازية اليمينية. والتركيز الكامل من حيث الإمكانات التنظيمية، والدعاية الفكرية، والنضال الميداني الشاق على المراكز والمواقع البروليتارية الأساسية هو الشرط المادي والوحيد المؤهل لقيادة الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية نحو الاشتراكية. لقد مارس وصنع حزب "النهج الديمقراطي" العكس النقيض لهذا التوجيه اللينيني الصارم وبشكل منظم ومنذ التسعينيات؛ حيث تخلى بالكامل وبالممارسة الميدانية عن العمل المنهجي والتنظيمي الشاق والصعب داخل المعامل، والمصانع الكبرى، والمواقع المنجمية والاستغلاليات الزراعية الرأسمالية الكبرى بالمغرب. فلا وجود في بنيته الهيكلية لـ خلايا مصنعية عمالية سرية ومحمية، ولا توجد استراتيجية للدعاية وسط العمال، ولا يمتلك نفوذاً نقابياً كفاحياً ومستقلاً عن أجهزة البيروقراطية. وانصرف وتمركز مجمل جهد الحزب البشري، والمادي، والمالي، والإعلامي نحو التموقع داخل النقابات البيروقراطية الرسمية للتعايش معها، والانخراط في الحركات المطلبية الفئوية العابرة للطبقات، والعمل الحقوقي العام والمجرد. والنتيجة والمآل التاريخي المعاش اليوم: تنظيم سياسي بلا أية قاعدة عمالية بروليتارية فعلية، يتحدث إنشائياً وبلا خجل باسم العمال والكادحين في بياناته وفي فاتح ماي، ولكنه لا ينطلق ولا يرتكز بنيوياً منهم أو من مواقع إنتاجهم ومصانعهم. وهذا الغياب والانفصال المادي هو التجسيد الفعلي والقطع الكامل مع الطابع الطبقي البروليتاري. نختم هذا التشريح العلمي والمقارن بالاستناد إلى التحليل السوسيولوجي والاقتصادي المكتوب في وثائق منظمة "إلى الأمام" لتبرير وتوضيح أولوية التمركز حول الطبقة العاملة: "ذلك هو معنى قولنا أولوية العمل داخل البروليتاريا الصناعية و المنجمية. ولا علاقة لمسألة التركيز هنا بمسالة المدينة أو البادية، إذ ان عدد من المواقع البروليتاريا الأساسية جدا تقع داخل البادية كالمناجم مثلا. إن هذا التركيز هو مرحلة اولية ضرورية في مسيرة بناء الحزب الثوري، لماذا؟ • لأن الحزب الثوري هو حزب البروليتاريا الطبقي، هو الفصيل الطليعي المنظم من البروليتاريا ومسلح بالماركسية اللينينية، وقيادة البروليتاريا ليست مسالة نظرية فقط، بل هي مسألة عملية، فلا يمكن تصور الحزب الثوري بدون هوية طبقية فعلية. • لأن البروليتاريا هي الطبقة الثورية حتى النهاية، التي يؤهلها واقعها الموضوعي لقيادة الثورة، في مرحلة النضال ضد الامبريالية، إلى النهاية وانتصار الثورة الوطنية - الديمقراطية- الشعبية والسير بها بخطى ثابتة نحو الاشتراكية. • لأن البروليتاريا المغربية بما تملك من تقاليد نضالية راسخة ما يقرب من اربعين سنة قد اظهرت جدارتها واستحقاقها لقيادة الثورة، سواء في معركة التحرر الوطني ضد الاستعمار المباشر او في النضال الوطني الديمقراطي ضد الاستعمار الجديد يصيغ هذا النص الوثائقي ثلاثة أسباب ومحددات مادية وعلمية حاسمة تبرر أولوية التمركز البروليتاري وتنسف الأطروحات اللبرالية والإصلاحية: 1. تأكيد الهوية الفعلية والممارسة: قيادة وهوية الطبقة العاملة والحزب الثوري ليست مجرد شعار نظري أو يافطة يكتبها المثقفون في ترويسة أوراقهم، بل هي ممارسة عملية ومادية؛ فلا وجود ولا شرعية لحزب يدعي الثورية واللينينية دون أن تكون له جذور وهوية طبقية فعلية ومنغرسة في قلاع البروليتاريا. 2. الموقع الهيكلي في نمط الإنتاج: إن البروليتاريا والطبقة العاملة (الصناعية والمنجمية والزراعية) هي الطبقة الاجتماعية الوحيدة الثورية والمنسجمة حتى النهاية بفعل وموقعها المادي في عملية الإنتاج الرأسمالي؛ فهي التي لا تملك ما تخسره سوى أغلالها وعبوديتها المأجورة، وواقعها الموضوعي والاقتصادي يؤهلها ويفترض قيادتها الحتمية للتحالف الطبقي لإنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية وهدم ركائز التبعية والإمبريالية والسير نحو الاشتراكية. 3. التاريخ الكفاحي الحي: إن البروليتاريا المغربية تمتلك وتختزن تقاليد نضالية، عمالية، وكفاحية تاريخية وراسخة (المنجميون في خريبكة، جرادة، وإيميني، وعمال المعامل بالمحور الصناعي الدار البيضاء-المحمدية)، وأثبتت جدارتها واستحقاقها التاريخي لقيادة الصراع، سواء في محطة التحرر الوطني ضد الاستعمار المباشر والمليشيات، أو في محطات النضال ضد نظام الاستعمار الجديد والتبعية الكومبرادورية. خلاصة واستنتاج: شروط ومقررات الانبعاث الثوري الحقيقي بالمغرب اليوم إن التشريح المادي والمقارنة العلمية الصارمة بين إرث ومقررات خط السبعينات الثوري لمنظمة "إلى الأمام" وبين مأزق وأطروحات حزب "النهج الديمقراطي العمالي" التصفوية، تضع المناضل الشاب وعموم الطاقات الحية لليسار الراديكالي بالمغرب أمام حقيقة تاريخية لا مفر منها: إن أطروحة "النضال الديمقراطي الجماهيري الجذري السلمي" قد أفلست وصفت المشروع الثوري وحولته إلى ملحق حقوقي وجمعوي وتوافقي مع الرجعية والظلامية لخدمة مصالح البرجوازية الصغيرة. إن الخروج من هذا المستنقع والأزمة التاريخية للشرط الذاتي، وفتح أفق حقيقي لانبعاث وإعادة بناء الأداة السياسية المستقلة للطبقة العاملة وحلفائها بالمغرب، يتطلب وبشكل مستعجل ولا غنى عنه التمسك والالتزام بتطبيق الشروط والخطوات الكفاحية والمادية التالية: 1. القطع الأيديولوجي والسياسي والأخلاقي الشامل والنهائي مع خط الانحراف والتصفية اليمينية الإصلاحية: ونبذ أوهام المعارضة القانونية والسقفية، والعودة لتبني النظرية العلمية للماركسية-اللينينية كدليل للممارسة المادية لا كشعار شكلي. 2. الرفض القاطع والمبدئي لأي شكل من أشكال التنسيق، أو الحوار، أو التطبيع السياسي أو الميداني مع قوى الرجعية الدينية والظلامية الفاشية: والوضوح التام بأن دماء الشهداء (عمر بنجلون، المعطي بوملي، وآيت الجيد محمد بنعيسى) هي بوصلة إيديولوجية تمنع أي التقاء مع قتلتهم الإيديولوجيين والفعليين، وأن الصراع ضد الرجعية هو جزء لا يتجزأ من الصراع ضد النظام التبعي والإمبريالية. 3. إعادة بناء وهيكلة التنظيم على قاعدة الأطروحة اللينينية الأصيلة للتنظيم مزدوج البنية (الترابط الجدلي بين السري والعلني): عبر صيانة وتأسيس نواة سرية صلبة، محصنة ومحمية أمنياً وأيديولوجياً، تتولى القيادة الاستراتيجية وصيانة الخط، وتتحرك من خلال واجهات وعلنيات متعددة لربط الصلة المادية بالجماهير وتعبئتها دون السقوط في شرك الاحتواء والعلنية التصفوية. 4. العودة الفورية والمنهجية إلى مواقع الصراع الطبقي المادية والحقيقية: ونقل ثقل العمل البشري والمالي من فضاءات وصالونات البرجوازية الصغيرة إلى أحشاء المعامل، والمصانع الكبرى، والمواقع المنجمية، والاستغلاليات الزراعية، والقرى والمداشر المفقرة، وبناء الخلايا المصنعية واللجان العمالية والفلاحية القاعدية والمستقلة لمواجهة البيروقراطية وتأطير الغضب الجماهيري. 5. استعادة وإعادة بناء الحركة الطلابية داخل الحرم الجامعي عبر منظمتها التاريخية العتيدة "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب" (أوطم): كمنظمة جماهيرية، تقدمية، ديمقراطية ومستقلة، وتطهير الكليات من الفكر السلفي والظلامي والشوفيني، ومواجهة المخططات الطبقية للإجهاز على مجانية التعليم. 6. بناء الجبهة الطبقية الموحدة من الأسفل، من رحم المعارك اليومية الملموسة للكادحين: وتضم حصراً وفقط القوى والشرائح الاجتماعية التي تملك المصلحة التاريخية والموضوعية في إسقاط وتقويض النظام التبعي: وهي البروليتاريا، الفلاحون الفقراء والمعدمون، والشرائح المسحوقة والمفقرة من البرجوازية الصغيرة، على أرضية برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية ذات الأفق الاشتراكي. إن الهدف الاستراتيجي والتاريخي لم يتغير ولم ينل منه خذلان المرتدين والانتهازيين: هدم وتفكيك بنية جهاز الدولة التبعية الكومبرادورية-الإقطاعية وبناء سلطة الكادحين لإنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية كخطوة انتقالية نحو الاشتراكية وعالم بلا استغلال. لا بديل عن التنظيم الثوري الطليعي والمسلح بالنظرية العلمية الماركسية اللينينية .. من اجل خط الجماهير الكفاح الميداني ! المحترفون الثوريون رفاق عزيز المنبهي
#محسين_الشهباني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اقتصاد الريع الجمعوي-السياسي وحثالة البروليتاريا
-
دروس نصف قرن من النضال منظمة إلى الأمام و حركة 20 فبراير وجي
...
-
حول طبيعة طقس الأضحية في المغرب
-
تمظهرات الصراع الطبقي بالمغرب
-
الدعم العمومي للصحافة بالمغرب بين الولاءات وتكريس هيمنة الدو
...
-
حين تتحول الاحزاب التي تدعي -الثورية- إلى عكاز للرجعية
-
من المدرجات: رمز المقاومة الشعبية ضد الحماية... إلى صناعة ال
...
-
الصمت الطبقي بالمغرب بين التراكم البدائي و القمع الناعم
-
القوى الظلامية والصراع الطبقي في المغرب
-
حول فاتح ماي 2026
-
جدل تصوير دورة مجلس البلدي بأزمور من طرف الباشا يكشف صراع ال
...
-
حول اعتقال محمد السانتوس وبعيدا عن لغة الخشب
-
الامبريالية بالدارجة
-
حتى انا شيوعية
-
كل سنة وانتم على العهد باقون ولطريق الشهداء سائرون.
-
رسالتي ...اليك
-
حزب النهج الديمقراطي وارتمائه في مستنقع الإصلاحية
-
في حوار خاص بمُناسبة ال50 سنة لانطلاق الجبهة الشعبية لتحرير
...
-
انا المتيم بجمالك
-
احبك والبقية تاتي عندما نلتقي ..
المزيد.....
-
دعوة لخوض مناظرة سياسية وفكرية حول موقف مقاطعة الانتخابات با
...
-
Self-Engineered Decay: Why Israel’s Political Collapse Canno
...
-
Another Revolutionary Has Fallen
-
The Theatre of Punishment
-
انطلاق أسبوع يارفا بخطابات من اليسار والاشتراكي الديمقراطي و
...
-
غارات إسرائيلية على بلدات البيسارية والصرفند وصفد البطيخ جنو
...
-
القوى المدنية تطرح خارطة طريق لإنهاء حرب السودان
-
الدولة أصل الحكاية.. والنجاة جماعية
-
مزن النيل، 1986-2026 في ذكرى حياة ثورية سودانية
-
رئاسيات كولومبيا.. رهانات العدالة الاجتماعية والديون وإرث بي
...
المزيد.....
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
/ محسين الشهباني
-
ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا
...
/ بن حلمي حاليم
-
ثورة تشرين
/ مظاهر ريسان
-
كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها
/ تاج السر عثمان
-
غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا
...
/ علي أسعد وطفة
-
يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي
/ محمد دوير
-
احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها
/ فارس كمال نظمي و مازن حاتم
-
أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة-
/ دلير زنكنة
المزيد.....
|