أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى أحمد الهوني - بين الراتب وغلاء المعيشة!















المزيد.....

بين الراتب وغلاء المعيشة!


ليلى أحمد الهوني
(Laila Ahmed Elhoni)


الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 07:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(المواطن الليبي في الداخل مثالًا)

بقلم/ ليلى أحمد الهوني

في الآونة الأخيرة، لم يعد ارتفاع الأسعار في ليبيا حديثًا عابرًا يتردّد في المجالس والأسواق، بل أصبح همًّا يوميًّا يرافق المواطن في أدق تفاصيل حياته؛ عند شراء الغذاء والدواء، وتسديد الإيجار، وتأمين احتياجات الأبناء المدرسية، فضلًا عن مصروفات أخرى تتزايد باستمرار، بينما يظل الدخل ثابتًا أو محدودًا؛ في صورة تذكّرنا بالمثل المصري الشهير: «كل شيء بيغلى إلا الماهية زي ما هيَ!».

صحيح أن الغلاء ليس ظاهرة ليبية خالصة؛ فقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من ارتفاع تكاليف المعيشة، متأثرًا بالحروب، واضطراب سلاسل الإمداد، وتقلب أسعار الطاقة والغذاء والنقل.
وليبيا، بطبيعة الحال، جزء من هذا العالم؛ تتأثر بما يصيبه ولا تعيش بمعزل عن أزماته.

غير أن عالمية الغلاء لا ينبغي أن تتحول إلى عذر دائم يُخفى وراءه الخلل الداخلي؛ فهناك فرق بين زيادة تستوردها البلاد من الأسواق العالمية، وأخرى تضاعفها هشاشة الاقتصاد فيها، وضعف الرقابة، وتقلبات سعر الصرف، والاحتكار، وسوء توزيع الموارد، وغياب السياسات التي تحمي أصحاب الدخول المحدودة؛ من الصدام القاسي مع واقعهم المعيشي.

والأزمة في ليبيا لا تكمن في ارتفاع الأسعار فحسب، بل في المسافة المتزايدة بينها وبين رواتب الموظفين والمتقاعدين. فالأسعار تتحرك سريعًا، متأثرة بأدنى تغير اقتصادي في البلاد، بينما تبقى دخول كثير من المواطنين في مكانها، كأنها لا تعني أحدًا. وهنا تحديدًا لا يعود الراتب مقياسًا عادلًا لقيمة العمل، بل يتحول إلى رقم يفقد جزءًا من قدرته الشرائية مع كل موجة غلاء جديدة.

قد يسمع المواطن أن معدل التضخم قد تراجع، ثم لا يجد لهذا التراجع أثرًا واضحًا في حياته؛ لأن انخفاض معدل التضخم؛ لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار أو عودتها إلى سابق عهدها، بل قد يعني فقط أنها لا تزال ترتفع، ولكن بوتيرة أبطأ.
ولهذا قد تتحسن المؤشرات الاقتصادية على الورق، بينما تظل سلة المشتريات أثقل من قدرة الأسرة على اقتنائها.

وتُظهر الأرقام الرسمية معدل تضخم يبدو محدودًا، في حين يشعر الناس بغلاء أشد قسوة مما كانوا عليه؛ لأن معاناتهم لا تُقاس بالمتوسط العام وحده، وإنما بأسعار السلع التي يحتاجون إليها كل يوم، وبالنسبة التي تستهلكها الضروريات من رواتبهم.

فالزيادة التي تبدو صغيرة في أسعار الغذاء أو الدواء قد لا تكون كبيرة داخل مؤشر اقتصادي شامل، لكنها تصبح قاسية على أسرة يذهب معظم دخلها إلى الاحتياجات الأساسية، وقد تضطر إلى الاستدانة لتغطية ما لم يعد راتبها قادرًا على تغطيته.

كما أن اعتماد ليبيا بدرجة كبيرة على السلع المستوردة، يجعل الأسعار شديدة التأثر بقيمة الدينار وتكاليف الاستيراد. وقد شهد سعر الصرف الرسمي تخفيضًا ملحوظًا لقيمة الدينار الليبي خلال عامي 2025 و2026، وهو ما زاد الضغط على القوة الشرائية، ولا سيما حين لا يقابله تحسن حقيقي ومدروس في دخل المواطن.

وقد حذّر "صندوق النقد الدولي" في أحدث تقاريره عن تدهور الاقتصاد الليبي، من أن ضغوط سعر الصرف؛ واستمرار الاختلالات المالية؛ قد يزيدان الضغوط التضخمية؛ وبالتالي يُضعفان قدرة الأسر الليبية على الشراء.*

وحينها لا تكفي زيادة الرواتب وحدها؛ إذا لم تُعالَج جذور المشكلة من الأساس؛ لأن رفع الأجور من دون زيادة الإنتاج؛ وضبط الإنفاق والأسواق قد يرفع الطلب، ثم تبتلع الأسعار تلك الزيادة قبل أن يشعر بها المواطن.

والمطلوب هنا، هو تبنّي سياسة اقتصادية متكاملة تحمي قيمة الراتب؛ وتقوم على استقرار سعر الصرف، وتفعيل الرقابة، ومحاربة الاحتكار، ودعم الإنتاج المحلي، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وربط الأجور بتكاليف معيشة واقعية.

ومن خلال إقامتي في بريطانيا منذ عقود، لفت انتباهي "جانب نفسي" في تعامل الناس مع تغير الأسعار. فإذا افترضنا أن سعر سلعة أساسية كالوقود مثلًا، كان مئة، ثم ارتفع إلى مئة وخمسين، وبعد الاعتراض انخفض إلى مئة وخمسة وعشرين، فقد يشعر المواطنون عندئذٍ بالارتياح لأن السعر قد تراجع عن ذروته؛ لكنهم في الحقيقة؛ ما زالوا يدفعون خمسة وعشرين فوق السعر الأول؛ الذي كان موضع اعتراضهم.

هنا تكمن "الحيلة النفسية" للأرقام: نقارن السعر الجديد بأعلى مستوى وصل إليه، فنشعر أننا ربحنا، بدلًا من مقارنته بنقطة البداية، فندرك أننا استرددنا جزءًا مما فقدناه فحسب، وأن جزءًا من الزيادة قد أصبح واقعًا جديدًا اعتدنا عليه تدريجيًّا ومع مرور الوقت.

وهذا يعد فقط مثال حسابي للتوضيح، وليس "وصفًا حرفيًّا" لزيادة محددة في بريطانيا. كما أنه لا يعني أن كل تخفيض يعد خدعة، أو أن الحكومات تتعمّد دائمًا تضليل مواطنيها؛ فقد يأتي التخفيض نتيجة دعم حقيقي، أو تغيير في الضرائب، أو تحسن في الأسواق. لكن الوعي يقتضي أن نسأل:
هل عاد السعر فعلًا إلى مستواه السابق؟ أم خُفّفت الزيادة فقط، ثم قُدّمت للناس وكأنها زالت تمامًا؟

إن المواطن الليبي حين يشكو من الغلاء لا يطلب رفاهية استثنائية؛ بل يطلب أن يحيا من ثمرة عمله بكرامة، وألّا يتحول راتبه إلى رقم يفقد معناه قبل نهاية الشهر. فالراتب الذي لا يضمن الغذاء والدواء والسكن والتعليم، لا يمكنه أن يمنح المواطن أمانًا وهو داخل وطنه، مهما بدا رقمه كبيرًا في دفاتر الدولة.

ولا ينبغي أن يكون الحل في مطالبة المواطن؛ بالمزيد من الصبر أو التكيف وحده؛ فقد ظل المواطن الليبي سنوات، بل عقودًا، يعيد ترتيب أولوياته، ويؤجل احتياجاته، ويستنزف مدخراته، ويتنازل شيئًا فشيئًا عما كان يعدّه من أبسط حقوق الحياة.

غير أن قدرة الإنسان على الاحتمال ليست موردًا اقتصاديًّا بلا نهاية، والصبر لا يجوز أن يتحول إلى سياسة؛ تُدار بها الأزمات في وطن مثل ليبيا.

الغلاء واقع عالمي، نعم، ولا جدال في ذلك؛ لكن أثره لا يتساوى بين الدول والشعوب. فالمواطن الذي تحميه مؤسسات فاعلة، ورقابة جادة، وخدمات مستقرة، ودخل يتناسب مع مستوى المعيشة، لا يواجه الغلاء بالأدوات نفسها؛ التي يواجهه بها مواطن تُرك وحيدًا؛ بين راتب محدود وسوق مضطربة وضبابية.

ومن الإنصاف ألّا نحمّل ليبيا وحدها أزمة يعانيها العالم، لكن من المسؤولية أيضًا، ألّا نجعل عالمية الأزمة، ستارًا يحجب مواطن الخلل فيها. فثروة البلاد لا تُقاس بما تملكه من موارد فحسب، وإنما بمقدار ما ينعكس من تلك الموارد؛ على أمن الإنسان وكرامته واستقرار أسرته.

لسنا بحاجة إلى الغضب المجرّد، ولا إلى التصفيق لكل انخفاض جزئي؛ بل إلى وعي يقرأ الأرقام كاملة، ويقارن بين نقطة البداية ونقطة النهاية، ويميّز بين تحسن حقيقي وعبء جرى تخفيفه أو تجميله بلغة الأرقام.

فالمشكلة الحقيقية ليست في أن الغلاء يسبق الرواتب فحسب، بل في أن حياة المواطن تظل عالقة في المسافة بينهما، تدفع كل يوم ثمن اتساع فجوة؛ لم يكن هو شريكًا في صنعها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المصادر::
مصرف ليبيا المركزي، «سياسة سعر الصرف»:

https://cbl.gov.ly/exchange-rate-policy/
صندوق النقد الدولي، «البيان الختامي لبعثة مشاورات المادة الرابعة بشأن ليبيا لعام 2026»:

https://www.imf.org/en/news/articles/2026/04/10/mcs-04102026-libya-staff-concluding-statement-of-the-2026-article-iv-consultation-mission



#ليلى_أحمد_الهوني (هاشتاغ)       Laila_Ahmed_Elhoni#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا الآن؟
- مصلحة ليبيا أولًا*
- لا للتأفف*
- الحل… دستور*
- لنبدأ من هنا… (2)
- لنبدأ من هنا*
- ما قبل المولات!
- عندما تُسيَّس الفيفا
- عُدْتُ وشيئاً ما في وطني*
- إلى الجمهورية الإيطالية
- تدرّجية الاخطاء
- إنها الجفرة
- لو قمتي بذلك يا صين!
- كورونا وباء أم حرب!؟
- الفيدرالية حل
- أحقادكم لن تُنسى
- قالك ... ملك ورجال!
- فن إخفاء الجرائم!
- كر وفر
- انها المأس.....اة!


المزيد.....




- -رائع!-.. بوتين يتذوق الكافيار في مصنع معالجة الأسماك بجزيرة ...
- التماسات للنائب العام ورئيس الجمهورية لإخلاء سبيل سبعة محبوس ...
- تسرّب نفطي قبالة عُمان وآخر قرب جزيرة قشم الإيرانية... ما مص ...
- التحالف التركي السعودي الباكستاني.. أنقرة تكشف ملامحه ومستقب ...
- بوتين يهاتف محاربا قديما بمناسبة عيد ميلاده الـ101
- سلام يكشف اختراق حسابه ويعيد نشر موقفه من الاعتداءات الإسرائ ...
- شاهد.. شهب البرشاويات تضيء سماء روسيا
- اشتباكات عنيفة بين الحريديم والشرطة الإسرائيلية أثناء احتجاج ...
- ركاب طائرة يرصدون كسوف الشمس الكلي أثناء رحلة خاصة
- بوتين يتابع مناورات بحرية من على متن طراد -فارياغ- ويتناول ا ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى أحمد الهوني - بين الراتب وغلاء المعيشة!