أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها















المزيد.....

ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 12:14
المحور: المجتمع المدني
    


نعم سيدتي، ما يزال التفاوت الطبقي في العراق صارخًا إلى حدّ يوجع الذاكرة.

قبل أعوام، استوقفني تاريخ صعود الطبقة الوسطى العراقية وهبوطها، فكتبت يومها ست حلقات عن مسار هذه الطبقة ونشرتها على موقع «الحوار المتمدن». كنت أبحث في سيرة طبقة وُلدنا في فضائها أحرارًا، لم تكن طبقة مترفة، لكنها كانت تمتلك ما هو أثمن من الثراء: الكرامة، والتعليم، والعمل، والقدرة على الحلم.

كانت الطبقة الوسطى تقول لنا، ببساطة، إن الإنسان يستطيع أن يصنع مستقبله بعمله، وأن الشهادة يمكن أن تفتح بابًا، وأن الوظيفة تمنح صاحبها حياة محترمة، وأن البيت الذي يبنيه الأب يمكن أن يكون بداية أفضل لأبنائه.

ثم بدأ كل ذلك يتشقق.

في عام 2011، وفي إسطنبول، جمعني إفطار رمضاني بالراحلة زها حديد. دار الحديث حول الطبقة الوسطى العراقية، وكيف أمكن لبلد كان يمتلك طبقة مهنية وتعليمية واسعة أن يدفع بها، خلال عقود قليلة، إلى حافة العوز.

تحدثت زها عن عائلة عراقية وظيفية كانت تقضي صيفها بين بيروت ولندن، ثم جاءت سنوات الحصار لتقلب حياتها رأسًا على عقب ، عائلة انتهت إلى بيع مدفأة الشتاء كي تشتري بثمنها ما يسد رمقها.

كنت أستمع إليها، لكنني لم أكن أسمع قصة عائلة أخرى.

كنت أسمع شيئًا من حياتي.

فأنا أيضًا بعت، في تلك الأيام من «الحرب الخرساء»، مدفأة يابانية حديثة. لم تكن المدفأة بالنسبة إليّ مجرد جهاز منزلي. كانت قطعة من حياة كنا نظن أنها مستقرة، ومن عالم كنا نعتقد أنه سيبقى معنا.

بعتها كي نسد رمقنا، أنا وأطفالي الخمسة.

ومنذ ذلك اليوم لم تعد المدفأة في ذاكرتي مدفأة.

صارت شاهدًا.

شاهدًا على طبقة اجتماعية كانت تنحدر درجة بعد أخرى، وهي تحمل معها كتبها وشهاداتها ومهنتها وذكرياتها وأثاث بيوتها، حتى لم يبقَ لديها ما تبيعه سوى صبرها.

كانت تلك سنوات الحصار، سنوات لا تحتاج إلى مدافع كي تصنع الخراب. كان الخراب يدخل البيوت مع ارتفاع الأسعار، ويجلس إلى مائدة العائلة، ويشارك الأطفال خبزهم، ويجعل الأب يحسب ما يمكن بيعه اليوم كي يستطيع شراء ما يحتاجه غدًا.

ولم نكن نعيش أزمة اقتصادية فحسب.

كنا نعيش اقتلاعًا اجتماعيًا بطيئًا.

فالفقير كان يزداد فقرًا، لكن الأخطر أن الموظف والمتعلم والطبيب والمهندس والمعلم وصاحب المهنة الحرة بدأوا يفقدون الاعتقاد القديم بأن العمل والكفاءة يمكن أن يصنعا حياة كريمة.

وهنا بدأت الطبقة الوسطى تفقد وظيفتها الاجتماعية قبل أن تفقد دخلها.

ثم انتهى الحصار.

وظننا أن الأسوأ قد انتهى.

لكننا اكتشفنا أن ميدوسا كانت قد خرجت من الأسطورة ودخلت الاقتصاد والمجتمع والسياسة.

ميدوسا العراقية ليست امرأة ذات شعر من الأفاعي ، إنها منظومة، كلما وقعت عينها على شيء حوّلته من قيمة عامة إلى غنيمة خاصة.

تحول الوطن إلى مورد.

والوظيفة إلى حصة.

والمؤسسة إلى ملكية.

والثروة العامة إلى ثروات خاصة.

والتعليم إلى سلعة.

والمدينة إلى عقار.

والمواطن إلى رقم في طابور طويل من الخاسرين.

أما الذهب، فلم يعد وسيلة للعيش ،صار غاية بذاته.

وهنا تصبح المفارقة العراقية أكثر قسوة:

الطبقة الوسطى كانت تبيع مدافئها كي تأكل، بينما كانت طبقة أخرى تبني ثروتها من بيع الوطن.

بين المدفأة والذهب يمكن اختصار جانب كبير من المأساة.

لم تكن الطبقة الوسطى تطلب ثراءً فاحشًا. كانت تريد فقط حياة عادية: راتبًا يكفي، بيتًا آمنًا، مدرسة جيدة لأبنائها، وشيخوخة لا تحتاج فيها إلى السؤال عن ثمن الدواء.

لكنها خسرت، بالتدريج، حتى هذا الحق البسيط.

وهنا لا تعود القضية مجرد تفاوت في الدخول.

إنها قضية تحول في طبيعة الاقتصاد نفسه.

فقد انتقلنا، على مدى عقود، من حلم اقتصاد يستطيع أن يصنع طبقة وسطى واسعة ومنتجة إلى اقتصاد تتسع فيه المسافة بين من يملك ومن لا يملك، ويصبح الريع والاستحواذ أقرب إلى طريق أسرع من العمل والإنتاج والكفاءة.

وهنا يمكن استعارة مفهوم اقتصادي معروف هو Beggar-thy-neighbor، «سياسة إفقار الجار»، ولكن بصورة داخلية أكثر قسوة: إفقار الجار داخل الوطن نفسه.

أن تتحسن حياة قلة، لا لأنها خلقت ثروة جديدة للمجتمع، بل لأنها استحوذت على نصيب أكبر من الثروة الموجودة أصلًا ، وأن يتسع رصيدها كلما ضاقت قدرة الأكثرية على الوصول إلى الموارد والفرص.

ذلك هو الاقتصاد حين يتحول من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد استخراج.

فالاقتصاد المنتج يخلق قيمة جديدة: مصنعًا، مدرسة، مستشفى، شركة، معرفة، وظيفة، ومهارة.

أما الاقتصاد الاستخراجي فيبحث أولًا عن السؤال الآخر: من يستطيع أن يضع يده على القيمة الموجودة أصلًا؟

ولهذا كان يمكن للعراق أن يبني اقتصادًا مختلفًا ،اقتصاد المنفعة المتبادلة، Mutual Gain، حيث يصبح نجاح الطبيب منفعة للمجتمع، ونجاح المعلم استثمارًا في المستقبل، ونجاح المهندس إضافة إلى الإنتاج، ونجاح المستثمر المنتج فرصة لخلق وظائف وثروة جديدة.

كان يمكن أن يصبح نجاح الفرد طريقًا إلى نجاح الجماعة.

لكن حين تنفصل الثروة عن الإنتاج، يصبح نجاح الفرد أحيانًا منفصلًا عن نجاح المجتمع، بل قد يتحول إلى نقيضه.

وهنا تعود ميدوسا.

فميدوسا الاقتصادية لا تكتفي بتحويل الأشياء إلى حجر ، إنها تحوّل المصلحة العامة إلى مصالح خاصة.

تحوّل العمل إلى وظيفة، والوظيفة إلى امتياز، والامتياز إلى نفوذ، والنفوذ إلى ثروة، والثروة إلى سلطة، ثم تعيد الدورة من جديد.

وفي هذه الدورة تحجّرت الطبقة الوسطى أمام أعيننا.

تحجرت أحلامها.

ثم بيوتها.

ثم قدرتها على الصعود.

ثم ثقتها بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.

ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي لم يعد:

من يملك المال؟

بل:

كيف صُنعت هذه الثروة؟ ومن دفع ثمنها؟

هل نبني ثروة يستطيع المجتمع كله أن يشارك في إنتاجها والانتفاع بها، أم ثروة لا تكبر إلا كلما اتسعت دائرة المحرومين منها؟

بين Beggar-thy-neighbor وMutual Gain تقع، في نهاية المطاف، مسافة تتجاوز الاقتصاد نفسه.

إنها المسافة بين اقتصاد يرى المجتمع مجموعة من الشركاء، واقتصاد يراه مجموعة من الفرائس.

وبينهما تقع حكاية الطبقة الوسطى العراقية.

طبقة لم تكن تبحث عن الذهب.

كانت تبحث عن حياة عادية.

كانت تريد أن تدفئ بيتها في الشتاء.

لكنها اضطرت إلى بيع المدفأة كي تعيش.

أما ميدوسا، فلم تكن تريد مدفأة.

كانت تريد كل شيء.

ولهذا لم يعد أخطر ما في الحكاية أن الطبقة الوسطى فقرت.

الأخطر أنها تحجّرت.

تحجرت أمام عيوننا، بينما ظل الذهب يتحرك في الجهة الأخرى.

وربما لهذا تبقى المدفأة التي بعتها قبل كل تلك السنوات، في ذاكرتي، أكثر صدقًا من كل المليارات التي تراكمت بعد ذلك.

فهي تروي ببساطة ما لا تستطيع الأرقام وحدها أن تقوله:

كان هناك وطنٌ يبيع فيه الناس مدافئهم كي يبقوا أحياء، بينما كان آخرون يراكمون الثروة حتى صار الوطن نفسه هو المدفأة التي احترق بها الجميع.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح
- العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي
- أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا
- سعر صرف الدينار العراقي: بين دفاع الاحتياطيات وصدمة هرمز
- السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية ...
- كريستوفر فُوت : إصلاح نظام العملة في العراق بين أنقاض الحرب ...
- الكنيسة البروتستانتية في عصر الذكاء الاصطناعي: ماكس فيبر الث ...


المزيد.....




- سوريا: مطار دير الزور الدولي يستقبل أولى رحلات برنامج الأغذي ...
- لحظات انتشال قارب بعد انقلابه قرب تمثال الحرية.. واعتقال الق ...
- المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة: عهد جديد من الأمن والازد ...
- اعتقالات الفساد تعود بعد استراحة قصيرة.. و-أبو مازن- أول الو ...
- زلزال مكافحة الفساد في العراق: أوامر قبض بحق وزير سابق وملاح ...
- ألمانيا.. آلاف الأشخاص يتظاهرون في كولونيا تضامنا مع المثليي ...
- بريطانيا تشهد احتجاجات ضد إنشاء مركز لطالبي اللجوء
- من نار المعارك إلى مياه الأمطار.. مأساة النازحين في السودان ...
- وجهك يكفي.. كيف تتقفى السلطات الأمريكية المهاجرين ومؤيديهم؟ ...
- جنون الإيجارات يحاصر النازحين العائدين إلى ركام الضاحية الجن ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها